طوفان الأقصى كشف وهم خلود القوة، ليضع الأمة في قلب امتحان التدافع؛ حيث لا يجوز انتظار زوال الظالم دون المشاركة الواعية في صناعة أسباب النهوض.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
تمر ذكرى طوفان الأقصى، لكن آثار ذلك اليوم لم تصبح ذكرى بعد.
فما أطلقه الحدث من تحولات، وما كشفه من وجوه ومواقف وتناقضات، ما زال ممتدًا.
ولذلك فالسؤال ليس فقط: ماذا حدث؟ ولا: ماذا سيحدث ومتى؟ بل: ما الذي كشفه الحدث من سنن الله؟ وأين نحن منها؟
1. الأحداث الكبرى تكشف سنن الله
فالقرآن يعلمنا أن وراء حركة الأمم سننًا: قوة تضعف، وضعف يقوى، وظلم يُمهل، وأيام تتداول:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
فلا القوة صك خلود، ولا الضعف حكم مؤبد.لكن القرآن يذكر القرح قبل التداول:
فالدم والقتل والهدم والجوع والخوف والتهجير والفقد ليست أرقامًا في مقالة عن حركة التاريخ. نقرأ السنن وعيوننا على الإنسان، لا بعيدًا عنه.
2. تاريخ الألم الفلسطيني أقدم من طوفان الأقصى
وليس من الإنصاف أن يبدأ تاريخ الألم الفلسطيني من يوم طوفان الأقصى.
فالمشكلة أقدم من الحدث؛ إنها في أصل الاحتلال.
أجيال عاشت الاقتلاع والتهجير والقتل والاعتقال وفقد الأرض والبيت. وفي الضفة الغربية لم يكن هناك طوفان الأقصى، ومع ذلك استمرت مصادرة الأرض والاستيطان والاعتداءات. والقدس والأقصى لم يبدأ ما يواجهانه في ذلك اليوم.
ثم جاء ما بعد طوفان الأقصى فضاعف الثمن بصورة مروعة.
لكن الحدث أعاد سؤالًا ظن الاحتلال أن الزمن قادر على دفنه: هل يستطيع احتلال أن يحول مرور السنوات إلى قبول، وأن يجعل اغتصاب الأرض واقعًا نهائيًا في وعي أصحابها؟
لقد ظهر مرة أخرى أن الذاكرة الفلسطينية لم تمت. فالزمن قد يطيل عمر الباطل، لكنه لا يحوله إلى حق.
3. القوة لا تمنح الخلود
والقوة كذلك لا تمنح أصحابها الخلود.
قال قوم عاد:
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15].وهو مرض يتكرر حين يظن صاحب القوة أن تفوقه اليوم ضمان لتفوقه غدًا.
لكن القرآن يقول:
فالظلم له عاقبته، ولكن الموعد لله. والسنن تعطينا بوصلة، لكنها لا تعطينا تقويمًا زمنيًا؛ نعرف السنة، ولا نعرف الساعة.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [ابراهيم: 42].
4. المحن تكشف الوجوه والمواقف
وكما كشف الحدث وهم القوة، كشف كذلك الوجوه والمواقف:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].كشفت المحنة حكومات ومؤسسات وشعوبًا ونخبًا، داخل أمتنا وخارجها، وفي المقابل ظهرت أصوات وطلاب وحقوقيون وأناس من أمم مختلفة رفضوا الظلم الواقع على الفلسطينيين.
فالمحن لا تصنع كل المواقف؛ أحيانًا تكشف ما كان مختبئًا وراء الكلمات.
5. سقوط صورة القوة قبل زوال القوة
ومن أشد ما تعرض للاختبار صورة الاحتلال نفسه.وفي سورة الإسراء يقول تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: 7].
ولا نجزم بأن ما نشهده اليوم هو تمام تحقق الوعد، ولا نحدد له زمنًا؛ لكن التعبير يفتح بابًا للتدبر: قد تُساء صورة القوة قبل أن تزول قوتها.
فتبقى تملك السلاح والعتاد، بينما تتهاوى الصورة التي بنتها لنفسها وتنفضح ممارساتها أمام الناس.
أما تمام الوعد وموعده وكيفيته، فعلمه عند الله.
لكن القرآن لا يريد منا أن نقف أمام عاقبة الظالم متفرجين.
6. سنة التدافع: ماذا طلب الله منا؟
وهنا نصل إلى قلب المسألة: سنة التدافع.قال تعالى:﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251].
فالفساد إذا تُرك بلا دفع تمدد، والظلم إذا لم يجد من يرده اتسع، والقوة إذا لم تجد ما يردعها تجاوزت حدودها.ثم تأتي الآية التي تعيد ترتيب فهمنا كله:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4].
الله قادر أن ينتصر للحق دوننا، لكنه جعلنا داخل الامتحان:﴿وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4].بل قال:﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 14].
وهنا ينقلنا القرآن من سؤال: ماذا سيفعل الله بالظالم؟ إلى سؤال: ماذا طلب الله منا أمام الظلم؟
فالإيمان بأن الظلم لا يدوم لا يعني انتظار زواله ونحن خارج سنة دفعه.
فلا تجعل إيمانك بسنن الله سببًا للقعود عن سنن الله؛ فمن سننه نفسها أن يدفع الناس بعضهم ببعض.
7. فلسطين امتحان للأمة
وهنا تصبح فلسطين امتحانًا للأمة كلها.فهي ليست قضية تقع خارج الأمة حتى نستعطف الأمة للتضامن معها.
في فلسطين القدس، وفي القدس المسجد الأقصى الذي خلّد الله ذكره في كتاب تتعبد الأمة بتلاوته:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].فالأقصى ليس قضية نستعطف الأمة لتقف معها؛ إنه جزء من أمانتها.
وفلسطين تجمع حق شعب مظلوم في أرضه مع مكانة القدس والأقصى في وعي الأمة؛ ولذلك ظلت من أوضح الرايات الجامعة حول حق بيّن.
ومن هنا لا يكفي أن نسأل: ماذا فعل أهل فلسطين؟ بل: ماذا فعلت الأمة؟
والأمة ليست شيئًا خارج أفرادها ومؤسساتها ودولها؛ إنها مجموع مواقع المسؤولية فيها.
فالسؤال يصل إلى الفرد في دائرته، والعالم في علمه، والإعلامي في منبره، وصاحب المال في ماله، والمؤسسة فيما تملك، وصاحب القرار فيما اؤتمن عليه.
تختلف المسؤوليات، لكن الجميع داخل سنة التدافع.
8. كلٌّ مسؤول بقدر استطاعته
وهنا يأتي ميزان القرآن:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].
لم يقل: حتى تملكوا قوة عدوكم، وإنما:
﴿مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [الأنفال: 60].
فلا يُكلَّف أحد بما لا يملك، ولا يُعفى أحد مما يملك.
ولا ينبغي للأمة أن تنتقي من قضايا الحق ما كان قليل الكلفة؛ فتعلو الأصوات وتُفتح الإمكانات حين تكون القضية مأمونة الثمن، ثم يخفت الصوت حين يصبح للموقف ثمن سياسي أو اقتصادي أو إعلامي.
فالميزان ليس: أي قضية أقل إزعاجًا للقوى الكبرى؟ بل: أين الحق؟ وما واجبنا تجاهه؟
وليس الامتحان دائمًا في معرفة الحق؛ فقد يكون الحق واضحًا كالشمس، وإنما الامتحان: هل نقف معه عندما يصبح للوقوف معه ثمن؟
9. صور النصرة ومسؤوليات الأمة
والنصرة لا تكون بصورة واحدة؛ فالأمة تتحرك من مجموع مواقعها: بعلم يبين، ومال يبذل، وإعلام يكشف، وتربية تحفظ الوعي، وعمل إنساني وقانوني وسياسي مشروع، ومؤسسات تسخر إمكاناتها، وقرار يتحمل صاحبه مسؤوليته.
وكلها صور لمعنى واحد: أن تقوم الأمة بما عليها في سنة التدافع، وألا تكون عونًا للظلم على المظلوم.
10. لا نقرأ سنن السقوط في الآخرين فقط
لكن لا يجوز أن نقرأ سنن السقوط كلها في عدونا، ولا نقرأ سنن الضعف في أنفسنا:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
فالتفرق يتيح الاستفراد بأجزاء الأمة، وذهاب ريحها لا يقف أثره عند حدود بلد أو جماعة.
ولهذا كانت فلسطين والقدس من أوضح الرايات الجامعة؛ لا لأنها تلغي سائر قضايا الحق، ولكن لأنها تجمع حق شعب مظلوم، وحرمة أرض، ومكانة القدس والأقصى في كتاب الأمة ووجدانها.
11. من التدافع إلى الاستخلاف
والتدافع لا ينتهي بإضعاف الظلم؛ بل يحتاج إلى بناء من يصلح لحمل الحق بعده.وهنا يأتي الاستخلاف:
فالاستخلاف ليس أمنية تنتظر سقوط الآخرين؛ بل له شروط من إيمان وعمل صالح وإصلاح وإعداد وصبر.
وقد يزول من فقد أسباب البقاء، لكن زواله لا يعني أن غيره أصبح تلقائيًا أهلًا للاستخلاف:﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38].
12. لا تنتظر زوال الظلم دون أن تبني أسباب النهوض
ومن أخطر أخطاء قراءة السنن أن نقرأها كلها في الآخرين.نتحدث عن ظلمهم، ولا نسأل عن تقصيرنا.
ننتظر زوالهم، ولا نبني أسباب نهوضنا.
ونتحدث عن الاستخلاف، ولا نبني الإنسان الذي يصلح لحمل أمانته.
13. ماذا عساي أن أفعل؟
وهنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن يخرج به كل واحد منا:
ماذا عساي أن أفعل؟
لا تسأل: ماذا تستطيع الأمة؟ وكأنك خارجها.
أنت جزء من الجواب.
فالأمة عالم يبين، وصاحب مال يبذل، وإعلامي يكشف الحقيقة، ومربٍّ يبني الوعي، ومؤسسة تسخر إمكاناتها، وصاحب قرار يحمل مسؤوليته.
علِّم، لكن لا تجعل التعليم نهاية واجبك.
وتذكر، لكن لا تجعل التذكر بديلًا عن العمل.
وادعُ، لكن لا تجعل الدعاء ذريعة لترك السبب.
واسأل في موقعك أنت:
ما الذي أستطيع أن أفعله للحق ولم أفعله بعد؟
ثم اصبر:
14. الخاتمة: لا تنتظر نهاية القصة
ختامًا، السؤال الذي يتركه طوفان الأقصى لنا ليس فقط: متى يزول الظلم؟
فالقرآن علّمنا أن القوة لا تخلد، لكنه لم يعطنا موعدًا.
السؤال هو: أين نحن من سنة التدافع؟
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4].
فالله قادر أن ينتصر دوننا، لكنه جعلنا داخل الامتحان.
فلا يكفي أن تعرف الحق.
ولا أن تتألم لأهله.
ولا أن تنتظر عاقبة الظالم.
السؤال: ماذا فعلت للحق من موقعك؟
فالأمة التي تريد أن تكون حاضرة في عاقبة التاريخ، لا يجوز أن تكون غائبة عن صناعة أسبابه.
وأنت لا تملك توقيت السنن، ولكنك تملك أن تحدد موقعك منها.
فلا تنتظر نهاية القصة لتختار مكانك فيها.