سنن التنزيل
مقال

سنن التاريخ… حين تتكلم القلاع

  • 3 دقائق للقراءة
  • آيتان

سقوط القلاع الحصينة لا يبدأ بتداعي جدرانها وحجارتها، بل بانهيار إرادة الإنسان وتفرّق حراسها عن أسباب القوة التي تحفظ للأمة بقاءها وعزتها.

بسم الله الرحمن الرحيم

طرقتُ باب التاريخ، لا أسأله عن الملوك، ولا عن الجيوش، ولا عن المعارك، بل عن القلاع.

فتحتُ الباب، فإذا بشيخٍ أثقلته القرون، لكنه ما زال يحفظ أسماء المدن التي سقطت، وأسماء القلاع التي بقيت.

قلت له: يا تاريخ، لقد رأيت أممًا قامت ثم زالت، وحضاراتٍ بلغت ذروة المجد ثم أصبحت ذكرى، فكيف تسقط القلاع؟

ابتسم ابتسامةً من سمع هذا السؤال آلاف المرات، ثم قال:

يا بني… لم أرَ في حياتي قلعةً سقطت لأن حجارتها كانت ضعيفة، وإنما رأيت القلاع تسقط يوم ضعفت قلوب حراسها، ويوم اختلف أهلها على قيمة مفاتيحها.

فالأسوار لا تحرس نفسها، والحجارة لا تقاتل، والحديد لا يملك إرادة. وما دام الإنسان ثابتًا بقيت القلعة حصنًا، فإذا انهار الإنسان، لم تنفعه أعلى الأسوار.

ثم أخذ بيدي، وقال:

تعال، سأريك كيف تتكلم القلاع.

وقفنا أولًا أمام قلاع الأندلس.

كانت شامخةً تملأ الأفق، لكنني لم أرها تنهار في يوم واحد، ولم أرَ جدارًا واحدًا هو الذي أسقطها. رأيت التفرق يتسلل إلى النفوس، ورأيت كل تنازل يُقدم على أنه يحفظ ما بقي، حتى أصبح ما بقي أقل مما كان يخشاه الناس أن يضيع.

ثم أغلق الصفحة دون أن يعلق، وكأنه يريدني أن أقرأ السنة قبل أن أقرأ الحادثة.

وسرنا حتى بلغنا سور الصين العظيم.

قلت له: أليس هذا أعظم سور بناه الإنسان؟

قال: بلى.

قلت: وهل حمى الصين؟

قال: لقد كان سورًا عظيمًا، لكن التاريخ علمني أن السور يستطيع أن يمنع الجيوش، ولا يستطيع أن يمنع الغفلة، ولا الخيانة، ولا ضعف الحارس.

ثم أشار إلى إحدى بواباته وقال:

حين فُتحت الأبواب من الداخل، لم يعد ارتفاع السور هو القضية.

فعلمت أن الحجارة قد تكون عظيمة، لكن الإنسان يبقى أعظم منها.

ثم مضينا حتى وقفنا أمام خط ماجينو.

كان تحفةً عسكريةً في زمانه، وظن كثيرون أن الخرسانة والحديد كفيلان بحماية فرنسا من كل غزو.

لكن الحرب أثبتت أن الحصون لا تفكر، وأن الجدران لا تخطط، وأن التحصين وحده لا يغني عن يقظة العقل، ومرونة القيادة، وثبات الإرادة.

قال التاريخ:

لم يكن الانكسار يوم تجاوزت الجيوش الخط، بل بدأ يوم اطمأن الناس إلى الحجارة أكثر من اطمئنانهم إلى الإنسان الذي يحرسها.

ثم أغلق كتابه، وقال:

هل رأيت؟

الأندلس…

وسور الصين…

وخط ماجينو…

ثلاثة أمكنة، وثلاث حضارات، وثلاثة عصور.

لكن السنة واحدة.

إن الأمم لا تبدأ بالسقوط يوم تُهدم قلاعها، وإنما يوم تفقد ثقتها بأسباب بقائها.

ثم سألته:

وهل وجدت هذه السنة بنفسك؟

فنظر إليَّ متعجبًا وقال:

أنا لا أصنع السنن…

أنا فقط أسجل آثارها.

أما الذي سنها فهو الله.

ثم تلا قوله تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]

وسكت.

قلت:

ثم ماذا؟

قال:

أكمل الآية التي ينسى كثير من الناس معناها:

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61].

ثم قال:

أرأيت؟

لم يجعل القرآن القوة نقيضًا للسلام، ولم يجعل السلام طريقًا إلى إلغاء القوة.

بل جعل القوة هي التي تحرس السلام، حتى لا يتحول السلام إلى استسلام، ولا تصبح الحقوق رهينةً لوعدٍ لا يحميه ميزان قوة.

ثم أطرق التاريخ طويلًا، وقال:

لقد رأيت أممًا كثيرةً كانت تظن أن أخطر ما يهددها هو عدوها.

ثم اكتشفت - بعد فوات الأوان - أن الخطر الأكبر كان يوم بدأت تشك في قيمة عناصر قوتها، ويوم صار حراس القلاع أنفسهم يتساءلون: هل تستحق هذه المفاتيح أن نبقى نحملها؟

وهنا تذكرت كلمات القائد الشهيد إسماعيل هنية:

“لن تسقط القلاع، ولن تُخترق الحصون.”

فعرفت أنه لم يكن يتحدث عن حجارة، بل عن الإنسان.

فالقلاع ليست أسوارًا فحسب، وإنما هي العقيدة، والإرادة، ووحدة الصف، والوعي، وكل سبب يحفظ للأمة قدرتها على حماية نفسها وقرارها.

وقبل أن أغادر، أمسك التاريخ بيدي، وقال:

إذا أردت أن تعرف متى تموت الأمم، فلا تنظر إلى اليوم الذي يقتحم فيه العدو أبوابها…

بل انظر إلى اليوم الذي يبدأ فيه أبناؤها بالاختلاف حول قيمة مفاتيحها.

عندها يكون السقوط قد بدأ، وإن بقيت الأسوار قائمة.

ختامًا…

سيظل التاريخ يغير أسماء المدن، ويبدل وجوه القادة، لكن سنةً واحدة لا تتغير:

ما من أمة حافظت على أسباب عزتها إلا وجدت طريقًا إلى النهوض، وما من أمة فرطت فيها وهي تظن أن غيرها سيحفظ لها حقوقها، إلا اكتشفت - بعد فوات الأوان - أن القلاع لا تسقط يوم تُهدم جدرانها، وإنما يوم تضيع مفاتيحها.

شارك المقال