سنة التدافع قانون رباني يحفظ توازن الحياة ويمنع استبداد الباطل، حيث يقيم أهل الحق ميزان العدل ويدفعون الفساد في الفكر والأخلاق وميادين العمل.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
من السنن العظيمة التي تتكرر في القرآن الكريم، وتكاد تمتد خيوطها في كثير من سوره، سنةٌ يغفل عنها كثير من الناس، مع أنها من أعظم السنن التي تحفظ الدين، وتصون الإنسان، وتقيم العدل، وتحول دون استشراء الفساد في الأرض. إنها سنة التدافع؛ السنة التي لا تقوم الحياة مستقرة إلا بها، ولا يبقى الحق ظاهرًا إلا إذا جرت في موضعها، ولا يندفع الباطل إلا إذا وجد من يقف في وجهه.
وكثيرًا ما يُفهم التدافع على أنه مرادف للصراع أو الحرب، بينما يقدمه القرآن في صورة أوسع وأعمق من ذلك بكثير. فالتدافع في ميزان الوحي ليس غايةً يُطلب وقوعها، ولا حالةً استثنائيةً تفرضها ظروف معينة، وإنما هو قانون رباني يحفظ به الله ميزان الحياة، ويمنع به طغيان قوة على أخرى، حتى لا يستأثر المفسدون بالأرض، ولا يستبد الظالمون بمصائر العباد.
ولهذا لم يذكر القرآن سنة التدافع في سياق تمجيد القوة لذاتها، ولا في سياق الدعوة إلى الصدام، وإنما ذكرها في سياق حفظ الأرض من الفساد، فقال سبحانه:
فلم يجعل القرآن نتيجة غياب التدافع هزيمة أمة بعينها، ولا ضياع مصلحة قوم دون قوم، وإنما جعل نتيجته فساد الأرض كلها؛ لأن الله أقام هذا الكون على التوازن، فإذا اختل هذا التوازن، واتسع سلطان الباطل حتى لم يجد من يرده، لم يعد الفساد حادثة عابرة، بل أصبح نظامًا يحكم الحياة.
ومن هنا ندرك أن التدافع ليس عقوبة أنزلها الله على البشر، بل هو من فضله عليهم؛ إذ يحول به دون أن تتحول القوة إلى استبداد، والغلبة إلى طغيان، والباطل إلى قدر لا يُدفع. فكل قوة تحاول أن تفسد في الأرض، أو تستعبد الناس، أو تهدم معاني العدل، فإن الله يقيض لها من يدفعها، حتى يبقى ميزان الحياة قائمًا، وتظل أبواب الإصلاح مفتوحة.
وهذه السنة لا تختص بأمة دون أمة، ولا بزمن دون زمن، لأنها من السنن التي تجري ما دامت الحياة. فكما أن للأرض سننًا تحفظ نظامها، وللأجساد سننًا تحفظ حياتها، فإن للمجتمعات أيضًا سننًا تحفظ بقاءها، ومن أعظمها سنة التدافع، التي تمنع الفساد من أن يصبح هو الأصل، وتجعل الباطل، مهما انتفش، محكومًا بحدود قدرها الله له.
ومن تأمل القرآن وجد أن هذه السنة لا تقتصر على آية واحدة، بل تتكرر بصور متعددة، حتى يتبين أن التدافع ليس حادثة عارضة، وإنما خيط يجري في تاريخ الرسالات كلها. فما من نبي بعثه الله إلا واجه قوة تدفع دعوته، وما من حق ظهر إلا قام في وجهه باطل يريد أن يطفئ نوره، وما من أمة حملت رسالة الإصلاح إلا وجدت من يقاومها. ولو شاء الله لأهلك أهل الباطل بكلمة، ولكنه سبحانه أراد أن تجري الأمور وفق سننه، ليتميز الصادق من المدعي، وليقوم الناس بالقسط، وليتحمل كل جيل مسؤوليته في نصرة الحق.
ولهذا فإن التدافع في القرآن ليس بين أشخاص بقدر ما هو بين منهجين؛ منهج يريد أن يقيم الحياة على العدل والهدى، ومنهج يريد أن يقيمها على الهوى والفساد. وقد تتغير الأسماء، وتتبدل الرايات، وتتطور الوسائل، لكن جوهر المعركة يبقى واحدًا، لأن الصراع الحقيقي ليس على الأرض وحدها، بل على القيم التي تحكم الأرض.
ومن هنا نفهم أن القرآن لا يختزل التدافع في ميدان القتال وحده، بل يجعله أوسع من ذلك. فهناك تدافع بين الحق والباطل في الفكر، وتدافع بين العدل والظلم في القضاء، وتدافع بين الأمانة والخيانة في الأموال، وتدافع بين الفضيلة والرذيلة في الأخلاق، وتدافع بين الحرية والاستعباد في حياة الأمم. وكلما غاب أهل الحق عن ميدان من هذه الميادين، تمدد الباطل فيه حتى يصبح هو الواقع الذي يألفه الناس.
ولذلك لم يكن الفساد الذي حذر منه القرآن مقصورًا على سفك الدماء أو خراب العمران، بل يبدأ يوم يضعف سلطان الحق، ويجرؤ أهل الباطل على نشر باطلهم دون من يردهم، فتختل الموازين شيئًا فشيئًا، حتى يصبح المعروف غريبًا، والمنكر مألوفًا، والعدل استثناءً، والظلم قاعدة. وحينئذ لا يكون الفساد نتيجة حادثة واحدة، وإنما ثمرة لتعطيل سنة من سنن الله في الحياة.
ولهذا كان القرآن يربي المؤمن على أن يكون عنصر إصلاح، لا عنصر انسحاب، وأن يحمل مسؤوليته حيث أقامه الله، لأن التدافع لا يتحقق بالأمنيات، وإنما برجال ونساء يحملون الحق، ويصبرون عليه، ويبذلون وسعهم في إقامته، كل في ميدانه، وكل بحسب قدرته. فرب كلمة حق تدفع باطلًا، ورب موقف عدل يمنع ظلمًا، ورب تربية صالحة تحفظ جيلًا، ورب إعداد صادق يرد عدوانًا قبل أن يقع.
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني؛ فالآية لم تقل: ولولا قتال الناس بعضهم بعضًا، وإنما قالت: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ [البقرة: 251]. فجاء لفظ الدفع أوسع من القتال، لأنه يشمل كل وسيلة مشروعة تُرد بها أسباب الفساد، وتُحمى بها مقومات الحياة، ويُصان بها الحق من أن تبتلعه قوة الباطل.
ومن ثم فإن سنة التدافع ليست دعوة إلى صناعة الأزمات، وإنما هي دعوة إلى منع الأزمات من أن تتحول إلى قدر دائم، وليست دعوة إلى عشق الصراع، وإنما إلى حماية السلم العادل من أن يعبث به المعتدون. ومن هنا يبدأ الفرق بين من يقرأ هذه السنة بعين القرآن، ومن يقرؤها بعين السياسة المجردة أو المصالح الآنية.
ومن هنا تتجلى حكمة القرآن في جمع الآيات التي قد يظن بعض الناس أنها متفرقة، فإذا هي ترسم صورة واحدة متكاملة. فآية البقرة تبين أن غياب التدافع يفضي إلى فساد الأرض، وآية الحج تبين أن ثمرة التدافع حفظ دور العبادة وصيانة حرية الإيمان، وآية الأنفال تبين أن إعداد القوة هو الضمانة التي تحمي السلم وتمنع العدوان. فإذا جمعت هذه الآيات، انكشف أن القرآن لا يتحدث عن وقائع متفرقة، وإنما يؤسس لسنّة ربانية تحفظ بها الحياة.
ولهذا فإن سنة التدافع لا تبدأ يوم تشتعل الحروب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ يوم تُبنى النفوس على الإيمان، وتُربى على الصدق، وتُجمع الكلمة، وتُحكم القيادة، وتُعد أسباب القوة، ويؤدي كل فرد مسؤوليته في موقعه. فالتدافع ليس قرارًا لحظة الأزمة، وإنما ثمرة إعداد طويل سبق الأزمة بسنوات.
ومن هنا نفهم سر عناية القرآن ببناء الإنسان قبل بناء أدوات القوة؛ لأن اليد التي تحمل القوة إذا خلت من التقوى تحولت إلى أداة ظلم، أما إذا امتلأ القلب بالإيمان، فإن القوة تصبح أمانة، لا وسيلة للبطش، ورسالة، لا طريقًا للاستعلاء.
ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين الإيمان والعمل، وبين الأخلاق والقوة، وبين العدل والتمكين. فليس كل قوي محمودًا، كما أن الضعف ليس فضيلة في ذاته. وإنما الفضيلة أن تكون القوة في خدمة الحق، وأن يكون التمكين في خدمة العدل، وأن يكون السلطان وسيلة لإقامة أمر الله، لا لتحقيق أهواء البشر.
وهنا يظهر خطأ من ينظر إلى التدافع على أنه مجرد مواجهة عسكرية، أو صراع سياسي؛ لأن القرآن أوسع أفقًا من ذلك. إنه يريد أمة قوية في عقيدتها، قوية في علمها، قوية في أخلاقها، قوية في اقتصادها، قوية في وحدتها، قوية في إعدادها، حتى إذا اضطرت إلى دفع العدوان كانت قوتها آخر الدواء، لا أول الخيارات، وكانت غايتها رفع الظلم، لا صناعة الظلم.
ختامًا، فإن سنة التدافع ليست سنةً يعيش الناس في ظلها أسرى للصراع، وإنما سنةٌ تحفظهم من استبداد الباطل إذا أراد أن يستولي على الحياة. وهي ليست دعوةً إلى الحرب، وإنما دعوة إلى إعداد القوة التي تحمي السلام، وإلى إقامة العدل الذي يمنع الفساد، وإلى بناء الإنسان الذي يحمل الأمانة قبل أن يحمل السلاح.
فإذا أدركت الأمة هذه السنة، وأقامتها على هدي القرآن، علمت أن الحق لا يحفظ بالأماني، ولا يقوم بالشعارات، وإنما يحفظ بالإيمان الصادق، والوحدة الراشدة، والإعداد الحكيم، والأخذ بالأسباب التي أمر الله بها، ثم بالتوكل عليه سبحانه. وعندئذ تتحقق حكمة قوله تعالى:
فما دام في الأرض من يقوم بالحق، ويدفع الظلم، ويمنع الفساد، بقي للأرض ميزانها، وبقي للحياة عمرانها، وبقي للإنسان أمله في أن العاقبة ليست لمن يملك أسباب القوة وحدها، وإنما لمن يجمع بين الإيمان، والعدل، والقوة، فيسير على سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول.