سنن التنزيل
دراسةُ سورة البقرة · الجزء 8 من 11

سورة البقرة — المحور الثامن: من الخوف من الموت إلى سنة التدافع: كيف تُبنى الجماعة المؤمنة على القيادة والطاعة والثبات؟

  • 15 دقيقةً للقراءة
  • 13 آيةً

بناء الجماعة المؤمنة يتطلب تجاوز الخوف من الموت، وإرساء المسؤولية على كفاءة القيادة، وانضباط الطاعة، والثبات الذي يحفظ الحقوق عبر سنة التدافع.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] البقرة: 243.

بعد أن عالجت السورة أحكام الأسرة، وما تحتاج إليه من عدل وتقوى وحفظ للحقوق، تنتقل إلى ميدان آخر من ميادين الابتلاء: ميدان الخوف والموت والقتال، وما يترتب عليه من مسؤوليات جماعية.

وتبدأ بقصة قوم خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.

واللافت أن القرآن لم يسمِّ هؤلاء القوم، ولم يحدد موضع خروجهم أو زمنه، وإنما ركز على الحدث الذي يريد أن يلفت الأنظار إليه.

فقد خرجوا حذر الموت، لكن الله أماتهم ثم أحياهم.

وهنا تتجلى حقيقة أن الحياة والموت بيد الله.

فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب التي تحفظ حياته، لكنه لا يملك أن يجعل هذه الأسباب ضمانًا مطلقًا للنجاة.

وقد يهرب من خطر فيصيبه الموت في موضع ظنه آمنًا، وقد يواجه خطرًا فينجو بما قدر الله له.

لكن ينبغي أن نضبط فهم هذه القصة.

فهي لا تعني أن الخروج من مواضع الخطر محرم في ذاته، ولا أنها تدعو الناس إلى البقاء في أماكن الهلاك وترك وسائل النجاة.

فالشرع أمر بحفظ النفوس، وأباح الانتقال والفرار من مواطن الخطر في أحواله المشروعة.

وإنما تكشف القصة محدودية قدرة الإنسان على التحكم في أجله، وأن الخوف من الموت لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لترك ما أوجب الله عليه.

فالأخذ بالأسباب واجب في مواضعه، لكن الأسباب لا تستقل عن تقدير الله، والخوف لا يجوز أن يصبح حاكمًا على كل اختيار يتخذه المؤمن.

ثم يقول تعالى:

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 244] البقرة: 244.

وهنا يأتي الأمر بالقتال في سبيل الله بعد التذكير بأن الحياة والموت بيده سبحانه.

والصلة بين الآيتين ظاهرة في تربية المؤمن على ألا يجعل الخوف من الموت سببًا للتخلي عن الواجب المشروع.

لكن هذا لا يعني أن كل قتال يرفع أصحابه شعارًا دينيًا يكون قتالًا في سبيل الله.

فالقتال له أحكامه وضوابطه، وقد سبق أن قررت السورة:

﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] البقرة: 190.

ولهذا ينبغي أن يكون الحديث عن الشجاعة والثبات مقترنًا بالحديث عن المشروعية والعدل وحفظ الحقوق.

ثم يختم الأمر بقوله:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 244].

فالله يسمع أقوال عباده، ويعلم مقاصدهم وأعمالهم.

وقد يتشابه فعل إنسانين في ظاهره، لكن يختلف قصدهما اختلافًا عظيمًا.

ومن هنا لا يكفي أن يكون العمل شاقًا أو محفوفًا بالمخاطر حتى يكون صالحًا؛ بل لا بد من صحة المقصد ومشروعية الفعل.

ثم يقول تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] البقرة: 245.

وهنا يأتي الحديث عن البذل المالي بعد الأمر بالقتال.

فالجماعة لا تستطيع أداء مسؤولياتها بمجرد إعلان الاستعداد والتضحية، بل تحتاج إلى بذل الموارد التي تقوم بها مصالحها المشروعة.

واللافت أن القرآن يسمي الإنفاق في سبيل الله قرضًا حسنًا، مع أن الله غني عن عباده.

وهذا من عظيم فضله، إذ يَعِد المنفق بالأجر والمضاعفة.

لكن الوعد بالمضاعفة لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضمان لربح مالي عاجل بمقدار محدد.

فثواب الله أوسع من حسابات الدنيا، وقد يرزق العبد في دنياه، وقد يدخر له من الأجر ما هو أعظم وأبقى.

ثم يقول تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245].

وهنا يذكّر القرآن بأن الرزق بيد الله.

فالإنسان يبذل من مال هو في أصله رزق من الله، ويرجو ثواب من يملك خزائن السماوات والأرض.

لكن هذا لا يعفيه من حسن التدبير، ولا يبيح له أن يضيع حقوق من تلزمه نفقتهم.

فالبذل المشروع يجمع بين الإخلاص والحكمة وأداء الحقوق.

ثم تبدأ قصة بني إسرائيل مع طالوت:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] البقرة: 246.

وهنا تنتقل السورة إلى تجربة جماعية تكشف الفارق بين إعلان الاستعداد وتحمل تبعاته.

فقد طلب هؤلاء من نبي لهم أن يبعث لهم ملكًا يقاتلون تحت قيادته.

وهذا الطلب يدل على إدراكهم الحاجة إلى قيادة تجمعهم وتنظم أمرهم.

لكن نبيهم واجههم بسؤال يكشف حقيقة الاستعداد:

﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: 246].

فقد يكون طلب القيادة أو إعلان الرغبة في المواجهة أمرًا يسيرًا في الكلام، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين يصبح التكليف واقعًا يحتاج إلى تضحية وانضباط.

فأجابوا:

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246].

وهنا يذكرون ما أصابهم من إخراج من الديار والأبناء، وهو ما يبين شدة ما كانوا يواجهونه من ظلم ومحنة.

لكن القرآن يكشف ما وقع بعد ذلك:

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 246].

وهنا يظهر الفرق بين الحماسة عند الحديث عن الواجب والثبات عند أدائه.

فقد يجتمع الناس على مطلب، ثم يتراجع كثير منهم حين تظهر تكاليفه.

وقد يطالبون بالإصلاح، ثم يعزفون عن المشاركة فيه حين يحتاج إلى وقت وجهد وتضحية.

وقد يعلنون الاستعداد لتحمل المسؤولية، ثم يتركونها حين تصبح أعباؤها حقيقية.

ولا يعني ذلك أن كل من عجز عن أداء عمل معين مذموم؛ فالقدرات والأعذار تختلف، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

لكن الآية تصف من تولوا بعد أن كُتب عليهم القتال، وتكشف خطورة الفجوة بين الادعاء والاستجابة.

فصدق الموقف لا يقاس بقوة العبارة التي تقال قبل الامتحان، وإنما بما يظهر من الوفاء حين يحين وقت العمل.

ثم يقول تعالى:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] البقرة: 247.

وهنا يأتي تعيين طالوت ملكًا لهم بإخبار نبيهم.

لكنهم اعترضوا:

﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: 247].

وهنا يظهر خلل في معيار الاختيار.

فقد نظروا إلى ما اعتادوه من اعتبارات المكانة والمال، ولم يجعلوا الأهلية التي أخبرهم بها نبيهم هي الميزان.

فجاء الجواب:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247].

وهنا يبين القرآن أن طالوت اختير لهم، وأنه أوتي من العلم والقوة البدنية ما يناسب مسؤوليته.

واللافت أن المال لم يكن معيار الاختيار الحاسم.

لكن ينبغي أن نميز بين هذه الواقعة التي ثبت فيها الاصطفاء بوحي إلى نبي، وبين اختيار القيادات في المجتمعات المعاصرة.

فلا يملك أحد اليوم أن يدعي أن الله اصطفاه لمنصب سياسي على النحو الذي أخبر به النبي قومه في هذه القصة.

وإنما نستفيد من الآية أن الأهلية والكفاءة والعلم والقدرة من المعايير التي ينبغي مراعاتها عند إسناد المسؤوليات.

فالقيادة ليست مكافأة على الغنى، ولا امتيازًا يمنح لمجرد النسب أو المكانة الاجتماعية.

بل هي أمانة تحتاج إلى من يستطيع أداءها.

وهذا المعنى يتجاوز القيادة العسكرية إلى مختلف مواقع المسؤولية.

فقد تُسند إدارة مؤسسة إلى صاحب نفوذ لا يملك الكفاءة، فيترتب على ذلك فساد أو ضياع للحقوق.

وقد يُقدَّم شخص لمجرد قربه من أصحاب القرار، ويُستبعد من هو أقدر على أداء المهمة.

وهنا يذكرنا القرآن بأن المسؤولية ينبغي أن ترتبط بالأهلية، لا بمجرد المظهر والمكانة.

ثم يقول تعالى:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 248] البقرة: 248.

وهنا يذكر القرآن آية تؤكد لهم صدق ما أخبرهم به نبيهم.

ولا ينبغي أن ننشغل بتفاصيل لم يثبت بها نص، من شكل التابوت أو جميع محتوياته أو كيفية حمل الملائكة له.

فالمقصود في سياق القصة أن الله أقام لهم آية على صحة الخبر الذي جاءهم به نبيهم.

ثم يقول تعالى:

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: 249] البقرة: 249.

وهنا تبدأ مرحلة جديدة من الامتحان.

فبعد طلب القيادة والاعتراض على اختيارها، يأتي اختبار الانضباط في الميدان.

قال طالوت:

﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: 249].

وهذا تكليف خاص بذلك الامتحان، وليس قاعدة عامة تمنع الجيوش أو الناس من شرب الماء عند الحاجة.

والعبرة في القصة أن الله امتحنهم بأمر محدد يكشف مدى التزامهم.

ثم يقول تعالى:

﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 249].

وهنا يتكرر مشهد التراجع الذي ظهر في بداية القصة.

فقد كان كثير منهم مستعدين للكلام عن القتال، لكنهم لم يثبتوا جميعًا عند الاختبار.

واللافت أن الامتحان جاء في أمر قد يبدو صغيرًا إذا قورن بالمواجهة الكبرى التي تنتظرهم.

لكن القدرة على الانضباط في التفاصيل قد تكشف حقيقة الاستعداد لتحمل المسؤوليات الأكبر.

وهذا معنى يحتاج إليه كل عمل جماعي.

فقد تمتلك الجماعة عددًا كبيرًا من الأفراد، لكنها تفتقر إلى الانضباط.

وقد تتوفر لها الموارد، لكنها تسيء إدارتها.

وقد تتفق على هدف، ثم تتفرق عند أول اختبار للالتزام.

لكن لا ينبغي أن نفهم القصة على أنها تبيح للقادة وضع اختبارات تعسفية تضر الناس أو تعريضهم للحرمان بغير حق.

فالاختبار المذكور كان بأمر أخبر به طالوت عن الله، وليس تفويضًا مفتوحًا لأي قيادة بشرية أن تتصرف في حياة أتباعها دون ضوابط.

ثم يقول تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: 249].

وهنا يظهر أثر رؤية قوة الخصم في النفوس.

فقد شعر بعض من جاوزوا النهر بعظم المواجهة، وقالوا إنهم لا طاقة لهم بجالوت وجنوده.

لكن القرآن يعرض موقفًا آخر:

﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].

وهنا تظهر قوة اليقين بلقاء الله.

فأصحاب هذا الموقف لم يجعلوا كثرة العدو دليلًا قاطعًا على استحالة الغلبة.

لقد استحضروا أن النصر بيد الله، وأن قلة العدد لا تمنع وقوع الغلبة بإذنه.

لكن الآية لا تقرر أن كل فئة قليلة ستنتصر على كل فئة كثيرة، ولا أن الإيمان يعفي من الإعداد أو مراعاة موازين القوة.

فقد قالوا:

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249].

ولم يقولوا إن كل فئة قليلة تغلب بالضرورة.

وهذا فرق مهم.

فالمؤمن لا يستسلم لمجرد تفوق خصمه في العدد والعدة، لكنه كذلك لا يبني قراراته على تجاهل الواقع أو الاستهانة بالأسباب.

بل يجمع بين الثقة بالله، وحسن الإعداد، والانضباط، وتقدير القدرة والمآلات.

فالقلة ليست حكمًا حتميًا بالهزيمة، كما أن الإيمان ليس ترخيصًا لإهمال الأسباب.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250] البقرة: 250.

وهنا يظهر الدعاء عند مواجهة الشدة.

واللافت ترتيب ما سألوه من الله.

بدأوا بالصبر:

﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: 250].

ثم سألوا الثبات:

﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة: 250].

ثم سألوا النصر:

﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].

وهذا الترتيب يفتح بابًا للتأمل.

فالمواجهة لا تحتاج إلى أدوات القوة وحدها، بل تحتاج إلى نفوس تستطيع الثبات عند الشدة.

وقد يملك الإنسان الوسائل، لكنه ينهار حين يواجه الخوف.

وقد يملك القدرة على البدء، لكنه يعجز عن الاستمرار.

ولهذا كان الصبر والثبات من أعظم ما يحتاج إليه من يتحمل مسؤولية صعبة.

لكن الدعاء هنا لم يكن بديلًا عن العمل.

فقد خرجوا مع طالوت، وجاوزوا النهر، وواجهوا جالوت وجنوده، ثم دعوا الله.

وهكذا يجتمع العمل والدعاء.

فالمؤمن لا يجعل ثقته بالأسباب سببًا للاستغناء عن الله، ولا يجعل دعاءه سببًا لترك ما يجب عليه من عمل.

ثم يقول تعالى:

﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251] البقرة: 251.

وهنا تأتي نتيجة المواجهة.

فقد هزموا جالوت وجنوده بإذن الله، وقتل داود جالوت، ثم آتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء.

واللافت أن القرآن نسب الهزيمة إلى إذن الله، مع أن القوم قاموا بالفعل وبذلوا الأسباب.

وهذا يعيدنا إلى أصل قررته السورة في مواضع متعددة: أن الإنسان يعمل، لكن النتيجة لا تستقل عن مشيئة الله.

فلا يجوز أن يغتر المنتصر بنفسه، كما لا ينبغي أن يظن أن امتلاكه للأسباب يجعله مستغنيًا عن ربه.

ثم تأتي الآية التي تكشف سنة عظيمة من سنن الله في الحياة:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251] البقرة: 251.

وهنا تنتقل القصة من واقعة محددة إلى معنى أوسع.

فالله يدفع الناس بعضهم ببعض، وفي هذا الدفع حفظ للأرض من الفساد.

وهذه سنة تظهر آثارها في حياة المجتمعات والأمم.

فقد يتمكن الظالم إذا لم يجد من يردعه، وقد تتسع دائرة الاعتداء إذا غابت القوى التي تمنعه.

وقد يحتاج حفظ الحقوق إلى مؤسسات عادلة، وقضاء مستقل، ورقابة على السلطة، وقدرة مشروعة على دفع العدوان.

لكن سنة التدافع لا تعني أن كل صراع بين قوتين يكون حقًا، ولا أن مجرد وقوع الغلبة دليل على عدالة الغالب.

فقد ينتصر ظالم في مرحلة من المراحل، وقد يبتلى أهل الحق بالهزيمة.

ولا يجوز أن نجعل نتائج المواجهات وحدها معيارًا للحكم الأخلاقي على أطرافها.

كما أن التدافع لا ينحصر في القتال.

فقد يكون بالعلم الذي يواجه الجهل، وبالعدل الذي يمنع الاستبداد، وبالإصلاح الذي يقاوم الفساد، وبالقضاء الذي يرد الحقوق، وبالموقف الذي يمنع الاعتداء.

لكن لا ينبغي أن نلغي سياق الآية المتعلق بالمواجهة بين طالوت وجالوت، أو أن نجعل كل صورة من صور التنافس الاجتماعي مساوية لها في الحكم.

وإنما نستفيد من المعنى الكلي أن دفع الفساد يحتاج إلى أسباب يقوم بها الناس، وأن ترك الظلم يتمدد دون مقاومة مشروعة قد يفضي إلى فساد عظيم.

فسنة التدافع لا تعني تمجيد الصراع لذاته، وإنما تكشف أن حفظ الحق ومنع الفساد يحتاجان إلى قوة عادلة تتحمل مسؤولية الدفع وفق حدود الله.

وهنا يظهر أن بناء الأمة لا يكتمل بمجرد صلاح الأفراد في عباداتهم الخاصة.

فالأمة تحتاج كذلك إلى قيادة مؤهلة، ومؤسسات تحفظ الحقوق، وقدرة على تنظيم الموارد، وانضباط في أداء المسؤوليات، وثبات حين تواجه الشدائد.

وقد يكون المجتمع كثير العدد، لكنه ضعيف الأثر إذا تفرقت كلمته أو غابت عنه الكفاءة.

وقد تكون موارده كبيرة، لكنها تضيع إذا استولى عليها الفساد.

وقد يملك أدوات القوة، لكنه يفتقر إلى العدل الذي يضبط استعمالها.

ولهذا فإن من مقتضيات الاستجابة لله أن يتحمل كل إنسان مسؤوليته في موضعه.

فصاحب العلم مسؤول عن أمانة العلم.

وصاحب المال مسؤول عن حقوق المال.

وصاحب القرار مسؤول عن العدل في قراره.

ومن يتولى أمر الناس مسؤول عن حفظ مصالحهم وعدم تعريضهم للضرر بغير حق.

ولا يملك أحد أن يجعل صلاح نيته عذرًا لإهمال الكفاءة أو تجاهل النتائج المتوقعة لأفعاله.

ثم يقول تعالى:

﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: 252] البقرة: 252.

وهنا تختم القصة بالتذكير بأن ما ورد فيها من آيات الله التي يتلوها على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالحق.

فليست الغاية مجرد معرفة خبر من أخبار الأمم السابقة، وإنما الانتفاع بالهداية التي يحملها الوحي.

وهذا يعيدنا إلى مطلع السورة:

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].

فالهداية التي بدأت ببيان صفات المتقين، ثم عرضت تجربة بني إسرائيل مع العهد، وامتحان إبراهيم عليه السلام، ومسؤولية الأمة الوسط، وأحكام العبادة والأسرة والحقوق، تأتي الآن لتبين كيف يظهر صدق الإيمان في مواجهة الخوف، وفي اختيار القيادة، وفي الانضباط، وفي بذل المال، وفي الثبات أمام القوة.

والخيط الذي يجمع هذه المعاني هو الاستجابة لله حين يصبح التكليف امتحانًا عمليًا.

فقد طلب بنو إسرائيل ملكًا يقاتلون معه، لكن كثيرًا منهم تولوا حين كتب عليهم القتال.

وقد اعترضوا على طالوت لمعايير تتعلق بالمكانة والمال، لكن الله بين لهم أهليته.

وقد خرج الجنود، لكن كثيرًا منهم لم يثبتوا عند امتحان النهر.

ثم بقي من ثبت، واستحضروا لقاء الله، وسألوه الصبر والثبات والنصر، فكانت الغلبة بإذنه.

وهنا ينبغي ألا نقف عند نهاية القصة فننظر إلى النصر وحده، ونغفل الطريق الذي سبقه.

فقد سبقه امتحان للصدق، ثم امتحان لمعيار القيادة، ثم امتحان للطاعة والانضباط، ثم امتحان للثبات أمام كثرة الخصم.

وهذا لا يجعل تلك المراحل وصفة آلية تضمن النصر لكل جماعة تكررها، لكنه يكشف معاني أصيلة لا يستقيم العمل الجماعي دون مراعاتها.

فالإيمان يوجه الغاية، والعلم يعين على حسن القرار، والانضباط يحفظ الجهد، والصبر يثبت النفوس، والعدل يضبط استعمال القوة.

ومن هنا تنتقل السورة إلى الحديث عن الرسل الذين حملوا الهداية إلى الناس، وعن تفاوت ما آتاهم الله من الفضل، وعن الاختلاف الذي وقع بعد مجيء البينات.

قال تعالى:

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253] البقرة: 253.

فتنتقل السورة من قصة داود عليه السلام، وما آتاه الله من الملك والحكمة، إلى المشهد الأوسع للرسالات والنبوات، لتقرر أن الهداية التي تحتاج إليها الأمم مصدرها الوحي، وأن ما يقع بين الناس من اختلاف وتدافع لا يخرج عن علم الله ومشيئته، مع بقاء مسؤوليتهم عن اختياراتهم وأعمالهم.

شارك المقال