امتحان القوة يبدأ حين تملك القدرة، فالحضارات لا تقاس بضخامة عمرانها بل بمدى التزامها بالعدل والرحمة ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه الضعفاء في مساحات التمكين.

قال تعالى:
تأمل هذا الاجتماع:
﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: 9]،
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ [الروم: 9]،
﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ﴾ [الروم: 9].
قوة وعمل وعمران، ومع ذلك كانت العاقبة السقوط.
فليس كل من عمَّر الأرض قد أقام حضارة عادلة، وليس كل تقدم في القدرة تقدمًا في الإنسان.
قد نبني المدينة ونهدم الإنسان، ونرفع الأبراج ونخفض قيمة الحياة، ونتقدم في العلم بينما نتراجع في الرحمة، ونمتلك من التقنية ما يزيد قدرتنا على البناء، ثم نستعملها في زيادة قدرتنا على الظلم.
فالقرآن لا يجعل السؤال فقط:
ماذا بنيتم؟
بل:
ماذا فعلتم بما أُعطيتم؟
حين تصبح القوة بداية الامتحان
قال موسى عليه السلام لقومه وهم تحت بطش فرعون:
﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].
كانوا مستضعفين، ومع ذلك لم يجعل موسى عليه السلام هلاك عدوهم نهاية القصة.
فبعد امتحان الاستضعاف يأتي امتحان القوة:
﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].
ومن هنا نفهم أن زوال الظالم لا يعني بالضرورة زوال أخلاق الظلم، وأن انتقال القوة إلى المظلوم لا يكفي وحده لضمان العدل.
فقد نرفض الاستبداد حين يقع علينا، ثم نمارسه إذا صار القرار بأيدينا.
ونرفض المحسوبية عندما تحرمنا حقنا، ثم نستعملها عندما تنفعنا.
ونتألم من قسوة من فوقنا، ثم نكررها مع من أصبح تحت مسؤوليتنا.
فتغيُّر المواقع لا يعني دائمًا تغيُّر النفوس.
ولذلك ليست العبرة أن تنتقل إليك القوة بعد عدوك فحسب، وإنما:
ماذا ستفعل بها إذا أصبحت في يدك؟
﴿إِن مَّكَّنَّاهُمْ… أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج: 41]
وهنا يأتي الجواب القرآني:
وأول ما ذكره القرآن بعد التمكين:
﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج: 41].
لم تقطعهم الأرض عن رب الأرض، ولم تجعلهم القوة يستغنون عن العبودية.
واللافت أن الصلاة هنا ليست بعيدة عن مشهد العمران، بل هي أول صفة ذكرها القرآن لمن أُعطوا القوة في الأرض.
ثم ينتقل أثر الصلة بالله إلى المال:
﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: 41، 78].
ثم إلى المجتمع:
﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: 41].
صلة بالله، وحق في المال، ومسؤولية في المجتمع.
فالتمكين في القرآن ليس شهادة تفوق، بل أمانة ومسؤولية.
ولكل واحد منا مساحة من القدرة
قد نظن أن آيات القوة والتمكين خاصة بالحكام والدول، مع أن لكل واحد منا مساحةً من القدرة والمسؤولية.
الأب في بيته، وصاحب العمل مع عماله، والمعلم مع طلابه، وصاحب المال في ماله، والعالم في علمه، وصاحب الكلمة مع جمهوره، والمسؤول فيما وُضع بين يديه من مصالح الناس.
وفي كل مساحة يعود السؤال نفسه:
﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].
كيف نعامل من يحتاج إلينا؟
هل نعدل بين أبنائنا؟
هل نعطي العامل حقه؟
هل ننصف من نختلف معه؟
هل نستعمل العلم لننفع أم لنستعلي؟
وهل نريد العدل لأنه عدل، أم لأننا الطرف الذي ينتفع به؟
وقد يمنع العجز بعض الناس من الظلم، لكن حقيقة العدل تظهر بصورة أوضح حين توجد القدرة، ويبقى الإنسان ملتزمًا بالحق.
ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فالعدل يُختبر عند الخصومة، والغضب، والقدرة.
الحضارة تُختبر عند الضعيف
ولعل من أصدق الموازين التي تكشف حقيقة أي مجتمع:
كيف يعامل من لا يستطيع أن يفرض حقه بنفسه؟
اليتيم، والمسكين، والفقير، والضعيف، والأسير، والمشرد، وكل من قلت أسباب قوته.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
فما قيمة حضارة تستطيع أن تبلغ أعماق الفضاء، ثم يعجز ميزانها الأخلاقي عن حماية طفل من الجوع، أو مستضعف من القتل، أو إنسان من الإذلال؟
ليست المشكلة دائمًا في نقص العلم أو القدرة، بل في:
ماذا نفعل بما نعلم وما نملك؟
المجتمع الحي يصحح نفسه
ولأن الخطأ والفساد يمكن أن يقع في كل مجتمع، لم يجعل القرآن سلامة الأمم في خلوها التام منه، وإنما كشف أهمية بقاء من يقاومه:
فالخطر ليس أن يقع الخطأ فقط، بل أن يفقد المجتمع قدرته على تصحيحه.
حين يسكت العالم، ويجامل صاحب الكلمة، ويغطي المسؤول التقصير، ويألف الناس الفساد حتى يصبح الاعتراض عليه هو المستغرب.
وهذا يبدأ في البيت كما يبدأ في الدولة.
فالبيت الذي لا يقبل النصيحة تتراكم أخطاؤه، والمؤسسة التي تعاقب من يكشف خللها تأكل نفسها، والأمة التي تفقد قدرتها على مراجعة نفسها تبدأ في فقد أسباب عافيتها.
السقوط يبدأ قبل أن نراه
قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: 59].
بين الظلم وظهور العاقبة قد يكون زمن.
ولهذا لا ينبغي أن يخدعنا استمرار القوة.
فالإمهال لا يعني تعطيل السنن، وتأخر النتيجة لا يعني غياب أسبابها.
قد يبدأ السقوط بكذبة تُقبل، وحق يُبخس، ومحسوبية تُبرر، وظلم نسكت عنه لأنه لا يصيبنا.
ثم يصبح الاستثناء عادة، والعادة ثقافة، والثقافة نظامًا، حتى تأتي لحظة السقوط فيحسبها الناس مفاجئة، مع أن جذورها كانت تنمو منذ زمن.
من النفس إلى التاريخ
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فما في النفس لا يبقى فيها.
الفكرة تصنع سلوكًا، والسلوك المتكرر يصنع عادة، والعادات المشتركة تصنع ثقافة، والثقافة تنعكس على المؤسسات، والمؤسسات تصنع واقعًا، والواقع المتراكم يصبح تاريخًا.
ولهذا لا يكفي أن نسأل:
لماذا لا تنهض أمتنا؟
بل نسأل أيضًا:
ماذا نفعل نحن في المساحة التي جعلها الله في أيدينا؟
فالحضارة الكبرى تبدأ من اختبارات صغيرة تتكرر كل يوم.
ختامًا
قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
لا تبقى القوة في يد أحد إلى الأبد.
قد يصبح المستضعف قويًا، والقوي ضعيفًا، وقد تصعد أمة وتتراجع أخرى.
ولهذا لا يكفي أن نسأل:
كيف نصل إلى القوة؟
بل:
كيف نعمل إذا أصبحت القوة في أيدينا؟
لقد أخبرنا القرآن عن أقوام:
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: 9]،
و:
﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ﴾ [الروم: 9]،
فلم ينقذهم عمرانهم حين ظلموا أنفسهم.
وأخبرنا عن الاستخلاف فقال:
﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].
وعن أهل التمكين فقال:
﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج: 41].
وهكذا تبدأ الحضارة العادلة:
إنسان لا تفسده القدرة، وأسرة تحفظ الحقوق، ومجتمع يستطيع أن يصحح أخطاءه، ومال يؤدي حقه، وعلم ينفع، وقوة لا تحمل صاحبها على الظلم، وتمكين يزيد صاحبه عبوديةً لله ومسؤوليةً عن خلقه.
فالإنسان العادل بذرة المجتمع العادل، والمجتمع العادل بذرة الحضارة العادلة.
ويبقى السؤال القرآني مفتوحًا لنا جميعًا، من أصغر مساحة من القدرة إلى أوسع سلطان:
لكل واحد منا شيء جعله الله في يده… فكيف يعمل بما أُعطي؟
﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.