سنن التنزيل
مقال

من رجاء النصر إلى صناعة أسبابه

  • 4 دقائق للقراءة
  • 13 آيةً

نصرة الحق لا تكتفي بصدق الدعاء وتمني الفرج، بل تتطلب تحويل الرجاء إلى سعي عملي، وبناء أسباب التناصر والتعاون لإقامة العدل في الواقع.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].

تأمل هذا النداء العظيم: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].

والله سبحانه غني عن العالمين، وإنما نصرة الله هي نصرة دينه، والقيام بأمره، وإقامة العدل، ودفع الظلم، ونشر الخير بين الناس.

كم مرة رفعنا أيدينا ندعو الله أن ينصر المسلمين، ويرفع الظلم عن المستضعفين، ويعيد للأمة عزتها ومكانتها؟

ولكن هل سألنا أنفسنا:

ما نصيبنا نحن من العمل لنصرة الحق الذي ندعو الله أن ينصره؟

ليس السؤال عن قيمة الدعاء؛ فهو عبادة عظيمة، ولا عن صدق الدموع؛ فالألم على أحوال الناس رحمة.

وإنما عن المسافة بين ما نرجوه من الله وما نبذله من أسباب.

قال تعالى:

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].

فالمسلم ليس منحازًا إلى شخص لأنه يوافقه، ولا إلى جماعة لأنها تنتسب إليه، وإنما ينحاز إلى الحق حيث كان، وإلى العدل مع من كان.

فصدق الانحياز يظهر حين يطلب منا العدل أن نخالف أهواءنا.

ولكن كيف ينتقل الإنسان من رجاء انتصار الحق إلى العمل من أجله؟

يعقوب عليه السلام… من الرجاء إلى السعي

حين فقد يوسف قال:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].

ومرت السنوات، وتجددت المحنة بفقد أخيه، فلم ينطفئ رجاؤه، بل قال:

﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 83].

تأمل ﴿جَمِيعًا﴾؛ فقد اشتدت المحنة، لكن الرجاء اتسع ليشمل اجتماع الغائبين.

ولم يكن رجاؤه خاليًا من الألم:

﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].

ثم كشف عن أصل ثقته:

﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86].

لكن القصة لم تتوقف عند الرجاء والحزن، بل انتقلت إلى العمل:

﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].

يا لها من مدرسة قرآنية!

معرفة بالله تُثمر رجاءً، ووجدان يتألم، وجوارح تتحرك للأخذ بالأسباب.

لم يمنع الحزن يعقوب من توجيه أبنائه إلى البحث، ولم تجعله ثقته بالله مستغنيًا عن السعي.

وهكذا في واقعنا؛ كثيرون يتمنون أن تعود للأمة عزتها، ومنهم من يتألم لما أصابها، ولكن كم من هذا الاهتمام يتحول إلى عمل وإصلاح وبذل؟

لسنا نقيس صدق الناس بدموعهم، ولا نكلف العاجز ما لا يطيق.

ولكننا نتعلم أن:

الرجاء ليس بديلًا عن الحركة، والحركة ليست بديلًا عن الرجاء.

من العمل الفردي إلى التناصر الجماعي

قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

وقال سبحانه:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].

فليس المطلوب أفرادًا يحبون الخير فحسب، بل مجتمعًا يتعاون على نشره وحمايته.

كم من مشروع نافع تعثر لأنه لم يجد من يسانده، وكم من حق ضاع لأن أصحابه لم يتعاونوا على حمايته!

إن الخير يحتاج إلى من يحمله، ثم إلى من يتعاونون على حمله.

وهذا المعنى يتسع من الفرد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الأمة.

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73].

تأتي الآية في سياق الولاية والنصرة، وتحذر من التفريط في التناصر الذي أمر الله به.

وقد تختلف الدول في لغاتها ومصالحها، لكنها تستطيع التعاون حين تدرك قيمة المشتركات.

فكيف استطاعت دول أوروبية مختلفة بناء صور واسعة من التعاون وتيسير التنقل والتجارة، بينما ما زالت عوائق كثيرة تفصل بين شعوب عربية وإسلامية تجمعها روابط الدين واللغة والتاريخ والمصالح؟

ليست المشكلة في وجود حدود تحفظ حقوق الدول، وإنما في تحولها إلى حواجز تمنع التعاون.

فما قيمة المشتركات التي نعتز بها إن لم تتحول إلى تعاون يحفظ الحقوق ويبني القوة؟

سنة التدافع… حين تتحول النصرة إلى قوة

قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251].

فالفساد لا يُدفع بمجرد كراهيته، والحقوق لا تُحمى بالأمنيات وحدها، وإنما تحتاج إلى أسباب ومواقف وتعاون منظم.

ولهذا قال تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

فالتنازع يبدد القوة، والتناصر يجمع الجهود، والتعاون يحول المبادئ إلى أثر في الواقع.

وهذه المسؤولية تبدأ من أقرب الدوائر إلينا.

في البيت بإنصاف من تحت رعايتك، وفي العمل بأداء الأمانة ورد المظالم، وفي المجتمع بدعم العلم والإصلاح ومساندة المحتاج.

وعلى مستوى الدول والمؤسسات بإقامة العدل، وحماية المستضعفين، وبناء أسباب القوة والتكامل والتعاون.

وليست المسؤولية أن نفعل شيئًا مما نستطيع ثم نطمئن إلى أننا أدينا ما علينا، وإنما أن نبذل وسعنا في نصرة الحق، كلٌّ بحسب موقعه وما آتاه الله من قدرة وإمكانات.

فمن امتلك العلم كانت عليه مسؤولية علمه، ومن امتلك المال كانت عليه مسؤولية ماله، ومن امتلك القرار والسلطان كانت عليه مسؤولية أعظم بقدر ما يستطيع من إقامة العدل ودفع الظلم.

ولا ينبغي أن ننشغل بالقضايا الكبرى حتى نهمل الحقوق القريبة؛ فكيف ندعو للعدل في العالم ثم نظلم من حولنا؟

إن القضايا الكبرى لا تعفينا من الواجبات القريبة، كما أن أداء الواجبات القريبة لا يسقط مسؤولياتنا تجاه الأمة.

ختامًا… من الأمنية إلى المسؤولية

قال تعالى:

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

إن وعد الله حق، والنصر يجري وفق حكمته وسننه، وليس بالضرورة في الوقت أو الصورة التي نريدها.

وحين نعود إلى يعقوب عليه السلام، نجد قلبًا يعرف ربه، ويرجو رحمته، ويتألم لفقد أحبته، ثم يوجه إلى السعي والأخذ بالأسباب.

وهكذا ينبغي أن نتعلم: نرجو ولا نيأس، ونتألم ولا نستسلم، ونعمل ولا نغتر بقدرتنا.

وحين نقول: «اللهم انصر المسلمين»، فلنستحضر المستضعفين في كل مكان، ولنسأل أنفسنا:

هل بذلنا حقًا كل ما نستطيع في نصرة الحق، أم اكتفينا ببعض ما نقدر عليه ثم اطمأننا إلى أننا أدينا ما علينا؟

وماذا نستطيع أن نفعل اليوم، أفرادًا ومجتمعات ودولًا، ليكون لنا نصيب من نصرة الحق الذي ندعو الله أن ينصره؟

فقد يكون بين الأمنية وتحقيق بعض أسبابها موقف لم نتخذه، أو حق لم نؤده، أو تعاون لم نسعَ إليه.

لا تجعل نصرتك للحق دعاءً على لسانك فحسب؛ اجعل لها أثرًا في حياتك، وعملًا في مجتمعك، وسعيًا في بناء أسباب قوة أمتك.

شارك المقال