سنن التنزيل
مقال

الأقصى ليس قضية نتضامن معها

  • دقيقتان للقراءة
  • 4 آيات

قضية الأقصى مسؤوليةٌ عقديةٌ تخص الأمة بأسرها، وليست شأناً للتضامن والبيانات اللفظية، مما يفرض على العلماء وأصحاب السلطة نصرةً عمليةً توازي قدراتهم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

*قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].*

كيف يقول مسلم إنه «يتضامن» مع الأقصى، وهو يتلو ذكره في قرآنه؟ يتضامن المرء مع غيره في قضية تخصه؛ أما الأقصى فمن دين الأمة وعقيدتها. أهل القدس وفلسطين يواجهون الاحتلال مباشرة، لكنهم لا يحملون وحدهم واجب أمة بأسرها.

يُحتل أحد أقدس مساجدنا، ويُضيَّق على المصلين فيه، ثم تتكرر بيانات الشجب وتخفت الأصوات، ويبقى الاحتلال. ليست المشكلة أن الأمة تجهل فضل الأقصى؛ المشكلة أن أثر هذه المعرفة في مواقفها أقل مما تقتضيه.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: 75]. السؤال ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ [النساء: 75؛ التوبة: 116] موجّه إلى القادرين: ماذا فعلتم بما تملكون؟ ولا يحتاج عدوان المحتل إلى تفسير طويل؛ فما يجري في الأقصى والقدس شاهد عليه. الذي يحتاج إلى تفسير هو ضعف استجابة الأمة.

وفي مقدمة من يُسألون العلماء؛ فالناس تنظر إليهم لتعرف واجبها. سمعنا من بعضهم حديثًا صريحًا عن الجهاد والنصرة في قضايا أخرى، فلماذا يخفت البيان حين يصل إلى الأقصى؟ قال نبينا محمد ﷺ: «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ». فكيف يُفصَّل في أحكام الطهارة والسنن، ثم يُجمل عند احتلال الأقصى ودفع العدوان عنه؟ ومن يروي بطولات الصحابة وتضحياتهم فليسأل نفسه: هل يصدع بكلمة الحق إذا كلّفته شيئًا من مكانته، أم يكتفي من البطولة بروايتها؟

على العلماء أن يبيّنوا واجب الأمة بيانًا صريحًا مستمرًّا، وأن يسألوا أصحاب القرار عما فعلوا. وعلى الدول أن تجيب بالفعل؛ فهي تملك من وسائل القرار والضغط والقوة ما لا يملكه الأفراد: حماية المصلين، وإغاثة أهل فلسطين، واستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، ومحاسبة من يساند الاحتلال. قال نبينا محمد ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ». فلا يجعل صاحب السلطة والقدرة مرتبةَ القول نهايةَ واجبه، ثم يطلب من الأمة أن تعدّ بيانات إدانته إنجازًا.

قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]. أهل فلسطين في موضع المواجهة المباشرة، وتشتد مسؤولية الدول المحيطة بهم لقربها وقدرتها، ثم تمتد المطالبة إلى الأقرب فالأقرب. ولا يُعفي هذا الترتيب بقية الأمة من واجبها أو يدعوها إلى انتظار عجز الأقرب.

أما الأحزاب والجماعات والمؤسسات، فعليها أن تجمع الناس على مطالب واضحة وتتابع أثرها، لا أن تجعل الأقصى شعارًا موسميًّا. وعلى كل فرد أن يُبقي القضية حاضرة، وأن يسأل علماءه وممثليه وأصحاب القرار: ماذا قلتم؟ ماذا فعلتم؟ وماذا تغيّر؟

ختامًا، الأقصى ليس قضية نتفضل بالتضامن معها؛ إنه من ديننا جميعًا. وكلما زاد علم المرء أو سلطانه أو قربه من موضع العدوان، اشتدت مساءلته. فلا يُترك أهل القدس يحملون وحدهم عبء الأمة، ولا يُقبل من القادر أن يستبدل بواجبه بيانًا ثم يمضي.

شارك المقال