سنن التنزيل
دراسةُ سورة الفيل

سورة الفيل… من إبطال الكيد إلى مسؤولية الأمة

  • 3 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

إبطال كيد المعتدين بقدرة الله في سورة الفيل يزيل رهبة القوة الزائفة، ولا يسقط عن الأمة مسؤولية النهوض ودفع الظلم بما تستطيعه من أسباب.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: 1–5].

تفتتح السورة بسؤال يوجّه أبصارنا إلى ما وراء القوة التي ظهرت للناس: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: 1]. لم تبدأ بتعداد جيشهم، ولا بوصف ما أعدّوه، بل دعت إلى النظر في فعل الله بهم. فقد جاءوا يريدون هدم البيت الحرام، ومعهم ما ظنوا أنه يبلغ بهم مقصدهم؛ لكن النتيجة لم تكن في أيديهم.

يأتي الجواب الأول قبل تفصيل ما جرى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2]. كيدٌ دُبّر وأسبابٌ جُمعت، ثم مضى السعي بعيدًا عن غايته. وفي هذه الآية تصحيح لنظر الإنسان إلى القوة: قد يملك صاحبها القدرة على البدء والتنفيذ، لكنه لا يملك أن يكتب خاتمة ما بدأه.

ثم تكشف السورة وجهًا من كيفية إبطال ذلك الكيد: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: 3–4]. جاءوا بالفيل، فأرسل الله عليهم طيرًا. ولا تحتاج العبرة إلى أن نزيد على الآيات أوصافًا لأحجام الطير والحجارة؛ فالمشهد كما ساقه القرآن كافٍ ليردّ القلب إلى من بيده تدبير الأسباب كلها.

وتختم السورة بصورة تمحو رهبة الجيش التي حضرت في مطلعها: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: 5]. بدأوا «أصحاب الفيل»، وانتهوا كالعصف المأكول. وإذا تأملنا بناء السورة وجدنا أن الفعل الحاسم يُسند إلى الله مرة بعد مرة: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: 1]، ﴿يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2]، ﴿أَرْسَلَ﴾، ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾. لم يغب الله عن المشهد، وإن كان أول ما وقع عليه نظر الناس قوةَ أصحاب الفيل.

وفي أخبار الحادثة قول عبد المطلب لأبرهة، حين طلب منه إبله، إن للبيت ربًّا يمنعه. كان يعي ما يقول؛ فقد عرف ما يستطيع أهل مكة فعله وما لا يستطيعون، وأيقن أن أصحاب الفيل لا يملكون البيت ولا مصيره. وتروي الأخبار أنهم تحرّزوا من الجيش ودعوا الله. فاليقين برب البيت لم يجعلهم غافلين عن الخطر الذي أقبل عليهم.

لكن أمة نبينا محمد ﷺ تقرأ هذه الواقعة بعد أن قامت الرسالة، وبعد أن خوطبت بالتكاليف التي لم تكن أمتها قد قامت لتحملها يوم الفيل. وهنا يقع سؤال التدبر: كيف نؤمن بقدرة الله التي رأينا أثرها في السورة، ونقوم في الوقت نفسه بما أمرنا به إذا اعتُدي على حق أو وقع ظلم؟

يجيب القرآن بأن الله قادر على الانتصار دون عباده، وأنه يبتليهم ويجري من دفع الباطل على أيديهم ما يشاء: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]. وفي خطاب المؤمنين عند الأمر بالقتال قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: 14].

فهذه الآيات لا تُنقص من قدرة الله التي ظهرت في سورة الفيل؛ إنها تبيّن موقع الإنسان المكلّف في جريان قدره. الله هو الذي ينصر ويدفع، وقد يجعل عباده من أسباب ذلك. ولذلك لا تُسقط قدرته مسؤولية الأمة، ولا تستقل أسباب الأمة عن قدرته. نأخذ بما أُمرنا به، ونعرف أن ما نملكه من عدة وعمل لا يضمن نتيجةً بمعزل عن مشيئته.

وقد يختل هذا الميزان في واقعنا من جهتين. نرى قوة المعتدي، فنظن أنها حسمت كل شيء، ونسكت قبل أن نؤدي ما علينا. أو نقرأ خبر أصحاب الفيل، فنرجو أن يزول الظلم بينما يؤجل كلٌّ منا واجبه إلى غيره. تعالج السورة الخوف الذي يشلّ العمل حين تذكرنا بمصير كيدٍ بدا قويًا، وتعالج آيات التكليف الانتظار الذي يعطل العمل حين تذكرنا بأن الله جعل للناس دورًا في الدفع.

ويبدأ قيام الأمة بمسؤوليتها من المواضع التي تملكها: بيان الحق بلا تلبيس، ونصرة المظلوم بما يُستطاع، وجمع أسباب المنعة، وتعاون القادرين، وقيام أصحاب القرار بما في أيديهم. ليست قدرة العالم كقدرة صاحب السلطة، ولا قدرة الفرد كقدرة الجماعة؛ لكن اختلاف القدرة لا يبيح أن يترك أحد ما يقع ضمن مسؤوليته. وحين يُطلب من الناس الثبات، ينبغي أن يجدوا من يعينهم بالفعل، لا من يكتفي بأن يطالبهم بالصبر.

ولا نعني بذلك أن واقعة الفيل ستتكرر بصورتها كلما ظهر معتدٍ، أو أن لنا أن نحدد موعد إبطال كيده. تخبرنا السورة بما فعله الله بأصحاب الفيل، وتهدينا إلى ألا نجعل ما يظهر من قوة البشر آخر ما نراه في المشهد. ثم تأتينا آيات التكليف لتسأل كلًّا منا عما يستطيع فعله، قبل أن يسأل متى تأتي العاقبة التي يرجوها.

وتأتي سورة قريش بعد الفيل فتذكّر أهل مكة بما آتاهم الله من إطعام وأمن، ثم تأمرهم: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: 3]. حفظ البيت لم يكن تزكيةً تلقائية لمن عاش حوله، والانتفاع بنعمة الله لا يُغني عن شكره وطاعته. وفي هذا التجاور هدايةٌ لنا: كلما عرفنا فضل الله وقدرته، اشتدّ سؤالنا عن حقه علينا، لا قلّ.

ختامًا، تعلّمنا سورة الفيل أن كيد القوة، مهما أُحكم، لا يخرج عن سلطان الله. وتعلّمنا آيات الدفع أن المؤمن لا يقف متفرجًا بحجة يقينه بقدرة ربه. نثبت أمام ما يخيفنا، ونعمل بما كُلّفنا به، ونأخذ بالأسباب دون أن نعبدها، ونعلم أن الله لم يغب عن المشهد، وأنه قد يجري الخير ودفع الظلم على أيدي عباده.

شارك المقال