مساومة المبادئ تبدأ بطلب تنازلات طفيفة تبدو واقعية، بينما يكمن الثبات الحقيقي في حراسة الوحي مع امتلاك المرونة في الوسائل وبناء أسباب القوة الرادعة.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
*﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]… حين يكون ثمن القبول شيئًا من الحق*
قال الله تعالى:
تكشف هذه الآيات ثلاثة وجوه للمواجهة: أن يغيروا ما تحمل، أو يستدرجوك إلى شيء من الركون، أو يحاولوا إخراجك حين يعجزون عن احتوائك. وليست مراحل حتمية، وإنما وجوه تتبدل بحسب الحال.
والقضية من البداية ليست وجود الدين باسمه، وإنما:
﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73].
فقد يبقى الاسم والشعار والمؤسسة، بينما يعاد تشكيل المضمون حتى يصبح مقبولًا عند أصحاب القوة.
ولهذا قال:
﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: 73].
فالإنسان قد يضعف أمام حكم من أحكام الله وهو يعلم أنه مقصر، لكن الأخطر أن يعيد تعريف الحق حتى يصبح تنازله هو الدين نفسه.
ثم تأتي المكافأة:
﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: 73].
فحين يعجز الخصم عن إسكات الصوت، قد يحاول تغيير ما يقوله الصوت.
ولذلك ليس السؤال دائمًا: هل يقبلوننا؟
بل: أي نسخة منا يريدون أن يقبلوها؟
وهنا يبدأ العلاج:
﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73].
فالمرجعية تسبق حسابات القبول والرفض.
ثم يأتي الوجه الثاني:
﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74].
شيئًا قليلًا!
كلمة، أو موقفًا، أو سكوتًا عن حق، أو تنازلًا يبدو صغيرًا.
لكن الله لم يقل إن نبينا محمدًا ﷺ ركن إليهم، وإنما سجل نعمته عليه:
﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: 74].
فالثبات ليس بطولة ذاتية، وإنما توفيق من الله.
ولذلك لا يقول المؤمن: أنا لا أتغير، بل يسأل ربه: ثبتني.
وهنا نحتاج إلى ميزان دقيق: ليست كل مرونة ركونًا، وليست كل تسوية في أمر دنيوي تنازلًا عن الدين.
فالحديبية تعلمنا ذلك؛ قَبِل نبينا محمد ﷺ ما كان ثقيلًا على بعض الصحابة، وقَبِل الرجوع عن مكة ذلك العام، وتغيرت بعض صياغات وثيقة الصلح، لكن الرسالة لم تتغير.
ليس كل ما يؤلمك في التفاوض تنازلًا عن المبدأ، كما أن تسمية التنازل «واقعية» لا تجعله مشروعًا.
الميزان هو الوحي.
ثم يأتي الوجه الثالث:
﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: 76].
فإذا تعذر الاحتواء والركون، قد تأتي محاولة الإقصاء.
لكن القرآن يعيد تعريف الهزيمة.
ليس كل من بقي في مكانه منتصرًا، وليس كل من خرج منه مهزومًا.
قد يبقى الإنسان ويدفع ثمن بقائه شيئًا من رسالته، وقد يخرج آخر وهو يحمل رسالته كاملة.
خرج نبينا محمد ﷺ من مكة، فكانت المدينة وبناء المجتمع والقوة، ثم عاد إلى مكة فاتحًا.
ولهذا يأتي بعد آيات الإخراج:
هم يريدون إخراجًا، والله يعلمك أن تسأله مخرج صدق.
فقد يتغير الموقع ولا تتغير البوصلة.
وهنا يعلمنا تاريخ الوحي ألا نجعل للعلاج صورة واحدة.
أصحاب الكهف اعتزلوا حين أصبح دينهم مهددًا، والمسلمون هاجروا إلى الحبشة، ونبينا محمد ﷺ هاجر إلى المدينة، وفي الحديبية فاوض وصالح، أما يوسف عليه السلام فدخل موقع المسؤولية وقال:
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55].
إذن ليست الوسيلة هي المقدسة.
الثابت هو ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73]، أما الوسائل فتتحرك وفق الشرع والقدرة والمرحلة.
ثم تأمل «القليل»:
﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74].
ثم:
﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76].
فالقليل من الانحراف ليس بالضرورة قليل الأثر، ولا نملك في المقابل أن نجعل ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ موعدًا زمنيًا نحدده من عندنا.
ثم يأتي السؤال: كيف نصنع الثبات؟
لم يقل القرآن فقط: اثبت.
بل جاءت الصلاة:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: 78].
وجاء القرآن:
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78].
وجاء قيام الليل:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: 79].
فمن أراد موقفًا ثابتًا في النهار، فليصنع له رصيدًا من الصلة بالله في الليل.
لكن الفرد يحتاج كذلك إلى حاضنة تعينه؛ فلا نطالب الناس بالثبات ثم نتركهم وحدهم يدفعون ثمنه.
الأسرة، والصحبة الصالحة، والعلماء، والمجتمع المتكافل، والمؤسسات المستقلة؛ كلها تعين الإنسان على ألا يبيع موقفه تحت ضغط الخوف والحاجة.
فلا يكفي أن نسأل المضغوط: لماذا رضخت؟
بل نسأل أنفسنا أيضًا:
ماذا بنينا حوله حتى يستطيع ألا يرضخ؟
ثم لا تكتمل الحاضنة بلا قوة.
قال الله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].
والاستطاعة ليست إذنًا بالاكتفاء بالحد الأدنى، وإنما بذل الوسع وغاية المقدور.
فالاستطاعة تكليف ببذل الوسع قبل أن تكون عذرًا عند العجز.
العلم قوة، والاقتصاد والإنتاج قوة، والوعي والإعلام والمؤسسات والتماسك والاستقلال في القرار قوة، ومن القوة كذلك القوة الدفاعية الرادعة التي تحمي الأمة وتقلل قدرة عدوها على الاعتداء عليها وابتزازها.
فلا يكفي أن نقول للأمة: لا تركنوا، ثم لا نبني لها من أسباب القوة ما يعينها على ألا تُبتز في قرارها.
خذ بالأسباب.
ابنِ القوة.
فاوض حين يكون التفاوض مشروعًا.
غيّر الوسيلة حين تحتاج إلى تغيير.
انتقل حين يكون الانتقال أحفظ للحق.
وادخل مواقع التأثير والإصلاح حين يكون الدخول أصلح.
لكن لا تجعل ثمن شيء من ذلك أن تتحرك عن:
﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73].
ختامًا، ليست رسالة هذه الآيات البحث عن الخصومة، ولا رفض الحوار والتفاوض، ولا الجمود على وسيلة واحدة.
إنها تقول لنا:
لا تجعل ثمن القبول شيئًا من الحق.
احرس «القليل»، واسأل الله التثبيت، وابنِ داخلك بالصلاة والقرآن والقيام، ولا تترك أصحاب المبادئ فرادى، وابنِ من أسباب العلم والاقتصاد والمؤسسات والقوة الدفاعية الرادعة غاية ما تستطيع.
وتعلم من تاريخ الوحي أن الثبات قد يكون بالبقاء، وقد يكون بالهجرة، وقد يكون بالتفاوض، وقد يكون بالدخول إلى مواقع الإصلاح.
فليس المطلوب أن تنتصر في كل جولة؛ وإنما ألا تتحول خسارة جولة إلى خسارة في المرجعية.
ويبقى السؤال:
ماذا بقي معك من ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 73]؟
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].