سنن التنزيل
مقال

لا تنخدع بالعلو… حين لا تحمي الحصون أصحابها

  • 5 دقائق للقراءة
  • 10 آيات

علو القوة وحصونها العسكرية لا يمنحان أصحابهما منعة دائمة ولا يضمنان المستقبل، لكن انكشاف ضعف الخصم لا يغني عن بناء الذات وحسن الإعداد لإدراك سنن التداول.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى:﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4].

وقال سبحانه:﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].

قد يبلغ الظالم من القوة مبلغًا يجعل الناس يظنون أن سلطانه أصبح قدرًا لا يتغير، وأن جيوشه وحصونه وتحالفاته كفيلة بضمان بقائه.

لكن القرآن يعلمنا ألا نخلط بين امتلاك القوة وامتلاك المستقبل؛ فالقوة مهما بلغت ليست صك خلود، والضعف مهما اشتد ليس حكمًا مؤبدًا.

وبين العلو والتتبير تكشف سورة الإسراء أن الإفساد لا يصبح حقًا لمجرد أن أصحابه امتلكوا أسباب الغلبة، دون أن نجعل آياتها تقويمًا نحدد به مواعيد الأحداث أو نجزم بانطباقها على واقعة معاصرة بعينها.

ولكي نفهم كيف تخدع القوة أصحابها، تأمل ما جرى لبني النضير في سورة الحشر:

﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: 2].

تأمل كيف جمع القرآن بين ظنين: ظن المؤمنين الذين استبعدوا خروج بني النضير، وظن أصحاب الحصون الذين اطمأنوا إلى منعتهم.

فلم يكن أصحاب الحصون وحدهم قد بالغوا في تقدير قوتهم، بل إن الطرف المقابل استبعد أيضًا إمكان زوال تلك المنعة.

وهذه سنة تستحق الوقوف عندها: قد يغتر القوي بما يملك، وقد يبالغ الضعيف في تقدير قوة خصمه، حتى يلتقي الاثنان على تصور أن موازين القوة لا تتغير

ثم جاء الأمر الإلهي:

﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].

فالقرآن لا يريدنا أن نقف عند الخبر التاريخي، وإنما أن نفهم منه أن الحصون والسلاح والتخطيط أسباب معتبرة، لكنها لا تمنح أصحابها عصمة من الخطأ أو الإخفاق.

ومن هنا ننظر إلى واقعنا.

لقد أنفق كيان الاحتلال أموالًا طائلة على منظومات التحصين والمراقبة والإنذار حول غزة، ومع ذلك تعرضت لاختراق واسع في السابع من أكتوبر 2023، رغم الفارق الهائل في الإمكانات العسكرية.

لقد كشفت تلك الساعات أن التفوق التقني لا يعني استحالة الاختراق، وأن امتلاك أدوات المراقبة لا يضمن سلامة التقدير. ولا يعني انكشاف هذه الثغرات زوال جميع أسباب القوة، لكنه يكفي لنقض وهم المنعة المطلقة.

غير أن الحصون ليست كل شيء؛ فهناك الجغرافيا، وهناك الحلفاء.

إن محدودية العمق الجغرافي لفلسطين التاريخية، وضيق المسافات بين بعض المراكز الحيوية والحدود، يجعلان المحافظة على التفوق العسكري النوعي مسألة بالغة الأهمية في الحسابات الأمنية للكيان المحتل.

ولهذا لم يقتصر الأمر على امتلاك السلاح، بل امتد إلى الاعتراض على حصول بعض الدول العربية على منظومات متقدمة، حتى الدول التي ترتبط بالكيان المحتل بمعاهدات سلام.

فالمعاهدات تُبرم بين الدول وتظل ملزمة لها من حيث الأصل، لكن الحكومات تتغير، والسياسات تتبدل، ولا يضمن الاتفاق السياسي أن تتطابق مواقف الشعوب أو تبقى العلاقات على حالها إلى الأبد.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد لا تكتفي القوة بتحصين نفسها، بل تسعى إلى المحافظة على تفوقها من خلال التأثير فيما يستطيع الآخرون امتلاكه من أسباب القوة.

ثم نصل إلى الحبل الآخر الذي تقوم عليه المنعة: الحلفاء.

قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: 11].

لقد اطمأن بنو النضير إلى حصونهم، وتلقوا وعودًا بالمساندة، لكن القرآن كشف أن تلك الوعود لم تكن كما ظنوا.

ولا يعني ذلك أن كل حليف سيخذل حليفه، وإنما يعلمنا أن التحالفات ليست ضمانًا مطلقًا، وأن الإسناد الخارجي يرتبط بمصالح أصحابه وقراراتهم.

وفي واقع الكيان المحتل لا يمكن فهم قوته العسكرية بمعزل عن الإسناد الأمريكي والغربي في التسليح والتقنية والسياسة والاقتصاد، فضلًا عن دور السياسات الأمريكية في المحافظة على تفوقه العسكري النوعي.

وهنا نستحضر قوله تعالى:

﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 112].

وللآية سياقها التفسيري المتعلق بالعهد والأمان، فلا نجعلها نصًا مباشرًا في التحالفات المعاصرة، لكننا نتأمل معنى الاعتماد على الإسناد الخارجي.

فقد تكون الحصون داخل الحدود، بينما تمتد أسباب بقائها إلى خارجها، وقد تبدو القوة مستقلة، بينما يرتبط جانب من استمرار تفوقها بقرارات الآخرين.

ولا يعني ذلك الجزم بأن توقف الإسناد يؤدي إلى انهيار فوري، وإنما يعني أن القوة المستندة إلى الخارج تتأثر بتحولات الخارج.

ثم تكشف سورة الحشر بُعدًا آخر من أبعاد المنعة، وهو تماسك الداخل:

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ [الحشر: 14].

وردت الآية في سياق مخصوص، لكننا نتدبر منها معنى عامًا: قد يجتمع الناس أمام خطر خارجي، بينما تبقى بينهم خلافات عميقة حول الهوية والحقوق والواجبات.

وحين ننظر إلى مجتمع الكيان المحتل نجد أن بعض أشد أزماته تنبع من داخله؛ من الخلاف بين التيارات الدينية والعلمانية، إلى الجدل حول تعريف من هو اليهودي، والتفاوت بين المكونات الاجتماعية، وأزمة تجنيد الحريديم التي أثارت سؤالًا حادًا عن المساواة في تحمل الأعباء.

فكيف يستقيم التماسك إذا طُلب من فئات تحمل أعباء الخدمة العسكرية، بينما تتمتع فئات أخرى بإعفاءات واسعة؟

وقد برز القلق من الانقسام الداخلي في نقاشات الأمن القومي للكيان المحتل، ومنها مؤتمر هرتسيليا، وفي دراسات واستطلاعات تناولت أثر الاستقطاب على الحصانة المجتمعية.

قد يجمع الخوف من عدو خارجي مكونات مختلفة، لكنه لا يمحو بالضرورة أسباب اختلافها.

ومع ذلك، فليس كل اختلاف طريقًا إلى الانهيار؛ إذ تستطيع المجتمعات معالجة خلافاتها بالعدل والإصلاح والمؤسسات.

وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنفسنا: إذا كنا نتأمل عوامل الضعف في غيرنا، فهل أقمنا العدل بين مكونات مجتمعاتنا؟ وهل أحسنا توزيع الحقوق والواجبات؟ وهل بنينا وحدة تقوم على الثقة والمسؤولية؟

فالاعتبار لا يكتمل حين نرى أخطاء الآخرين، وإنما حين نحذر من تكرارها.

ثم نعود إلى سنة التداول:

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

جاء الحديث عن التداول بعد القرح الذي أصاب المؤمنين يوم أُحد؛ فلم يكن الابتلاء دليلًا على أن المستقبل أُغلق، ولا كانت غلبة الخصم دليلًا على أنه امتلك الأيام كلها.

لكن التداول لا يعني أن كل قوي سيضعف في موعد نعرفه، أو أن كل ضعيف سيصبح قويًا لمجرد مرور الزمن.

فقد تتراجع قوة خصمك، ولا تكون أنت مؤهلًا للاستفادة من تراجعها.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: متى يضعف الآخرون؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا أعددنا نحن لنكون أقوى وأقدر على حمل مسؤولياتنا؟

فالأمة لا تنهض بمجرد مراقبة تناقضات خصومها، وإنما بإصلاح ذات البين، وإقامة العدل، وبناء الإنسان، وتحصيل العلم، وقوة الاقتصاد، واستقلال القرار، وحسن الإعداد.

وإذا كانت الحصون لا تكفي لحماية أصحابها، فإن الشعارات لا تكفي لبناء قوتنا.

ثم تأمل كيف تختم سورة الحشر هذا البناء كله:

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: 23].

إنه الملك، فلا يخرج سلطان أحد عن ملكه. والمهيمن، فلا يغيب عن علمه وتدبيره شيء. والعزيز، الذي لا يُغلب. والجبار، الذي لا تمتنع عليه قوة. والمتكبر، المتفرد بالكبرياء والعظمة.

واللافت أن السورة افتتحت بقوله تعالى:

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 1].

وختمت بقوله:

﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 24].

فجاءت العزة والحكمة في افتتاح السورة وخاتمتها، وكأن مشاهد الحصون والتحالفات وتفرق القلوب كلها تقع بين هذين الاسمين العظيمين.

وهنا نتعلم أن القوة البشرية مهما عظمت لا تخرج عن سلطان الله، وأن أسماءه الحسنى لا تعالج يأس المستضعف وحده، بل تعالج غرور القوي أيضًا.

فمن عرف أن الله هو الملك لم يجعل سلطانه وسيلة للاستبداد، ومن عرف أنه العزيز لم يتوهم أن قوته لا تُغلب، ومن عرف أنه المتكبر لم يتعالَ على الناس.

ختامًا

لا تنخدع بالعلو، ولا تجعل قوة الحاضر حكمًا نهائيًا على المستقبل.

فالحصون لا تضمن المنعة المطلقة، والتحالفات لا تملك ضمان البقاء، والتفوق العسكري لا يعالج وحده التصدعات الداخلية.

لكن لا تجعل يقينك بمحدودية قوة الآخرين بديلًا عن بناء قوتك، ولا تنتظر أن يصنع ضعف خصمك نهضتك.

لقد علمتنا سورة الإسراء ألا نغتر بالعلو، وعلمتنا سورة الحشر أن ننظر وراء الحصون إلى حقيقة المنعة، وعلمتنا آل عمران أن الأيام لا تبقى على حال واحدة.

ثم أعادتنا خاتمة الحشر إلى من له الملك والعزة والكبرياء.

فلا تجعل قوة خصمك تسلبك الأمل، ولا تجعل أملك يعفيك من العمل.

﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].

شارك المقال