سنن التنزيل
مقال

في ذكرى مولده ﷺ… أمة صنعها الوحي، فماذا صنعنا برسالته؟

  • 4 دقائق للقراءة
  • 12 آيةً

ذكرى المولد النبوي تقتضي الانتقال من المحبة الموسمية إلى الاتباع الحقيقي لمنهج الوحي، فالأمة التي غيّر بها القرآن التاريخ لن تسترد عزتها ووزنها إلا بالعودة إليه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

حين تمر ذكرى مولد نبينا محمد ﷺ، لا ينبغي أن نقف عند ميلاد رجل عظيم فحسب، بل عند ميلاد أمة بالوحي.

ولكي ندرك ماذا صنعت الرسالة بهذه الأمة، فلنضع أمامنا ثلاثة مشاهد:

العرب قبل البعثة، والأمة بعد الرسالة، وحالها اليوم.

قبل محمد ﷺ… لم تكن الجاهلية صنمًا فقط

كان العرب قبائل متفرقة تتنازعها العصبيات والحروب، وكانت بعض أطرافهم تدور في فلك القوتين العظميين يومئذ؛ الغساسنة مع الروم، والمناذرة مع الفرس.

ولم يكن الخلل سياسيًا فقط؛ بل كان اجتماعيًا وأسريًا وأخلاقيًا واقتصاديًا.

بلغ الأمر ببعضهم إلى وأد البنات:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8–9].

وذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها صورًا متعددة للنكاح في الجاهلية؛ فأبقى الإسلام النكاح المعروف وأبطل غيره، حفظًا للأسرة والأنساب والحقوق.

وكان الربا بابًا لاستغلال المحتاج، فجاء القرآن:

﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

إذن جاء محمد ﷺ إلى واقع يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع والأمة.

ثم نزل الوحي… فتغير الإنسان

لم تُكتشف ثروات جديدة، ولم يظهر سلاح خارق.

الذي تغير كان أعظم:

نزل الوحي.

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [ابراهيم: 1].

غيّر القرآن الإنسان، فتغير به التاريخ:

﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].

تحولت القبائل إلى أمة، والتفرق إلى اجتماع، والعصبية إلى أخوة.

وفي زمن قصير تحولت أمة كانت بعض أطرافها تدور في فلك فارس والروم إلى أمة تحمل رسالتها إلى فارس والروم وتغيّر وجه التاريخ.

والسر:

﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10].

﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]: فيه شأنكم ورفعتكم.

وكان النموذج:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

كتاب يهدي، ورسول يُقتدى به، وأمة تتبع.

ثم ابتعدنا… فعادت الأمراض بأسماء جديدة

بالأمس كانت بعض الأطراف تدور في فلك فارس والروم، واليوم نرى صورًا أخرى من التبعية للقوى الكبرى.

بالأمس مزقتهم العصبية القبلية، واليوم قد تمزقنا عصبيات قومية أو حزبية أو مذهبية أو سياسية.

بالأمس كان الربا يأكل الضعيف، واليوم اتسعت صوره، وبالأمس اختلت الأسرة، واليوم تواجه صورًا أخرى من التفكك وضياع المسؤولية.

تغيّرت الأدوات… وبقيت السنن.

فالجاهلية ليست زمنًا يعود بحذافيره، وإنما صفات تعود حين تعود أسبابها.

نملك الكثير… فأين وزننا؟

الأمة اليوم لا ينقصها العدد ولا المقدرات؛ تملك الثروات والمواقع والطاقات البشرية والمادية.

لكن:

أين الوزن الذي يناسب كل ذلك؟

وأي ضعف أشد إيلامًا من أن يبقى المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، تحت احتلال الكيان الصهيوني الغاصب؟

وفي فلسطين عامة، وغزة خاصة، قتل ودمار وتجويع وتشريد، وأطفال ونساء وشيوخ يدفعون أثمانًا فادحة على مرأى العالم، بينما تعجز الأمة عن تحويل كثرتها وإمكاناتها إلى قوة توازي حجم المأساة.

وهنا نستحضر التحذير النبوي:

«يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها».

فسُئل ﷺ: أَمِن قلة نحن يومئذ؟

فقال:

«بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل».

كثرة… ولكن أين الوزن؟

والقرآن يكشف الداء:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

تنازع → فشل → ذهاب الريح.

ويكشف طريق العلاج:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

فلا يكفي أن نسأل: ماذا يملك الآخرون؟

بل:

ماذا فقدنا نحن؟

نحتفل بمولده ﷺ… ولكن أين محمد في اليوم التالي؟

لا تعارض بين أن نفرح بنبينا ﷺ، ونذكر سيرته وشمائله، ونعلّم أبناءنا محبته.

لكن الخطر أن تصبح الذكرى محبة موسمية بلا اتباع.

تمتلئ المساجد والساحات، وتوزع الحلوى، وتُلقى الكلمات، وقد تُعطل المؤسسات احتفاءً بمولده ﷺ.

ثم ينتهي اليوم.

والسؤال:

أين محمد ﷺ في اليوم التالي؟

أين عدله في مجتمعاتنا، وأمانته في اقتصادنا، وأخوته في علاقاتنا، ونهيه عن الظلم في مؤسساتنا، ومنهجه في قراراتنا؟

فالقضية ليست:

مَن يرعى الاحتفال؟

بل:

مَن يرعى المنهج بعد انتهاء الاحتفال؟

يمكن أن نعطّل المؤسسات يومًا احتفالًا بمولده ﷺ، لكن الأهم:

هل عطّلنا الظلم الذي نهى عنه؟

ويمكن أن نملأ الساحات باسمه، لكن:

هل ملأنا حياتنا بهديه؟

لقد جعل القرآن للمحبة برهانًا:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

الكلمة المفتاح:

﴿فَاتَّبِعُونِي﴾.

ومن المولد… إلى الحوض

نرجو جميعًا أن نرد حوض رسول الله ﷺ.

وقد أخبر النبي ﷺ عن أناس يُذادون عن حوضه، فيقول:

«أصحابي، أصحابي».

فيقال:

«إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

وهنا لا نحكم بالحديث على أحد بعينه، وإنما نخاف على أنفسنا ونسأل:

ماذا أحدثنا بعده؟

أُمرنا بالاعتصام فتفرقنا، ونُهينا عن التنازع فتنازعنا، وأُمرنا بالعدل فظلم بعضنا بعضًا، وبالإعداد فقصرنا.

وبنى النبي ﷺ أمة يتقوى بعضها ببعض، فإذا ببعض أبنائها يستقوي بخصوم أمته على إخوانه.

ثم نقول: نحب رسول الله ﷺ.

فيعيدنا القرآن:

﴿فَاتَّبِعُونِي﴾.

إذا أردنا النهوض… فلنعد إلى مصدر العزة الأول

وهذه ليست دعوة إلى اليأس.

فإذا أردنا للأمة نهوضًا جديدًا، فلا نحتاج إلى البحث عن مصدر عزة جديد، وإنما إلى العودة إلى المصدر الذي صنع نهوضها الأول.

كانت قبائل متفرقة تتجاذب أطرافها القوى، فجاء الوحي فحوّلها إلى أمة غيّرت وجه التاريخ.

﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10].

فلا يكفي أن نملك المال إذا فقدنا المنهج، ولا أن نكثر عددًا إذا أصبحنا غثاء، ولا أن نمتلك الثروات إذا بقي قرارنا موزعًا بين الآخرين.

نحتاج أن نستعيد الإنسان الذي صنعه القرآن:

يعتصم ولا يتفرق، يعدل ولا يظلم، يُعد القوة ولا يتواكل، ويجعل رسول الله ﷺ أسوته.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فمن أراد للأمة نهوضًا جديدًا، فليبدأ من المصدر الذي صنع نهوضها الأول.

ختامًا

في ذكرى مولد النبي ﷺ لا يكفي أن نسأل:

متى وُلد؟

بل:

ماذا وُلد بمولده في هذه الأمة؟

جاء الوحي فأخرج قومًا من التفرق إلى الاجتماع، ومن التبعية إلى صناعة التاريخ.

وكان مصدر الرفعة:

﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10].

وكان النموذج:

﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

وكان طريق المحبة:

﴿فَاتَّبِعُونِي﴾.

فلا تجعلوا محمدًا ﷺ حاضرًا في ساحاتنا يومًا، غائبًا عن حياتنا عامًا.

ولا تجعلوا الاحتفاء به بديلًا عن الاقتداء به.

فالأمة التي صنعها الوحي أول مرة لن تستعيد عافيتها بعيدًا عن مصدر عزتها الأول.

ولنسأل أنفسنا ونحن نرجو أن نرد حوضه يوم القيامة:

هل سرنا على طريقه في الدنيا؟

فبين مولده ﷺ في الدنيا وحوضه في الآخرة حياة كاملة اسمها:

الاتباع.

شارك المقال