سنن التنزيل
مقال

من الذين معهم الله؟

  • 3 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

معية الله الخاصة ليست مجرد أمنية تنال بالانتساب، بل ثمرة عملية يعلقها القرآن على صفات الصبر والتقوى والإحسان لتمنح المؤمن ثباتاً في مواجهة الابتلاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

ما أشد شعور الإنسان بالوحدة.

فالطفل يطمئن إذا وجد أباه معه.

والمريض يقوى إذا وجد من يواسيه.

والمسافر تهون عليه الطريق إذا وجد رفيقًا يؤنسه.

والمقاتل يثبت إذا شعر أن وراءه من يسنده.

لكن يبقى سؤال يفوق كل هذه الأسئلة:

هل الله معي؟

إنها ليست كلمة عابرة، بل أمنية كل مؤمن، فما من نعمة بعد الإيمان أعظم من أن يكون الله معك.

غير أن القرآن لا يترك هذا السؤال بلا جواب.

فقد يظن الإنسان أن معية الله تنال بمجرد الانتساب إلى الإسلام أو بمجرد تمنيها، لكن القرآن يرسم لها طريقًا واضحًا.

وأول ما يلفت النظر أن القرآن يتحدث عن نوعين من المعية.

معية عامة، تشمل الخلق جميعًا، قال تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4].

فلا يغيب أحد عن علم الله، ولا عن سمعه، ولا عن بصره.

لكن هناك معية أخرى، هي التي تتطلع إليها قلوب المؤمنين.

معية الحفظ.

والتأييد.

والتوفيق.

والنصر.

وهنا تبدأ رحلة الاكتشاف.

كنت أتوقع أن أقرأ:

إن الله مع المؤمنين.

لكن القرآن فاجأني مرة أخرى.

فلم يذكر أسماءً…

بل ذكر صفات.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153؛ الأنفال: 46].

وقال:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36، 123].

وقال:

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

فعادت السنة نفسها التي رأيناها في مقالات المحبة.

الله لا يعلق أعظم عطاياه على الأسماء…

بل يعلقها على الصفات.

وهنا انكشف السر.

معية الله ليست دعوى يرددها الإنسان، وإنما ثمرة شخصية يبنيها القرآن.

ولذلك بدأ بالصبر.

وليس الصبر مجرد احتمال للمصائب، بل ثبات على الطاعة، وثبات أمام الفتن، وثبات في ميادين الحق حين يفر الناس.

فإذا ضاقت الأرض بالمؤمن، وجد أن الله معه.

ثم تأتي التقوى.

أن تجعل بينك وبين سخط الله وقاية، فتراقبه في السر قبل العلن، وفي الخلوة قبل الجلوة.

فكلما ازداد العبد تقوى، ازداد قربًا من معية الله الخاصة.

ثم تأتي الإحسان.

وكأن القرآن يخبرنا أن معية الله ليست لأصحاب الشعارات، وإنما لأصحاب الأعمال التي تجمل الحياة، وتزرع الخير، وتصلح الأرض.

وأثناء تأمل هذه الآيات، خطر لي سؤال.

لماذا لم يقل القرآن:

إن الله مع الأقوياء؟

أو مع الأغنياء؟

أو مع أصحاب السلطان؟

لأن القوة الحقيقية ليست فيما تملك…

بل فيمن يكون معك.

فإذا كان الله معك، فمن عليك؟

وإذا تخلى عنك، فمن معك؟

ولهذا كانت معية الله أعظم من كل أسباب القوة.

تأمل نبي الله موسى عليه السلام، حين وقف أمام البحر، وخلفه فرعون وجنوده.

قال أصحابه:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].

وكان الجواب الذي غيَّر مجرى التاريخ:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

لم يكن معه جيش.

ولا عدة.

ولا طريق ظاهر.

لكن كان معه الله.

وكان ذلك كافيًا.

وتأمل نبينا محمد ﷺ في الغار، حين أحاط المشركون بالمكان، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا.

فكان الجواب:

﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

لم تتغير الظروف في تلك اللحظة.

لكن تغير القلب.

لأن من أيقن أن الله معه، لم يعد يخاف كما يخاف الناس.

وهنا نفهم أن معية الله لا تعني غياب الابتلاء.

فموسى واجه البحر.

ورسول الله ﷺ عاش الحصار والهجرة والقتال.

لكن معية الله كانت تحول المحنة إلى منحة، والخوف إلى طمأنينة، والضعف إلى قوة.

وهنا ينبغي أن يقف كل واحد منا مع نفسه.

فالسؤال ليس:

هل أتمنى أن يكون الله معي؟

فكل مؤمن يتمنى ذلك.

ولكن السؤال:

هل أسير في الطريق الذي يجعلني أهلًا لهذه المعية؟

هل أصبر إذا ابتلاني الله؟

وهل أتقيه إذا خلوت؟

وهل أحسن في عبادتي، ومعاملتي، وعملي؟

هذه هي الأسئلة التي يجيب عنها القرآن.

واليوم…

وأنت تطوي هذه الصفحة…

تذكر أن أعظم رفيق في هذه الحياة ليس من يمشي إلى جوارك…

بل من يكون معك حيث لا يراك الناس.

وتذكر أن القرآن لم يكتب أسماءً لمن معهم الله…

بل كتب صفات.

فكل صبر صادق يقربك.

وكل تقوى ترفعك.

وكل إحسان يفتح لك بابًا من معية الله.

حتى يأتي اليوم الذي تمتلئ فيه يقينًا، فتقول كما قال موسى عليه السلام:

﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

فليس أعظم ما يطمح إليه المؤمن أن يجد الناس معه…

بل أن يجد الله معه.

شارك المقال