سنن التنزيل
مقال

أربعون عامًا… حين تتبدل الأجيال وتتغير موازين التاريخ

  • 5 دقائق للقراءة
  • 11 آيةً

تبدّل الأجيال يفسّر حركة التاريخ؛ فالزمن لا يحرر الأرض بحساب السنين، بل بصناعة جيل جديد يُسقط الخوف من داخله ويحمل إرادة التغيير واليقين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

قال الله تعالى:

﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26].

لماذا أربعون سنة؟

لا يقودنا السؤال إلى البحث عن سرّ عددي نستكشف به الغيب، بقدر ما يفتح بابًا لفهم أثر الزمن في صناعة الإنسان والأجيال.

خرج بنو إسرائيل من بلاد فرعون، لكن آثار الاستعباد في ظل فرعون لم تخرج سريعًا من نفوسهم. رأوا البحر ينفلق، وعبروا الطريق الذي فتحه الله لهم، وشاهدوا فرعون وجنده يغرقون، ثم لما طُلب منهم مواجهة قوم ذوي قوة قالوا لموسى عليه السلام:

﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24].حين يخرج الإنسان من الاستبداد ولا يخرج الاستبداد من

وهنا تظهر واحدة من أخطر سنن الصراع:قد يخرج الإنسان من سلطان المستبد، ولا تخرج آثار الاستبداد من داخله.

فالعدو لا يحتل الأرض وحدها، وإنما يحاول احتلال تصور الإنسان لنفسه ولعدوه؛ حتى يرى عدوه أكبر من أن يُهزم، ويرى نفسه أصغر من أن ينتصر.

وهذه هي الهزيمة الأخطر.

الأربعون وتبدّل الأجيال

ومن هنا تلفت الأربعون في قصة التيه النظر. وقد وقف ابن خلدون عند هذا المعنى، فرأى فيها مدة يتبدل خلالها جيل ويظهر جيل آخر لم يتشكل تحت الظروف النفسية نفسها التي صنعت السابقين.

لكن الأربعين ليست قانونًا لسقوط الدول. فالقرآن ذكرها في ميقات موسى عليه السلام:

﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142]،

وذكرها في نضج الإنسان:

﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15].

فالسؤال ليس:

ماذا يحدث عندما تنتهي الأربعون؟

بل:ماذا صنعت الأربعون في الإنسان؟

أُحد… حين تحوّلت الهزيمة إلى قوة

وهنا تقدم لنا السيرة مشهدًا مقابلًا لمشهد التيه.

في أُحد أصيب المسلمون بقرح شديد، واستشهد منهم من استشهد، وأصيب نبينا محمد ﷺ، وكان يمكن للخسارة العسكرية أن تتحول إلى هزيمة نفسية تستقر في القلوب.

لكن النبي ﷺ خرج في اليوم التالي بأصحابه إلى حمراء الأسد في إثر قريش، وهم يحملون جراح أُحد.

ثم جاء التخويف:

﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173].

كانت المعركة على الخوف نفسه.

لكن النتيجة جاءت معاكسة:

﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

ثم:

﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174].معركة الخوف قبل معركة الأرض

صورتان متقابلتان:قوم رأوا القوة فقالوا:

﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24].وقوم خرجوا من المعركة مثخنين بالجراح، فقيل لهم:﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾،

فقالوا:﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].

فأخطر ما يتركه العدو في الأمة ليس ما يهدمه من بيوتها، بل ما يبنيه من خوف في نفوسها؛ وأول التحرير أن يسقط العدو من داخل النفس قبل أن يسقط من فوق الأرض.

من النكبة إلى الانتفاضة… أربعون عامًا من التحول ومن هنا يصبح النظر إلى فلسطين مختلفًا.

وقعت النكبة سنة 1948، وحملت معها اقتلاعًا وتهجيرًا وهزيمة تركت أثرًا عميقًا في جيل كامل.ثم مضى نحو أربعين عامًا، فإذا بالانتفاضة الأولى تنفجر سنة 1987.

ليس الرقم هو الذي صنع الانتفاضة، وإنما الذي يستحق التأمل أن جيلًا آخر كان قد نشأ؛ جيل لم يعش صدمة النكبة كما عاشها آباؤه، ورأى الاحتلال أمامه كل يوم، فعرف قوته، لكنه عرف كذلك أنه ليس قدرًا لا يُدفع.

أحمد ياسين… قراءة في حركة الأجيال

ومن هنا نفهم استشراف الشيخ أحمد ياسين رحمه الله حين نظر إلى تعاقب الأجيال، وربط بين جيل النكبة وجيل الانتفاضة ثم جيل يأتي بعدهما، وتطلع إلى عام 2027.

إنها قراءة لحركة الأجيال واستشراف لما يمكن أن تصنعه السنن، لا معادلة عددية حاكمة للتاريخ.

بين صدق الوعد وتوقيت الوعد

والقرآن يعلمنا الفرق بين صدق الوعد وتوقيت الوعد.فرؤيا نبينا محمد ﷺ في دخول المسجد الحرام كانت حقًا:

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27].

لكن صدق الرؤيا لم يكن يعني أن الدخول لا بد أن يقع في العام الذي ظنه بعض الصحابة.

فالوعد حق، أما توقيته فلا نضيف إليه ما لم يحدده الله.وهكذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا الأكبر:

هل ينتهي الاحتلال سنة 2027؟

بل:ماذا صنعت الأربعون الثانية من 1987 إلى 2027؟ وأي جيل تشكّل خلالها؟

ما بعد السابع من أكتوبر… معركة تتجاوز الأرضوهنا يصبح ما جرى بعد السابع من أكتوبر جديرًا بالتأمل.

فالمعركة لم تبق محصورة في الأرض والسلاح؛ بل امتدت إلى الصورة والرواية والشرعية. واتسعت الاحتجاجات الشعبية، وتصاعد الاعتراض على جرائم الاحتلال، وتحركت ساحات قانونية وحقوقية، وازدادت المساءلة الأخلاقية والسياسية حتى في مجتمعات ظل الاحتلال طويلًا يراهن على تعاطفها معه.

آيات الإسراء… بين القوة وسنن التداول

وهنا تستوقفنا آيات الإسراء:

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۝ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 6–7].

قوة، وأموال، وبنون، وكثرة نفير؛ لكنها لا تُخرج صاحبها من سلطان السنن.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].

لا نتعجل فنقول إن تفاصيل الآية قد اكتملت في واقعنا، ولا نجعل تنزيلنا تفسيرًا قطعيًا لها، لكن ما نشاهده يجعل معنى ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: 7] جديرًا بالتأمل.

حين تتصدع الهيبة قبل سقوط الأسوار

فحين تتشقق الصورة التي صنعتها القوة لنفسها، ويصبح الدفاع عن جرائمها عبئًا حتى على حلفائها، وتتسع الهوة بين بعض الحكومات وشعوبها، فنحن أمام تحول لا ينبغي الاستهانة به.

فقد تبدأ الهزيمة قبل سقوط الأسوار؛ تبدأ حين تتصدع الهيبة، وتضعف الرواية، وينتقل شيء من الخوف الذي زُرع طويلًا في الآخرين إلى داخل صاحب القوة نفسه.

«العقد الثامن»… بين القلق والنبوء

ومن اللافت أن القلق من «العقد الثامن» ظهر داخل بعض الخطاب الإسرائيلي نفسه.

ولا نحتاج أن نجعله نبوءة أو موعدًا. تكفي دلالته النفسية: كيان يريد أن يقنع العالم بدوام بقائه، بينما أصبح سؤال البقاء حاضرًا في نقاشه الداخلي.

وقد تزداد القوة عنفًا حين يشتد القلق على المصير؛ فليس كل إفراط في البطش دليل اطمئنان.

الزمن لا يصنع النصر وحده

لكن الجانب الآخر من السنة لا يقل أهمية:

الزمن لا يحرر أرضًا، والأربعون لا تقاتل، والأرقام لا تصنع النصر.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

ولهذا فإن أخطر قراءة للأربعين أن تتحول إلى مخدّر: ننتظر عامًا بعينه، ثم نتصور أن التاريخ سيتغير وحده.

أي جيل نصنع؟

السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو:

ماذا نصنع في الجيل القادم؟

أنورثه الخوف أم اليقين؟ عقدة العدو الذي لا يُهزم أم وعيًا يزن القوة دون تهوين ولا تهويل؟ غضبًا عابرًا أم إيمانًا وبصيرةً وإعدادًا؟

فالأمم لا تنتصر لأنها انتظرت مرور جيل، بل لأن جيلًا جديدًا قد يحمل من الإيمان والوعي والإرادة وأسباب القوة ما لم يحمله سابقه.

بين «إنا هاهنا قاعدون» و«حسبنا الله»

وهنا تعود أمامنا الصورتان:

﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24].

و:

﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173].

وبينهما قد تتغير قصة أمة كاملة.

الخاتمة: لا ننتظر الأربعين… بل نصنع الجيل

ليست «سنة الأربعين» أن كل دولة تسقط بعد أربعين عامًا، ولا أن التاريخ يتحرك بآلة حسابية خفية.

إنما تلفت أنظارنا إلى معنى أعمق:

الزمن يصنع أجيالًا، والأجيال قد تغير مجرى الزمن.

والقوة تتداول، والهيبة تتبدل، وما يبدو لجيل قدرًا لا يتغير قد يصبح عند الجيل الذي يليه صفحة من التاريخ.

فلا نحدد لله موعدًا لم يحدده، ولا نطفئ نور السنن لأننا لا نعرف الموعد.

قال تعالى:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

فالمال والبنون وكثرة النفير لا تجعل الباطل خالدًا، وأول معركة يخوضها الجيل الذي يريد التحرر هي إخراج الخوف من قلبه.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نورثه لأبنائنا:

في أي سنة سينتهي الاحتلال؟

بل:

أي جيل ينبغي أن نكون حتى يجعلنا الله من أسباب انتهائه؟

شارك المقال