حركة التاريخ لا تصنعها إرادات البشر وقواهم وحدها، بل يقودها تدبير إلهي حكيم يسوق الأمم إلى مصائرها المحتومة مهما ظنت أنها تملك زمام أمرها ومستقبلها.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
حين يقرأ الإنسان التاريخ بعينٍ مجردة، فإنه غالباً ما ينظر إلى الأحداث من ظاهرها.
يرى القادة الذين أصدروا القرارات، والجيوش التي تحركت، والقوى التي خططت، والمشاريع التي سعت إلى صناعة الواقع.
فيبدو المشهد وكأن البشر وحدهم هم الذين يرسمون مسار التاريخ، وأن الأمم تصنع مصائرها بإرادتها المستقلة.
لكن القرآن يعلّم المؤمن أن ينظر إلى ما وراء المشهد.
فخلف حركة البشر حركة أخرى.
وخلف التدبير الإنساني تدبير إلهي.
وخلف الأسباب التي يراها الناس، إرادة الله التي لا يخرج عنها شيء في الأرض ولا في السماء.
ومن الآيات العميقة التي تفتح هذا الباب للتدبر قول الله تعالى:
وكثيراً ما يتجه النظر إلى قوله تعالى:
﴿لَفِيفًا﴾،
بمعنى اجتماعهم واختلاطهم، لكن موضعاً آخر في الآية يستحق التأمل:
﴿جِئْنَا بِكُمْ﴾ [الإسراء: 104].
فالقرآن لم يقل: جئتم.
ولم يقل: اجتمعتم.
ولم يقل: عدتم.
بل نسب المجيء إلى الله سبحانه وتعالى.
وهنا يبرز سؤال التدبر:
لماذا عبّر القرآن بهذه الصيغة؟
إنها تذكير بحقيقة كبرى من سنن الله في التاريخ:
أن البشر يتحركون بإرادتهم، لكنهم لا يخرجون عن إرادة الله.
فقد يظن الإنسان أنه يصنع الطريق، بينما هو يسير في طريق قدره الله له.
وقد يظن أنه يختار النهاية، بينما هو يقترب من نهاية كتبها الله بعلمه وحكمته.
ففرعون خرج خلف موسى عليه السلام وهو يرى نفسه صاحب القرار والقوة والجيش.
كان يظن أنه يلاحق المستضعفين ليعيدهم إلى سلطانه، لكنه لم يكن يعلم أن خطواته نفسها تقوده إلى الموعد الذي قدره الله له:
﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: 136].
وكذلك خرجت قريش إلى بدر وهي ترى أنها صاحبة المبادرة، وتظن أنها تتحرك وفق حساباتها الخاصة، فجاء القرآن يكشف الحقيقة الأعمق:
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 42، 44].
فهم تحركوا بأسبابهم، لكنهم كانوا يتحركون داخل قدر الله وتدبيره.
وهذه سنة لا تتعلق بأمة دون أخرى.
فكم من قوة ظنت أنها تصنع مستقبلها، فإذا بها تصنع أسباب نهايتها.
وكم من مشروع ظن أصحابه أنهم يمسكون بزمام الأحداث، بينما كانت الأحداث نفسها تسوقهم إلى حيث لا يعلمون.
فالإنسان يرى جزءاً من الصورة.
أما الله سبحانه فقد أحاط بكل شيء علماً.
يعلم البداية والنهاية، ويعلم الظاهر والباطن، ويجري سننه في الأمم وفق حكمة لا يحيط بها البشر.
ومن هنا نفهم أن التاريخ ليس ساحة صراع بين إرادات البشر فقط، بل هو ميدان تجري فيه سنن الله.
فالظالم قد يملك القوة، لكنه لا يملك المآل.
والباطل قد يملك أسباباً كثيرة، لكنه لا يملك أن يتجاوز حدود القدر.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
فالأيام لا تبقى على حال، والقوى لا تثبت على وضع، والتمكين الذي لا يُبنى على الحق يحمل في داخله أسباب زواله.
ومن هنا يأتي موضع آخر للتأمل في قول الله تعالى:
فالله يذكر أسباباً جعلت لهم نوعاً من البقاء والحماية، ومنها:
﴿وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 112].
أي الأسباب البشرية التي تمنح القوة والاستمرار.
ومن هنا يفتح القرآن باباً للتأمل في سنن التحولات الكبرى:
فالقوى لا تسقط غالباً في لحظة واحدة، وإنما يبدأ السقوط حين تتغير الأسباب التي كانت تمنحها القدرة على الاستمرار.
وقد يظن الإنسان أن ما يحميه اليوم سيحميه دائماً، لكن السنن الإلهية تعلمنا أن الأسباب تتبدل، وأن الموازين تتحول، وأن ما يبدو ثابتاً قد يحمل في داخله بداية التغير.
ولا نستطيع الجزم بتفاصيل لم يبينها القرآن، لكننا نعلم يقيناً أن التاريخ يتحرك وفق سنن الله، وأن دوام القوة ليس أمراً مضموناً لأحد.
ولهذا يعود التعبير القرآني:
﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104].
فكأن القرآن ينقل الإنسان من النظر إلى حركة البشر وحدها، إلى النظر إلى مدبر الحركة كلها.
فالناس يرون الخطط.
والقرآن يريهم المدبر.
والناس يرون القوة.
والقرآن يريهم القوي سبحانه.
والناس يرون حركة التاريخ.
والقرآن يردهم إلى رب التاريخ.
ولهذا فإن أخطر ما يصيب الأمم أن تظن أنها صاحبة الكلمة الأخيرة.
فما أكثر قوى ظنت أنها بلغت نهاية الطريق، فإذا بها كانت تقترب من بداية الأفول.
وما أكثر أمم اعتقدت أن نفوذها دائم، فإذا بالأيام تكشف أن دوام الحال من المحال.
والمؤمن حين ينظر إلى تقلبات التاريخ لا يعيش وهماً، ولا ينكر الأسباب، لكنه لا يجعل الأسباب إلهاً من دون الله.
يعرف أن البشر يعملون، وأن السنن تجري، وأن النتائج بيد الله وحده.
ولهذا لم يقل القرآن:
جئتم لفيفاً.
بل قال:
﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104].
ليبقى في قلب الإنسان يقين ثابت:
أن فوق تدبير البشر تدبير الخالق.
وفوق إرادة الناس إرادة الله.
وأن التاريخ مهما بدا مضطرباً في أعين الناس، فإنه يسير في النهاية تحت سلطان من بيده الأمر كله.
فقد يظن الناس أنهم جاءوا…
لكن القرآن يذكرهم بحقيقة أعمق:
أنهم في النهاية جيء بهم إلى حيث شاء الله وقدّر.