سنن التنزيل
مقال

جميعًا في التكليف… فرادى في الحساب

  • دقيقتان للقراءة
  • 21 آيةً

التكليف الجماعي في الإسلام يتكامل مع المسؤولية الفردية، فالمرء يعمل مع أمته لحمل الحق وحفظ السفينة، ثم يقف وحده أمام ربه ليحاسب على نصيبه من الأمانة.

قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

وقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94].

بين ﴿جَمِيعًا﴾ و﴿فُرَادَىٰ﴾ يرسم القرآن معادلة دقيقة:

جميعًا في التكليف… فرادى في الحساب.

فالدين لا يصنع فردًا منعزلًا يقول: نفسي تكفيني، ولا جماعة يذوب فيها الفرد حتى يختبئ خلفها من مسؤوليته.

ولعلنا نتعلم هذا الميزان في كل صلاة:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

لم يقل: إياك أعبد، بل ﴿نَعْبُدُ﴾.

ثم تتوالى لغة الجماعة:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103].

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2].

﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36].

فهناك من الدين ما لا يقيمه الفرد وحده؛ حق يحتاج إلى من يحمله، ومستضعف يحتاج إلى من ينصره، وثغر يحتاج إلى من يحرسه.

لكن جماعية التكليف لا تعني تماثل الأدوار.

قال تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: 122].

هذا يتعلم، وهذا يعلم، وهذا ينفق، وهذا يصلح، وهذا يحفظ الثغر.

تختلف المواقع، والوجهة واحدة.

فلا تسأل فقط: ماذا أريد لنفسي؟

بل اسأل:

ماذا يحتاج الحق مني؟ وعلى أي ثغر أقامني الله؟

وفي يوم نهاوند جمع النعمان بن مقرن رضي الله عنه المعنيين في دعائه؛ سأل للمسلمين النصر والفتح، وسأل لنفسه الشهادة.

للأمة النصر… وله الشهادة.

فلو كان المطلوب أن ينال الجميع الأمنية نفسها، فعلى أكتاف من سيقوم الحق؟ ومن يحمل الراية بعدهم؟

ولهذا لا يربي الإسلام أبناءه على طلب البلاء لذاته.

قال نبينا محمد ﷺ:

«لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا» متفق عليه.

لا تطلب البلاء، واسأل الله العافية، فإذا جاء التكليف فاثبت.

فالله غني عنا، وإنما نحن المحتاجون إلى طاعته:

﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6].

وهنا تتوالى كلمات القرآن:

﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: 104].

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: 46؛ الجاثية: 15].

﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: 40].

﴿وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 18].

﴿وَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: 15].

ثم في الجانب الآخر:

﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: 38].

﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10].

﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111].

تأمل حركة الكلمات:

لِنَفْسِهِ… عَن نَفْسِهِ… عَلَىٰ نَفْسِهِ.

الخير لها، والبخل حرمان عنها، والإثم والنكث عليها.

لكن ﴿لِنَفْسِهِ﴾ لا تعني: اشتغل بنفسك واترك غيرك؛ فقد يكون من أعظم ما تفعله لنفسك أن تقوم بمسؤوليتك تجاه الجماعة.

وضرب نبينا محمد ﷺ لذلك مثل السفينة؛ قوم اقتسموها، فأراد أهل أسفلها أن يخرقوا في نصيبهم خرقًا ليستقوا منه.

إنه نصيبهم، لكن أثر الخرق لن يبقى عندهم.

قال ﷺ:

«فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» رواه البخاري.

وهذه سنة عظيمة:

هناك أخطاء تبدأ فردية، ثم تصبح آثارها جماعية.

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25].

وقد تكون مسؤوليتك الفردية أمام الله أن تمنع خرقًا في السفينة، وتنصح، وتصلح، وتنصر مظلومًا، وتحمل الثغر الذي أقامك الله عليه.

ثم بعد كل هذا الاجتماع يأتي المشهد الأخير:

﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95].

هناك لا تستطيع أن تقول: كان الناس يفعلون، أو كان الجميع ساكتين.

كنت واحدًا من الجماعة في الدنيا، وستقف فردًا في الآخرة.

ختاماً:

القرآن لا يقول لك: انجُ بنفسك واترك أمتك، ولا يقول: ذُب في الجماعة حتى تسقط عنك مسؤوليتك.

بل:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103].

ثم:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ﴾ [الأنعام: 94].

فاحمل نصيبك من أمانة الحق، ولا تخرق السفينة، ولا تسكت عمن يخرقها.

واعلم أن ما تبذله للحق وللناس سيعود إليك:

﴿فَلِنَفْسِهِ﴾.

وما تنكثه أو تفرط فيه سيرتد عليك:

﴿عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93؛ الأنعام: 12، 54].

نحمل الحق جميعًا… ثم نقف بين يدي الله فرادى.

شارك المقال