سورة المائدة — من الآية 1 إلى 19: تمام النعمة ومسؤولية الوفاء بالعهد
الوفاء بالعهود هو المقتضى العملي لتمام نعمة الدين، إذ يربط صدق الإيمان بالتزام العدل وحفظ الحرمات وأداء الأمانات في سائر شؤون المجتمع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] المائدة: 1.
بهذا النداء العظيم تفتتح سورة المائدة خطابها للمؤمنين، فتضع أمامهم أصلًا تقوم عليه علاقتهم بالله وعلاقتهم بالناس: الوفاء بالعهد.
وليس الوفاء هنا خُلُقًا فرديًا فحسب، بل مسؤولية تمتد إلى الاعتقاد والعبادة والتشريع والمعاملات والحقوق والعدل، حتى يصبح الإنسان وفيًّا لما آمن به، لا مجرد منتسب إليه.
وتأتي سورة المائدة في سياق قرآني تكتمل فيه معالم التشريع، وتُبيَّن فيه حدود الحلال والحرام، وتُعرض فيه تجارب الأمم السابقة مع مواثيق الله، ثم تنتهي بمشهد الحساب الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم.
ولهذا فإن من أبرز ما يجمع موضوعاتها بيان مقتضيات الوفاء بعهد الله بعد تمام نعمة الدين، حتى تظهر حقيقة الإيمان في العمل والموقف، ثم تنكشف يوم الحساب.
فالنعمة تقتضي الشكر، والعهد يقتضي الوفاء، والوفاء لا يثبت بمجرد القول، وإنما يظهر عند الامتحان.
العهد الذي يبدأ منه بناء الإنسان والمجتمع
تأمل افتتاح السورة:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
لم تبدأ السورة بتفصيل أحكام الطعام أو الصيد أو العلاقات، مع أن هذه الأحكام جاءت بعدها مباشرة، وإنما بدأت بالأصل الذي يحكم التعامل معها جميعًا.
فالمؤمن حين يدخل في عهد الإيمان، يلتزم بأن تكون أوامر الله ونواهيه مرجعًا لسلوكه.
وحين يعقد عقدًا مشروعًا مع إنسان، يلتزم بما ترتب عليه من حقوق.
وحين يتولى مسؤولية عامة، تصبح الأمانة التي يحملها جزءًا من وفائه بما التزم به.
وهنا تظهر سنة من سنن الاجتماع الإنساني: أن الثقة بين الناس لا تستقيم دون الوفاء بالعهود.
فالأسرة تقوم على حقوق والتزامات، والمعاملات الاقتصادية تقوم على الثقة، والمؤسسات تحتاج إلى وضوح المسؤوليات، والدول لا تستقر علاقاتها إذا أصبحت العهود مجرد كلمات تُنقض عند تغير المصالح.
لكن الوفاء بالعقود لا يعني وجوب تنفيذ كل اتفاق مهما تضمن من ظلم أو معصية؛ فالعقد المشروع هو الذي يُحفظ، أما ما خالف أمر الله فلا يكتسب المشروعية بمجرد الاتفاق عليه.
ومن هنا فإن الوفاء لا ينفصل عن العدل، كما أن العدل لا ينفصل عن مرجعية الحق.
ثم يقول تعالى:
وهنا ينتقل الخطاب من الأمر العام بالوفاء إلى مثال عملي في الحلال والحرام.
فليس للإنسان أن يختار من حدود الله ما يوافق رغبته، ثم يترك ما لا يوافقها.
وقد يكون الشيء مباحًا في حال، ممنوعًا في حال أخرى، كما في الصيد أثناء الإحرام.
وهذا يعلمنا أن الالتزام لا يقوم على الرغبة وحدها، بل على معرفة الحكم والعمل به.
ثم تأتي الجملة الجامعة:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1].
فالذي يملك حق التشريع هو الله، وحكمه صادر عن علم وحكمة، وإن لم يدرك الإنسان جميع وجوه الحكمة في كل حكم.
حرمة الشعائر وحدود القوة
ثم يقول تعالى:
تنتقل السورة إلى حماية الحرمات التي جعلها الله.
فليست القوة مبررًا لانتهاك المقدسات، ولا الخصومة سببًا لإسقاط الحقوق.
ثم يقول تعالى:
وهذه من أعظم القواعد التي تضبط سلوك الإنسان عند الخصومة.
فالآية لا تنكر وجود العداوة، ولا تطلب من المظلوم أن يتجاهل ما وقع عليه من اعتداء، لكنها تمنعه من أن يجعل ذلك سببًا لتجاوز حدود الله.
وقد يكون ضبط النفس عند الغضب أصعب من ضبطها عند الرضا، ولهذا يظهر صدق العدل حين يملك الإنسان القدرة على الرد ثم لا يتجاوز الحق.
وهذه قاعدة تحتاج إليها المجتمعات والدول كما يحتاج إليها الأفراد.
فلا يجوز أن تصبح مظلمة سابقة ذريعة للاعتداء على الأبرياء، ولا أن يتحول الدفاع عن الحقوق إلى استباحة حقوق من لا ذنب لهم.
فالعدل لا يفقد قيمته عند اشتداد الصراع، بل تزداد الحاجة إليه.
ثم يقول تعالى:
وهنا تتسع المسؤولية من فعل الإنسان وحده إلى ما يعين عليه غيره.
فقد لا يرتكب المرء الظلم بيده، لكنه يشارك في تمكين الظالم أو إعانته أو تبرير عدوانه.
وقد لا يستطيع أن يحقق الخير وحده، لكنه يستطيع أن يشارك في عمل جماعي ينفع الناس.
ومن هنا فإن التعاون ليس خيرًا بمجرد كونه تعاونًا، وإنما تتحدد قيمته بما يقوم عليه وما يفضي إليه.
فالتعاون على إغاثة المحتاجين، وحفظ الحقوق، ونشر العلم، وإصلاح المجتمع من البر.
أما التعاون على الظلم أو الفساد أو الاعتداء فلا يصبح مشروعًا بسبب المصلحة أو القرابة أو التحالف.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسات والدول في النظر إلى آثار تعاونها، لا إلى المنافع التي تجنيها منه وحدها.
فليس كل تحالف نافعًا لمجرد أنه يحقق مصلحة، وإنما ينبغي أن تُوزن المصالح بميزان البر والعدل، وألا تكون على حساب حقوق الآخرين.
تمام النعمة واكتمال الدين
ثم تأتي الآية العظيمة التي تمثل إحدى الذرى المركزية في السورة:
لقد بدأت السورة بالأمر بالوفاء، ثم أعلنت تمام النعمة.
وهنا تتضح العلاقة بين الأمرين.
فإذا كان الله قد أكمل الدين وأتم النعمة، فإن مسؤولية المؤمن أن يشكر هذه النعمة بالاستجابة والعمل.
ولا يعني كمال الدين أن المسلمين أصبحوا كاملين في فهمه أو تطبيقه، ولا يعني انتهاء الحاجة إلى الاجتهاد في الوقائع المتجددة.
وإنما يعني أن الله أتم لهذه الأمة دينها، وأن ما تحتاج إليه من أصول الهداية والتشريع قد جاءها في الوحي، فلا تحتاج إلى من يخترع لها دينًا آخر.
ومن هنا فإن الخلل قد لا يكون في غياب البيان، وإنما في ضعف الاستجابة له.
وقد يعرف الإنسان الحق ثم يخالفه لمصلحة عاجلة.
وقد تعرف أمة واجبات العدل والوفاء، ثم تعجز عن تحويلها إلى مؤسسات وسياسات تحفظ الحقوق.
ولهذا فإن اكتمال النعمة لا يلغي مسؤولية العمل، بل يجعلها أعظم.
ثم إن الآية نفسها جاءت في سياق أحكام المطعومات والمحرمات، وخُتم ذلك ببيان الرخصة عند الاضطرار.
وهذا يلفت النظر إلى أن كمال التشريع لا يعني إغفال أحوال الإنسان وضعفه وحاجاته.
فالله الذي أمر ونهى هو الذي شرع الرخصة عند الضرورة، دون أن يجعل الضرورة بابًا مفتوحًا لتجاوز الحدود بغير حق.
وهكذا يجتمع في التشريع ضبط الأحكام ومراعاة أحوال المكلفين.
من أحكام الطعام إلى طهارة العلاقات
ثم يقول تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] المائدة: 4.
ثم تبين الآية حكم الصيد بالجوارح المعلمة، مع ذكر اسم الله على الصيد.
وهنا يتكرر المعنى الذي ظهر في مطلع السورة: أن الانتفاع بنعم الله ينبغي أن يكون وفق ما شرعه.
فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن عالم المخلوقات من حوله، وإنما ينتفع بما أباح الله له، مع مراعاة حدوده.
ثم يقول تعالى:
وتذكر الآية كذلك إباحة الزواج بالمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وفق شروطه الشرعية.
وهذا موضع مهم في هندسة السورة؛ لأنها ستتناول لاحقًا أخطاء عقدية وسلوكية وقعت فيها جماعات من أهل الكتاب، لكنها هنا تقرر أحكامًا تجيز صورًا من التعامل والمعاشرة معهم.
ومن هنا نتعلم أن الاختلاف في الاعتقاد لا يعني إلغاء جميع العلاقات الإنسانية والاجتماعية.
كما أن جواز العلاقة لا يعني الموافقة على كل اعتقاد أو فعل.
فالقرآن يجمع بين وضوح العقيدة والعدل في المعاملة، دون أن يجعل أحدهما نقيضًا للآخر.
ثم تختم الآية بقوله تعالى:
فبعد بيان المباحات والعلاقات، تعيد السورة الإنسان إلى أصل الإيمان.
فالانتفاع بالطيبات وإقامة العلاقات المشروعة لا ينبغي أن يكون على حساب الثبات على الدين.
الطهارة: حين يكون إعداد الإنسان للعبادة جزءًا من العهد
ثم يقول تعالى:
بعد أحكام الطعام والعلاقات، تنتقل السورة إلى الطهارة والاستعداد للصلاة.
وهذا الانتقال يكشف أن حياة المؤمن ليست مقسمة إلى عالم دنيوي منفصل عن الدين وعالم تعبدي لا علاقة له بالحياة.
فالطعام والزواج والطهارة والصلاة كلها تدخل في دائرة الاستجابة لله.
ثم تبين الآية أحكام الغسل والتيمم، وتختم بقوله تعالى:
وهنا تعود عبارة تمام النعمة.
فقد قال سبحانه في الآية الثالثة:
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3].
ويقول هنا:
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6].
وهذا الاتصال يكشف أن من تمام النعمة أن يكون التشريع هداية وتطهيرًا ورحمة، لا مشقة مقصودة لذاتها.
فإذا تعذر استعمال الماء وفق الأحوال التي بينها الشرع، شُرع التيمم.
وهذا يعلمنا أن الطاعة ليست مرادفة للتعسير، وأن التيسير المشروع ليس تفريطًا.
لكن الرخصة تؤخذ بضوابطها، فلا تتحول إلى وسيلة لإسقاط الواجبات دون عذر.
فالتقوى ليست في التشدد الذي لم يأذن به الله، ولا في التساهل الذي يتجاوز حدوده، وإنما في اتباع ما شرعه في حال العزيمة والرخصة.
ذكر الميثاق بعد تمام النعمة
ثم يقول تعالى:
هنا يعود الخطاب صراحة إلى الميثاق.
وقد بدأت السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم أعلنت تمام النعمة، ثم عرضت أحكامًا عملية، والآن تذكر المؤمنين بقولهم:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7].
فهذا هو الموقف الذي ينبغي أن يحكم تعامل المؤمن مع الوحي.
لكن السماع والطاعة لا ينبغي أن يبقيا شعارًا يردده الإنسان، بل يجب أن يظهرا في عمله.
ولهذا ختمت الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: 7].
فالله يعلم حقيقة الاستجابة، ويعلم الفرق بين من يعلن الطاعة وهو يريدها، ومن يتخذها ستارًا لمصلحة أو مكانة.
وهنا يظهر أن الوفاء بالعهد يبدأ من القلب، لكنه لا يكتمل إلا بالعمل.
العدل الذي لا تحكمه العداوة
ثم يقول تعالى:
لقد نهت الآية الثانية عن أن تدفع العداوة إلى الاعتداء، وهنا يرتقي الخطاب إلى الأمر بإقامة العدل والشهادة بالقسط.
فالعدل ليس مجرد الامتناع عن ظلم الآخرين، بل القيام بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه.
وتأمل قوله:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فالعدل ليس قيمة منفصلة عن التقوى، بل من أعظم مظاهرها.
وقد يكون الإنسان عادلًا مع من يحب لأن مصلحته توافق ذلك، لكن الامتحان يظهر حين يكون العدل في مصلحة من يخاصمه.
وهنا تتجلى سنة عظيمة في صلاح المجتمعات: أن الحقوق إذا أصبحت رهينة المحبة والبغضاء، ضعفت الثقة بالقضاء والمؤسسات، وانتشر الظلم.
أما حين يكون القانون والحق فوق الأهواء، فإن الناس يجدون قدرًا من الأمن والطمأنينة.
ولهذا فإن إقامة العدل تحتاج إلى ضمير يخشى الله، وإلى مؤسسات تحفظ الحقوق، وإلى قضاء لا يخضع للأهواء أو الضغوط.
ثم يقول تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
فقد يعلم الناس ظاهر الحكم، لكن الله يعلم دوافعه وما صاحبه من نية أو هوى.
ثم تأتي الآيتان التاسعة والعاشرة بالوعد والوعيد:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] المائدة: 9.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10، 86] المائدة: 10.
وهنا يتضح أن الوفاء ليس مجرد التزام اجتماعي، بل عمل يرتبط بالإيمان والجزاء.
نعمة الحفظ لا تلغي واجب الأخذ بالأسباب
ثم يقول تعالى:
تذكر الآية المؤمنين بنعمة الحفظ من اعتداء همّ به قوم.
وهنا تظهر صلة النعمة بالتوكل.
فالله هو الذي يدفع الشر عمن يشاء من عباده، لكن التوكل لا يعني ترك الحذر أو إهمال الأسباب.
فقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم الناس توكلًا على الله، ومع ذلك أخذ بالأسباب في شؤون حياته ودعوته.
ومن هنا فإن المؤمن لا يغتر بالأسباب كأنها مستقلة عن الله، ولا يهملها بدعوى التوكل.
وهذا المعنى يحتاج إليه الفرد كما تحتاج إليه المجتمعات والدول.
فحفظ الأمن يحتاج إلى إعداد وتدبير وحسن تقدير للمخاطر، مع بقاء القلب متعلقًا بالله.
والنعمة حين تقع ينبغي أن تقود إلى الشكر والتقوى، لا إلى الغرور أو الاطمئنان الذي يعطل العمل.
مواثيق بني إسرائيل: حين تنقض الأمة ما التزمت به
ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن ميثاق بني إسرائيل:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] المائدة: 12.
وتذكر الآية ما علق عليه الوعد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل وتعزيرهم وإقراض الله قرضًا حسنًا.
وهنا يظهر أن الميثاق ليس مجرد انتماء إلى جماعة، بل التزامات عملية.
فقد تكون الأمة صاحبة تاريخ ديني عظيم، وقد تتلقى من النعم والآيات ما لم يتلقه غيرها، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤولية الطاعة.
ثم يقول تعالى:
وهنا تكشف الآية آثار نقض الميثاق في هذا السياق.
فالقضية لم تقف عند مخالفة أمر، بل اقترنت بقسوة القلوب وتحريف الكلم ونسيان بعض ما ذُكروا به.
وهذا يكشف خطرًا يتجاوز مجرد وقوع الإنسان في المعصية.
فقد يخطئ الإنسان ثم يعترف بخطئه ويتوب، لكن الأخطر أن يحاول تغيير معنى الحق حتى يبدو خطؤه صوابًا.
وهنا ينتقل الانحراف من السلوك إلى المرجعية التي يُحاكم بها السلوك.
فإذا أصبح النص يُحمّل ما لا يحتمل لتبرير الهوى، ضاعت قدرة الإنسان على تصحيح نفسه.
لكن ينبغي أن ننتبه إلى أن القرآن لا يجعل هذه الأوصاف حكمًا على كل فرد من بني إسرائيل في جميع الأزمنة، وإنما يتحدث عن أفعال ووقائع ومواقف محددة.
والعبرة التي نأخذها منها تتوجه إلينا نحن كذلك.
فكلما استعملنا النصوص لتبرير أخطائنا بدل تصحيحها، اقتربنا من هذا المسلك الخطير.
ثم يقول تعالى:
وتأمل كيف جاء الأمر بالعفو والصفح في سياق الحديث عن الخيانة.
فليس المطلوب من المؤمن أن يتخلى عن العدل أو يضيع الحقوق، وإنما أن يلتزم ما أمره الله به في التعامل، وألا يجعل الخيانة سببًا للتجاوز والاعتداء.
ميثاق النصارى: حين يؤدي نسيان الوحي إلى الفرقة
ثم يقول تعالى:
بعد الحديث عن ميثاق بني إسرائيل، تعرض السورة ميثاق النصارى وما وقع من نسيان بعض ما ذُكروا به.
وهنا يظهر أثر الانحراف عن الهداية في العلاقات بين الناس.
فحين تضطرب المرجعية، وتتنازع الجماعات في الحق، قد تنشأ بينها عداوات وصراعات.
لكن لا يجوز أن نحول هذا الخبر القرآني إلى قاعدة نقضي بها بأن كل خلاف ديني أو اجتماعي سببه المباشر نقض الميثاق، أو أن كل فرد من المنتسبين إلى النصرانية يحمل حكمًا واحدًا.
إنما نأخذ من الآية ما تدل عليه من خطورة الإعراض عن الوحي، وما قد يترتب على ذلك من فرقة وعداوة.
وهذا يذكرنا بأن وحدة المجتمع لا تقوم على إخفاء الخلافات أو إنكارها، بل تحتاج إلى العدل والصدق والوفاء بالحقوق.
القرآن: نور وكتاب مبين
ثم يقول تعالى:
بعد عرض آثار نقض المواثيق، تأتي الآية لتبين طريق العودة إلى الهداية.
فالله لم يترك الناس دون بيان، وإنما أرسل رسوله بالحق، وأنزل الكتاب المبين.
ثم يقول تعالى:
وهنا تظهر وظيفة الوحي.
فليس القرآن مجرد كتاب تُحفظ ألفاظه أو تُتلى آياته، مع عزلها عن الحياة، بل هو هداية تخرج الإنسان من الظلمات إلى النور.
والهداية هنا ترتبط باتباع رضوان الله.
فقد يقرأ الإنسان النص، لكنه لا يريد أن يغير شيئًا من سلوكه.
وقد يعرف الحكم، لكنه يبحث عما يوافق هواه.
أما من صدق في طلب الهداية، فإن الوحي يصبح له نورًا يهتدي به في اعتقاده وعمله وموقفه.
ومن هنا فإن إصلاح المجتمعات لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات الدينية، بل يحتاج إلى تحويل الهداية إلى صدق وعدل وأمانة وعمل صالح.
تصحيح الاعتقاد في المسيح عليه السلام
ثم يقول تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17، 72] المائدة: 17.
وتبين الآية أن المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا داخلون في ملك الله وتحت قدرته.
وهنا تقرر السورة أصل التوحيد، وتبين أن عيسى عليه السلام عبد لله ورسول من رسله، وليس إلهًا.
وهذا المعنى سيعود في مواضع أخرى من السورة، ثم يبلغ ذروته في مشهد شهادة عيسى عليه السلام يوم القيامة.
ومن المهم أن نفرق بين بيان القرآن للحكم على الاعتقاد، وبين حقوق الناس في العدل والبر والمعاملة الحسنة.
فوضوح العقيدة لا يبيح ظلم المخالف أو الاعتداء عليه.
بل إن السورة نفسها قررت قبل ذلك وجوب العدل مع من نبغض، وأباحت صورًا من التعامل مع أهل الكتاب.
ثم يقول تعالى:
وهنا تعالج السورة دعوى الامتياز الديني الذي يعفي أصحابه من المسؤولية.
فالانتساب إلى دين أو تاريخ أو جماعة لا يجعل الإنسان فوق الحساب.
وهذه قاعدة ينبغي أن نستحضرها ونحن نقرأ تاريخ الأمم السابقة.
فلا يجوز أن ننتقد من ظنوا أن الانتساب يكفيهم، ثم نقع نحن في الوهم نفسه.
فقد نعتز بأننا أمة القرآن، لكن هذا الاعتزاز ينبغي أن يقودنا إلى الوفاء بما جاء به القرآن.
وقد نفرح بما أكرم الله به أمتنا من نعمة الرسالة، لكن الشكر الحقيقي لهذه النعمة يظهر في العمل.
فالفضل الذي يمنحه الله لعباده ليس رخصة لترك الواجبات، وإنما أمانة تزداد بها المسؤولية.
إقامة الحجة بعد فترة من الرسل
ثم يقول تعالى:
بهذه الآية يكتمل المحور التأسيسي الأول في السورة.
فقد بدأت بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم أعلنت تمام النعمة، وذكرت الميثاق، وعرضت نماذج من نقضه، ثم بينت أن الله أرسل رسوله بالحق حتى تقوم الحجة ويظهر طريق الهداية.
وهنا تتضح العلاقة بين النعمة والمسؤولية.
فكلما ازداد البيان، ازدادت مسؤولية الإنسان عن موقفه منه.
لكن قيام الحجة على الأفراد له شروطه وتفاصيله التي لا يصح أن نتجاوزها بأحكام عامة على من لم نعرف حقيقة ما بلغه أو فهمه.
والمقصود هنا أن الرسالة جاءت بالبيان والبشارة والنذارة، وأن على من بلغه الحق أن يتعامل معه بصدق وتجرد.
وهكذا نصل إلى نهاية الآية التاسعة عشرة، وقد وضعت السورة أمامنا أصولًا كبرى: الوفاء بالعهد، وتعظيم الحرمات، والعدل، والتعاون على البر، وتمام نعمة الدين، ومرجعية الوحي، ومسؤولية الاستجابة.
لكن هذه الأصول لن تبقى معاني نظرية.
ففي الآيات التالية ستعرض السورة امتحانًا تاريخيًا يكشف ما يحدث حين تتلقى جماعة أمرًا واضحًا، ثم يحول الخوف بينها وبين الاستجابة.
قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 20] المائدة: 20.
وهنا يبدأ مشهد جديد من مشاهد العهد والنعمة والامتحان، حيث لا يكون السؤال عما عرفه الإنسان من الحق وحده، وإنما عما فعله حين جاء وقت العمل به.