سنن التنزيل
مقال

حين تتزيّن الأباطيل… كيف نعرف الحق ونتبعه؟

  • 4 دقائق للقراءة
  • 15 آيةً

معرفة الحق واتباعه تستوجب الحذر من بهرج الباطل المنتفش، وحسن التثبت مما نسمع، مع امتلاك الشجاعة الكاملة للرجوع إلى الصواب مهما علت المكانة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].

ليس القصص القرآني أخبارًا عن أمم مضت فحسب، بل هداية تكشف طبائع النفوس وسنن المجتمعات، وتعلمنا كيف نميز الحق من الباطل، وكيف نتصرف حين تختلط علينا الأمور.

وقد نحفظ تفاصيل القصة، ثم نواجه في حياتنا موقفًا يشبهها، فلا نستحضر هدايتها. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].

ولنتأمل ثلاثة مشاهد قرآنية يجمعها سؤال واحد: كيف نكشف الباطل حين يتزين؟ وكيف نبادر إلى الحق ونتثبت مما نسمع؟ وهل نملك الشجاعة لاتباعه؟

السامري… حين ينتفش الباطل ويختل ميزان الناس

قال تعالى:

﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ [طه: 88].

صنع السامري للباطل مظهرًا يستثير الأبصار والأسماع، ثم أحاطه بادعاء يمنحه منزلة لا يستحقها. لكن القرآن كشف خواء هذا المظهر:

﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: 89].

كانت فتنة العجل انحرافًا في أصل التوحيد، ولا نسوّي بينها وبين ظواهر الشهرة في واقعنا، لكننا نتعلم من المشهد كيف قد يحجب البريق الحقيقة، وكيف يستسلم الإنسان للتأثير دون أن يسأل عن الدليل.

وقد بلغ تعلق القوم بالباطل مبلغًا عظيمًا، حتى قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93].

فالانتشار قد يمنح الباطل قوة التأثير، لكنه لا يمنحه الحق والمشروعية.

وفي واقعنا قد نرى بعض أصحاب المحتوى الهابط تُفرش لهم السجادات ويُستقبلون استقبال الأبطال، بينما يعيش بيننا علماء ومربون وأطباء وأصحاب فضل خدموا الناس أعمارًا، فلا يلتفت إليهم إلا القليل.

فهل أصبح عدد المتابعين مقياسًا للقيمة؟ وهل صار التصفيق شهادة بالفضل؟

ليس كل مشهور قليل القيمة، ولا كل مغمور صاحب فضل؛ وإنما الخلل أن نجعل الشهرة وحدها معيار الاستحقاق.

والأخطر أننا قد نشارك في صناعة هذا الخلل بمتابعتنا وترويجنا وتكريمنا.

لقد حذر هارون عليه السلام قومه فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: 90]، ومع ذلك أصروا على باطلهم.

فليست المشكلة دائمًا في غياب من يبين الحق، بل قد تكون في تعلق النفوس بما يوافق أهواءها.

فمن الذي نرفعه نحن؟ وعلى أي أساس نمنحه مكانته؟

الهدهد… حين تتحول الغيرة على الحق إلى مبادرة

قال تعالى:

﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22].

سليمان عليه السلام نبي ملك آتاه الله علمًا وسلطانًا، ومع ذلك جاءه الهدهد بخبر لم يكن قد أحاط به.

ولم يكن اللافت مجرد الخبر، بل المبادرة التي حملته؛ فلم يذكر القرآن أن سليمان أرسله لاستطلاع أحوال سبأ، وإنما جاء يخبره:

﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: 24].

ثم جاء في سياق الخبر: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: 25]، وعلى أحد الأوجه التفسيرية يظهر فيه استنكار الهدهد لعبادة غير الله.

وهنا درس عظيم: قد تدفع الغيرة على الحق صاحبها إلى المبادرة دون انتظار تكليف مباشر.

فكم من إنسان يرى حاجة يستطيع سدها، أو خللًا يقدر على إصلاحه، ثم يقول: لم يطلب مني أحد!

لكن المبادرة لا تعني تجاوز المسؤوليات؛ فقد عاد الهدهد إلى سليمان وأبلغه، ولم ينفرد بالقرار.

ثم جاء موقف القائد:

﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۝ اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: 27-28].

لم يرفض سليمان الخبر لصغر حامله، ولم يقبله دون تمحيص، بل شرع في اختباره، ثم جعل صاحب المبادرة شريكًا في الخطوة التالية؛ فأرسله بالكتاب وكلفه بمتابعة الرد.

ولم يبق الخبر حبيس الكلام، بل تتابعت المواقف والقرارات حتى قال سليمان في مرحلة لاحقة:

﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 38].

وهذا ما تحتاج إليه مؤسساتنا ومجتمعاتنا: ألا تُهمل المبادرات لأن أصحابها لا يملكون مناصب، وألا تُقبل الأخبار دون تثبت، وألا توضع التقارير على الرفوف دون عمل.

فالهدهد يعلمنا المبادرة، وسليمان يعلمنا الإنصات والتثبت وتحويل المعرفة إلى عمل.

بلقيس… حين يكون الرجوع إلى الحق انتصارًا

قال تعالى:

﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].

كانت بلقيس ملكة لها سلطان ومكانة، لكنها حين وصلها كتاب سليمان لم تتعجل القرار، بل قالت:

﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32].

استشارت، ونظرت في العواقب، ولم تجعل قوة قومها سببًا للتسرع.

لكن أعظم مواقفها كان حين تبين لها الحق، فلم تجعل مكانتها حاجزًا بينها وبين الهداية.

قال تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: 43].

ثم أعلنت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].

لم يكن موقفها مجرد تغيير رأي سياسي، بل انتقالًا من عبادة غير الله إلى توحيده.

وتأمل قولها: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ﴾ [النمل: 44]؛ فلم تجعل إسلامها خضوعًا لشخص سليمان، وإنما خضوعًا لله رب العالمين.

وهنا يظهر الفرق بين من يبحث عن الحق، ومن يبحث عما يحفظ صورته أمام الناس.

فكم من إنسان يتمسك برأي ظهر خطؤه، أو مسؤول يستمر في قرار ثبت ضرره، لا لخفاء الصواب دائمًا، بل خشية الاعتراف بالخطأ!

أما بلقيس فلم تجعل سلطانها مانعًا من مراجعة موقفها.

فليس الانتصار أن تتمسك بكل ما قلت، وإنما أن تثبت على الحق ولو اضطررت إلى مراجعة ما قلت.

ختامًا… من معرفة الحق إلى العمل به

ترسم هذه المشاهد الثلاثة طريقًا متكاملًا:

السامري يكشف خطر الباطل حين يتزين، والهدهد يعلمنا المبادرة إلى الخير، وسليمان يعلمنا التثبت وتحويل الخبر إلى عمل، وبلقيس تعلمنا الشجاعة في اتباع الحق.

لكن العبرة لا تكتمل بمجرد الإعجاب بهذه المعاني.

فإذا رأينا باطلًا ينتفش، فلا نمنحه من متابعتنا وترويجنا ما يزيده انتشارًا، ولا نزن الناس بضجيجهم، بل بما يقدمونه من حق ونفع.

وإذا علمنا خيرًا نستطيع المبادرة إليه، فلا نجعل انتظار التكليف ذريعة لتركه، مع احترام المسؤوليات وحسن تقدير العواقب.

وإذا بلغنا خبر، تثبتنا منه قبل نقله أو بناء المواقف عليه، وإذا ظهر لنا الحق، فلا نجعل مكانتنا أو آراءنا السابقة حاجزًا عن اتباعه.

إن القرآن لا يروي لنا أخبار السابقين حتى نحسن الحديث عن أخطائهم فحسب، بل حتى نراجع بها أنفسنا، ونصحح بها مواقفنا، ونبني بها حياتنا.

فالقصص القرآني لا يكتمل أثره حين نعرف ما وقع، وإنما حين يتغير به ما نفعله.

شارك المقال