سنن التنزيل
دراسةُ سورة آل عمران · الجزء 6 من 6

سورة آل عمران — المحور السادس: تصحيح موازين الحياة والفوز والمآل

  • 23 دقيقةً للقراءة
  • 28 آيةً

موازين الفوز الحقيقي تتحدد بالمآل الأخروي لا بمكاسب الدنيا الزائلة، مما يحرر المؤمن من الغرور ويدفعه إلى ترجمة يقينه صبراً وثباتاً وعملاً نافعاً.

ولا يحسبن الذين يبخلون: حين تتحول النعمة إلى عبء على صاحبها

قال تعالى:

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180] آل عمران: 180.

بعد المعالجة الطويلة لأُحد، وما كشفت عنه من أثر اختلاف المقاصد والتنازع والعصيان، تعود السورة إلى المال، ولكن من زاوية البخل به.

وهذا الرجوع ليس بعيدًا عن الخيط الناظم للسورة؛ فقد تحدثت في مطلعها عن الأموال والأولاد، ثم عرضت زينة الحياة الدنيا، وقررت أن البر لا ينال إلا بالبذل مما يحب الإنسان، ثم كشفت في أُحد أثر إرادة الدنيا حين تقدمت عند بعض المؤمنين على مقتضى الطاعة.

والآن تأتي الآية لتصحح تصورًا آخر: أن الاحتفاظ بالمال ومنع ما يجب فيه من الحقوق خير مطلق لصاحبه.

فالمال الذي يبخل الإنسان به قد يظنه سببًا لأمانه، لكنه يصبح وبالًا عليه إذا منعه من أداء ما أوجب الله.

وتأمل قوله:

﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 170، 180].

فالمال الذي يملكه الإنسان ليس مستقلًا عن فضل الله؛ فقد آتاه الله من القدرة والفرص والأسباب ما مكنه من تحصيله.

وهذا لا يلغي جهد الإنسان، لكنه يمنعه من أن يرى نفسه المالك المطلق الذي لا مسؤولية عليه فيما بين يديه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 180].

فكل ما يملكه البشر سيتركونه، ويبقى الملك لله وحده.

وهنا يتصل أول السورة بآخرها؛ فقد قال سبحانه:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: 26] آل عمران: 26.

فالملك لله ابتداءً وانتهاءً، وما في أيدي الناس عارية مؤقتة، يمتحنون في كيفية اكتسابها واستعمالها وأداء حقوقها.

ومن هنا فإن المجتمع الذي يريد أن يقيم العدل لا يكفيه أن يزيد ثروته، بل يحتاج إلى أن ينظر في كيفية توزيع المسؤوليات والحقوق، وفي حماية المحتاجين، ومنع الظلم والفساد.

فالقوة الاقتصادية نعمة إذا أحسن الإنسان توظيفها، لكنها قد تتحول إلى مصدر للفساد إذا انفصلت عن التقوى والأمانة.

حين يسيء الإنسان الأدب مع الله: المال والعلم وفساد التصور

قال تعالى:

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181] آل عمران: 181.

تعرض السورة قولًا عظيمًا في سوء الأدب مع الله، يكشف إلى أي حد قد يفسد تصور الإنسان حين يغتر بما يملك.

فقد يتوهم الإنسان أن المال الذي بين يديه يجعله مستغنيًا، حتى يبلغ به الغرور أن يقيس غنى الله وفقره بمقاييس البشر.

لكن الله سبحانه غني عن العالمين، ولا تزيده طاعة الطائعين شيئًا في ملكه، ولا تنقصه معصية العاصين.

وإنما تعود منفعة الطاعة على العبد نفسه.

ثم يقرر القرآن أن الله يسمع الأقوال ويحصي الأعمال، وأن الجزاء قائم على العدل:

﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182] آل عمران: 182.

وهنا ينبغي أن نتأمل العلاقة بين فساد التصور وفساد السلوك.

فالذي يتعامل مع الله بمنطق الاستغناء قد يسهل عليه أن يتجاوز حدوده مع الناس أيضًا، وأن يجعل قوته أو ماله مبررًا للتعالي والاعتداء.

ولهذا لا يفصل القرآن بين تصحيح العقيدة وإصلاح الأخلاق.

ثم تعرض السورة قول من اشترطوا للإيمان برسول الله ﷺ أن يأتيهم بقربان تأكله النار، مع أن الرسل من قبله جاءوا بالبينات وبما طلبوا، فلم يكن ذلك مانعًا من تكذيبهم والاعتداء عليهم.

قال تعالى:

﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183] آل عمران: 183.

فالمشكلة قد لا تكون في نقص الأدلة، بل في عدم الاستعداد للانقياد لما تدل عليه.

وقد يظل الإنسان يطالب بمزيد من البراهين، لا لأنه يبحث عن الحقيقة، بل لأنه لا يريد الالتزام بنتائجها.

وهذا لا يعني أن السؤال والبحث مذمومان؛ فطلب الدليل من مقتضيات العلم، وإنما المذموم أن تتحول المطالبة بالدليل إلى وسيلة دائمة للتهرب من الحق بعد ظهوره.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184] آل عمران: 184.

فتربط السورة ما يواجهه نبينا محمد ﷺ بما واجهه الرسل قبله، وتقرر أن التكذيب لا يدل على ضعف الحق، كما أن كثرة المعارضين لا تجعل الباطل حقًا.

فوظيفة الرسول البلاغ والبيان، وليس من سنن الله أن يستجيب الناس جميعًا للحق بمجرد ظهوره.

كل نفس ذائقة الموت: ما الفوز الذي يستحق أن نسعى إليه؟

قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] آل عمران: 185.

تأتي هذه الآية بعد الحديث عن الأموال والأعمال والتكذيب، لتضع الإنسان أمام الحقيقة التي لا يستطيع تجاوزها: الموت.

فكل نفس ذائقة الموت، مهما امتد بها العمر، ومهما بلغت من قوة أو مال أو مكانة.

وهذه الحقيقة تعيد ترتيب موازين الإنسان.

فقد يظن أن الفوز هو امتلاك السلطة، أو جمع الثروة، أو التغلب على خصم، أو بلوغ منزلة بين الناس.

لكن القرآن يضع الميزان النهائي:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].

فالفوز الحقيقي لا يقاس بما يملكه الإنسان في الدنيا وحدها، وإنما بما ينتهي إليه أمره عند الله.

ولا يعني هذا أن نجاح الإنسان في دنياه لا قيمة له، أو أن عليه أن يهمل العلم والعمل والعمران.

بل إن هذه كلها ميادين يمكن أن يعبد الله فيها إذا صلحت المقاصد والوسائل.

لكن الخلل يبدأ حين تصبح الدنيا هي المعيار النهائي الذي يضحي الإنسان من أجله بدينه وأمانته وحقوق غيره.

ومن هنا نفهم أن الآية تصحح نظرتنا إلى النصر والهزيمة أيضًا.

فقد يحقق الإنسان نصرًا ظاهرًا ثم يخسر نفسه بالظلم والفساد، وقد يبتلى بخسارة دنيوية وهو ثابت على الحق، فيكون له عند الله من الجزاء ما لا تقيسه موازين البشر.

لكن ذلك لا يعفينا من السعي إلى تحقيق الخير والعدل في الدنيا؛ وإنما يمنعنا من جعل النجاح الدنيوي دليلًا قاطعًا على رضا الله، أو جعل الخسارة دليلًا قاطعًا على سخطه.

وتأمل قوله:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185].

فقد يرى الإنسان بعض آثار عمله في الدنيا، لكن الجزاء الكامل عند الله.

وهذا يحرره من استعجال النتائج، ويمنحه القدرة على مواصلة العمل الصالح ولو لم ير جميع ثماره في حياته.

لتبلون في أموالكم وأنفسكم: الثبات أمام الأذى

قال تعالى:

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] آل عمران: 186.

بعد أن قررت السورة حقيقة الموت والجزاء، تعود إلى واقع الحياة بما فيه من ابتلاء وأذى.

فالإيمان لا يعني أن الطريق سيكون خاليًا من المشقة، ولا أن المؤمن لن يتعرض للخسارة أو الاعتداء أو الكلام المؤذي.

بل تخبر الآية المؤمنين بأنهم سيبتلون في أموالهم وأنفسهم، وسيسمعون أذى كثيرًا.

وهنا يظهر جانب من التربية القرآنية؛ فالقرآن لا يبني المؤمن على وعود براحة دائمة في الدنيا، وإنما يهيئه لمواجهة ما قد يعترضه من صعوبات.

لكن الاستعداد للابتلاء لا يعني طلبه أو الاستهانة به.

فالإنسان مأمور بأن يسأل الله العافية، وأن يحفظ نفسه وماله وحقوقه، وأن يدفع الظلم بما شرعه الله من وسائل مشروعة.

ثم تأتي الوصية:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 120، 186].

وقد تكرر اقتران الصبر بالتقوى في السورة، ولا سيما في قوله تعالى:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120] آل عمران: 120.

فالصبر يحفظ الإنسان من الانهيار والتعجل، والتقوى تمنعه من أن يدفعه الأذى إلى تجاوز حدود الله.

وهذا التوازن ضروري؛ فقد يصبر الإنسان لكنه يترك واجبًا كان قادرًا على أدائه، وقد يندفع لمواجهة الظلم لكنه يستعمل وسائل لا يقرها الحق.

أما الصبر المقترن بالتقوى فيجمع بين الثبات وحسن العمل.

وهذا يحتاج إليه الأفراد حين يواجهون أذى الناس، وتحتاج إليه المجتمعات حين تمر بأزمات طويلة، وتحتاج إليه الدول حين تتعامل مع الضغوط والمخاطر.

فليس كل رد فعل سريع دليل قوة، ولا كل تريث دليل ضعف؛ وإنما العبرة بحسن تقدير الموقف، والثبات على المبدأ، واختيار الوسائل التي تحقق المقاصد المشروعة.

ميثاق العلم: حين يصبح كتمان الحق خيانة للأمانة

قال تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187] آل عمران: 187.

تعود السورة إلى مسؤولية العلم، التي عالجتها في بداياتها عند الحديث عن المحكم والمتشابه، وكتمان الحق، وليّ الألسنة بالكتاب.

وهذا الرجوع يكشف أن العلم ليس شأنًا منفصلًا عن حياة الأمة ومصيرها.

فقد تكون الجماعة قوية في ظاهرها، لكنها إذا فقدت أمانة العلم، أو أصبح أهل المعرفة يخفون الحق طلبًا للمصلحة، فإن قدرتها على تصحيح مسارها تتراجع.

والميثاق هنا يقوم على البيان وعدم الكتمان.

فالعلم أمانة ينبغي أن يؤديها صاحبها بصدق، لا أن يجعلها وسيلة لشراء رضا أصحاب النفوذ أو تحصيل المكاسب.

وهذا المعنى يتجاوز المجال الديني إلى كل علم تتعلق به حقوق الناس ومصالحهم.

فالطبيب مسؤول عن أمانة علمه، والمهندس عن سلامة ما يصممه، والباحث عن صدق نتائجه، والمسؤول عن صحة المعلومات التي يبني عليها قراراته.

وإذا أصبح إخفاء الحق أو تحريف الوقائع طريقًا إلى المصلحة، فإن المجتمع يفقد القدرة على معرفة أخطائه ومعالجتها.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: 188] آل عمران: 188.

وهنا تنتقل السورة من كتمان الحق إلى طلب الثناء بغير استحقاق.

وقد يكون حب المدح دافعًا إلى تضخيم الإنجازات، أو إخفاء الإخفاقات، أو نسبة أعمال الآخرين إلى النفس.

وهذه آفة لا تصيب الأفراد وحدهم، بل قد تصيب المؤسسات والجماعات والدول حين تصبح الصورة التي تقدمها عن نفسها أهم من حقيقة أدائها.

ومن هنا فإن الصدق مع النفس والناس شرط من شروط الإصلاح.

فمن يريد الثناء على ما لم يفعل قد يعجز عن الاعتراف بما لم ينجزه، ومن يخشى أن تظهر أخطاؤه قد يفضل استمرارها على كشفها ومعالجتها.

وهذا يعيدنا إلى درس أُحد؛ فقد واجه القرآن المؤمنين بما وقع منهم، ولم يجعل شرفهم سببًا لإخفاء الخطأ.

فالأمة التي تريد النهوض تحتاج إلى ثقافة تعترف بالإنجاز الحقيقي، وتكشف القصور بإنصاف، ولا تستبدل العمل بالدعاية.

ولله ملك السماوات والأرض: العودة إلى أصل السورة

قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189] آل عمران: 189.

بعد هذه المعالجة الطويلة، تعود السورة إلى الحقيقة التي افتتحت بها:

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2].

وتعود كذلك إلى قوله:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: 26].

فالله هو الحي القيوم، ومالك الملك، وله ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.

وهذا الرجوع ليس تكرارًا مجردًا، وإنما إغلاق لدائرة المعنى التي بدأت بها السورة.

فقد رأينا في أثنائها ملكًا يؤتى وينزع، وقوة تنتصر ثم تتراجع، وجماعة تبتلى ثم تنهض، وأموالًا تجمع ثم تترك، وأشخاصًا يموتون وتبقى الرسالة من بعدهم.

ثم تأتي هذه الآية لتقرر أن كل ذلك يجري داخل ملك الله وسلطانه.

فالبشر يملكون أسبابًا محدودة، ويجتهدون في تدبير شؤونهم، لكنهم لا يملكون الكون ولا الحياة ولا الموت ولا الجزاء.

ومن هنا فإن المؤمن لا يغتر بما في يده، ولا ييأس مما فاته، بل يعمل بما يستطيع، ويعلم أن الأمر كله لله.

ثم تنتقل السورة من تقرير ملك الله إلى دعوة الإنسان للتفكر في آيات هذا الملك.

إن في خلق السماوات والأرض: من حركة التاريخ إلى آيات الكون

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] آل عمران: 190.

بعد أن دعت السورة إلى النظر في سنن التاريخ بقوله:

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [آل عمران: 137]،

تدعو هنا إلى النظر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار.

فمجال التفكر في القرآن لا يقتصر على أخبار الأمم وتقلبات القوة، بل يمتد إلى الكون كله.

والإنسان الذي يتأمل نظام الليل والنهار، ودقة الخلق، واتساع الكون، يجد أمامه آيات تدعوه إلى معرفة الله وتعظيمه.

لكن القرآن لا يجعل التفكر مجرد نشاط عقلي منفصل عن القلب والعمل.

بل يصف أولي الألباب بقوله:

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191] آل عمران: 191.

فقد جمعوا بين الذكر والتفكر.

فالذكر يحفظ صلة القلب بالله، والتفكر يفتح العقل على آياته في الخلق.

وهذا الجمع يمنع انحرافين: أن تتحول العبادة إلى ممارسة لا توقظ العقل، أو أن تتحول المعرفة إلى وسيلة للغرور والاستغناء عن الله.

ثم يقولون:

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].

فالتفكر قادهم إلى إدراك أن الخلق ليس عبثًا، وأن الحياة لها غاية ومسؤولية ومآل.

ومن هنا فإن العلم الذي يكشف للإنسان شيئًا من نظام الكون ينبغي أن يزيده تواضعًا أمام عظمة الخالق، وأن يدفعه إلى استعمال ما تعلمه في الخير والإصلاح.

فليست قيمة المعرفة في مقدار ما يملكه الإنسان منها وحده، بل في أثرها على تصوره وسلوكه.

ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان: من المعرفة إلى الاستجابة

قال تعالى:

﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193] آل عمران: 193.

بعد التفكر في خلق السماوات والأرض، تنتقل السورة إلى دعاء المؤمنين الذين استجابوا لنداء الإيمان.

وتأمل قوله:

﴿فَآمَنَّا﴾.

فلم يكتفوا بسماع النداء، وإنما استجابوا له.

وهنا يعود الخيط الناظم للسورة إلى الظهور في ختامها: أن الحق الذي يعرفه الإنسان ينبغي أن يتحول إلى استجابة.

فقد بدأت السورة بالوحي الذي نزل بالحق، ثم عرضت من عرفوا الحق وأعرضوا عنه، ومن آمنوا به وصدقوه، ومن امتحنوا في طاعتهم وثباتهم.

والآن نرى أولي الألباب يعلنون أنهم سمعوا نداء الإيمان فآمنوا.

ثم يقولون:

﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193].

فالإيمان لم يجعلهم يظنون أنهم استغنوا عن المغفرة، بل ازدادوا إدراكًا لحاجتهم إلى رحمة الله.

ثم يدعون:

﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194] آل عمران: 194.

وهنا يبرز معنى الوعد الإلهي الذي تكرر في السورة.

فقد قال الله في أُحد:

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: 152].

والآن يدعو المؤمنون الله أن يؤتيهم ما وعدهم على رسله.

فالوعد الإلهي حق، لكن المؤمن لا يجعل يقينه بالوعد سببًا لترك العمل، وإنما باعثًا على الوفاء بمقتضيات الإيمان.

فاستجاب لهم ربهم: لماذا جاء الجواب بذكر العمل؟

قال تعالى:

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195] آل عمران: 195.

هذه الآية من أجمل ما يختم به القرآن بناء السورة.

فقد دعا المؤمنون ربهم بالمغفرة والرحمة والوفاء بالوعد، فجاءت الاستجابة الإلهية مقرونة بذكر العمل:

﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 195].

وهنا لا يضع القرآن الدعاء في مقابل العمل، ولا العمل في مقابل الدعاء.

بل يجمع بينهما في حياة المؤمن.

فالدعاء يربط القلب بالله، والعمل يصدق الاستجابة لأمره.

ومن هنا فإن من يدعو الله بالإصلاح ينبغي أن يسعى إليه بما يستطيع، ومن يسأله النصر ينبغي أن يقوم بما عليه من إعداد وطاعة، ومن يرجو رحمته ينبغي أن يتوب ويعمل صالحًا.

ولا يعني ذلك أن استجابة الدعاء محصورة في النتائج التي يراها الإنسان أو يحدد وقتها، وإنما أن المؤمن مأمور بالجمع بين الافتقار إلى الله وبذل الأسباب المشروعة.

ثم تأمل قوله:

﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].

فميزان قبول العمل لا يقوم على جنس صاحبه، وإنما على الإيمان وصدق العمل.

وقد بدأت السورة بقصة امرأة عمران ومريم عليها السلام، وما ظهر فيهما من إخلاص وعبودية واستجابة، ثم يأتي هذا التقرير في ختامها ليؤكد أن عمل العامل لا يضيع عند الله، ذكرًا كان أو أنثى.

وهذا من جمال الترابط في السورة؛ فقد كان للمرأة حضور مؤثر في قصة الاصطفاء والتربية والإيمان، ثم جاء تقرير الجزاء ليشمل المؤمنين جميعًا.

ثم تذكر الآية صورًا من العمل والتضحية:

﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: 195].

فلم تكن الاستجابة مجرد كلمات، بل ظهرت في الهجرة، وتحمل الأذى، والبذل، والثبات.

وهنا تكتمل رحلة السورة من معرفة الحق إلى صدق الاستجابة.

فالإيمان الذي بدأ بتلقي الوحي، ومر بامتحان الطاعة والابتلاء، ينتهي إلى وعد الله بألا يضيع عمل من صدق معه.

وهذا يفتح أمام كل واحد منا سؤالًا عمليًا: ما العمل الذي ينبغي أن أقدمه بعد أن عرفت ما يطلبه الله مني؟

فقد لا يملك الإنسان تغيير واقع أمة كاملة، لكنه يملك أن يبدأ بإصلاح نفسه، وأن يؤدي حق أسرته، وأن يصدق في عمله، وأن ينفع مجتمعه، وأن يسهم بما يستطيع في رفع الظلم وإقامة الخير.

لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد: لا تجعل الرخاء ميزان الحق

قال تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ۝ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196–197] آل عمران: 196–197.

بعد أن قررت السورة أن الله لا يضيع عمل المؤمنين، تحذر من الاغترار بما قد يظهر عليه غير المؤمنين من سعة الحركة والمال والقوة.

فقد يرى الإنسان ازدهارًا دنيويًا عند من يخالفه في الإيمان، فيظن أن ذلك دليل على صحة اعتقاده أو رضا الله عن أعماله.

لكن القرآن يقرر أن متاع الدنيا ليس المعيار النهائي للحق والفوز.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نفهم الآية على أنها تدعونا إلى احتقار ما يحققه الآخرون من تقدم في العلم أو التنظيم أو العمران.

فقد ينجح مجتمع في بعض ميادين الدنيا لأنه أخذ بأسبابها، وقد يقصر مجتمع مسلم فيها لأنه أهمل تلك الأسباب.

والواجب أن نتعلم ما ينفعنا من الخبرات والعلوم، وأن نفرق بين صحة الوسائل النافعة وبين صحة المعتقدات والأخلاق.

فالتقدم المادي لا يجعل الظلم عدلًا، كما أن صحة الإيمان لا تجعل الجهل فضيلة أو التقصير في العمل أمرًا محمودًا.

ثم يقول تعالى:

﴿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198] آل عمران: 198.

فتعود السورة إلى ميزان المآل.

فقد تتفاوت أحوال الناس في الدنيا، لكن الجزاء الكامل عند الله، ولا يجوز أن يجعل الإنسان ما يراه من رخاء أو شدة حكمًا نهائيًا على منزلته عند ربه.

وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله: العدل الذي لا تغلبه الخصومة

قال تعالى:

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199] آل عمران: 199.

قبل الآية الأخيرة من السورة، يعود القرآن مرة أخرى إلى أهل الكتاب.

وقد تناولت السورة منذ بدايتها ما وقع من اختلاف في شأن الوحي وعيسى عليه السلام، وما ظهر من كتمان الحق ولبسه بالباطل، لكنها لم تجعل ذلك سببًا للحكم على الجميع بحكم واحد.

فقد قالت في موضع سابق:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: 113].

والآن تختم هذا المسار بذكر من أهل الكتاب من آمن بالله، وبما أنزل على نبينا محمد ﷺ، وبما أنزل إليهم، وكان خاشعًا لله، لا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا.

وهنا تظهر دقة الميزان القرآني.

فالسورة لا تتنازل عن حقيقة الإيمان التي قررتها، لكنها تنصف من استجاب للحق، ولا تحمله وزر من أعرض عنه.

وهذا يعلمنا أن العدل لا ينبغي أن يكون موقفًا مؤقتًا نتخذه حين توافقنا الظروف، وإنما خُلقًا ثابتًا يحكم علاقتنا بالناس.

فقد نختلف مع آخرين في العقيدة أو السياسة أو المصالح، لكن ذلك لا يبيح لنا أن ننكر الخير الذي عندهم، أو أن ننسب إليهم جميعًا ما فعله بعضهم.

ومن هنا فإن الثبات على المبدأ والإنصاف مع الناس ليسا أمرين متعارضين؛ بل كل منهما يكمل الآخر.

اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله: الخاتمة التي تجمع منهج السورة

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200] آل عمران: 200.

تأتي هذه الآية لتجمع في كلمات قليلة ما بنته السورة على امتداد آياتها.

فبعد الحديث عن حق الوحي، وصدق الاتباع، وأمانة العلم، ووحدة الجماعة، والابتلاء، وأُحد، والتداول، والمحاسبة، واستعادة المبادرة، وتصحيح موازين الدنيا والآخرة، تأتي الوصية الجامعة.

﴿اصْبِرُوا﴾.

فالصبر أساس الثبات على الحق، وحفظ النفس من الانهيار عند الشدة، والاستمرار في الطاعة والعمل رغم ما يواجه الإنسان من مشقة.

وليس الصبر مجرد احتمال سلبي للألم، بل هو قدرة على الاستقامة، وضبط النفس، ومواصلة ما يجب فعله.

﴿وَصَابِرُوا﴾.

فالمصابرة تزيد على الصبر معنى الثبات في مواجهة ما يواجه المؤمن من تحديات ومغالبة، وألا يكون خصمه أقدر منه على الاحتمال والمداومة.

وهذا يحتاج إلى طول نفس، وحسن إعداد، وإدراك أن الأعمال الكبرى لا تتحقق دائمًا بنتائج سريعة.

﴿وَرَابِطُوا﴾.

والرباط يتضمن ملازمة مواقع الحراسة والاستعداد في مواجهة العدو، وهو من معاني اليقظة والثبات وحماية الجماعة.

ويستفاد من هذا المعنى كذلك أهمية الاستمرار في القيام بالمسؤوليات وحراسة ما تحقق من خير، دون أن نلغي الدلالة الأصلية للرباط في سياق الاستعداد والحماية.

فالأمة لا يكفيها أن تحقق إنجازًا ثم تهمله، أو أن تبني مؤسسة ثم تتركها للضعف والفساد، وإنما تحتاج إلى دوام الرعاية والإعداد.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 130، 200].

وهنا يأتي الضابط الذي يحكم ما قبله كله.

فالصبر والمصابرة والمرابطة ليست غايات منفصلة عن التقوى، وإنما ينبغي أن تكون وسائلها ومقاصدها منضبطة بأمر الله.

فلا يجوز أن تتحول القوة إلى ظلم، أو أن يصبح الثبات على موقف ذريعة للمكابرة في الخطأ، أو أن تستخدم المصابرة لتبرير الإضرار بالناس دون حق.

ثم تأتي الغاية:

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130، 200].

والفلاح أوسع من نجاح عابر في موقف أو مواجهة.

إنه ثمرة الإيمان والعمل الصالح، وما يترتب عليهما من خير في الدنيا، والنجاة والفوز عند الله في الآخرة.

وهكذا تختم السورة بما يربط الإيمان بالعمل، والصبر بالمسؤولية، والقوة بالتقوى، والنتائج بمآل الإنسان عند ربه.

ختامًا: ماذا تريد سورة آل عمران أن تغير فينا؟

حين نعود إلى مطلع السورة، نجدها قد بدأت بقوله تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2].

ثم قررت أن الله أنزل الكتاب بالحق.

وحين نصل إلى ختامها، نجدها تأمر المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى.

وبين البداية والنهاية تتكشف رحلة متكاملة في بناء الإنسان والأمة.

فالسورة تبدأ بتصحيح مصدر الهداية، ثم تبين كيف يتعامل الإنسان مع الوحي، وتحذره من اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة، ومن كتمان الحق أو تحريفه.

ثم تعرض نماذج من الاصطفاء والطاعة في قصة آل عمران ومريم وعيسى عليهم السلام، لتقرر أن أعظم منازل البشر لا تخرجهم عن العبودية لله.

ثم تنتقل إلى أمانة العلم والعهد، وإلى بناء الجماعة المؤمنة على الاعتصام والإصلاح والإنصاف.

وحين تصل إلى أُحد، تنقل هذه المعاني من دائرة البيان إلى ميدان الامتحان.

فهناك نرى أن صدق القضية لا يغني عن صحة الأداء، وأن وجود نبينا محمد ﷺ بين المؤمنين لم يمنع وقوع آثار التنازع والعصيان.

ونرى كذلك أن الخطأ لا ينبغي أن يقود إلى اليأس، وأن المحاسبة لا تعني جلد الذات، وأن العفو لا يعني إلغاء المسؤولية.

ثم تعلمنا السورة أن القرح لا يلغي الأمل، وأن التداول لا يمنحنا حق تحديد مواعيد النصر، وأن استعادة المبادرة تحتاج إلى عمل، وأن الخوف من الخصم لا ينبغي أن يتحول إلى عبودية لقوته.

وأخيرًا، تعيدنا إلى حقيقة الموت والجزاء، وإلى التفكر في خلق السماوات والأرض، ثم إلى دعاء المؤمنين الذي جاء جوابه مقرونًا بالعمل:

﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 195].

وهنا يكتمل الخيط الناظم:

من حق الوحي إلى صدق الاستجابة؛ ومن معرفة الله إلى طاعته؛ ومن إعلان الإيمان إلى الوفاء بمقتضاه في النفس والمجتمع والدولة.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نخرج به من هذه السورة ليس فقط: ماذا تعلمنا من آل عمران؟

بل: ما الذي ينبغي أن يتغير فينا بعد أن تعلمنا؟

هل أصبحنا أكثر صدقًا في طلب الحق، وأشد أمانة في نقله؟

هل تعلمنا أن نراجع أخطاءنا دون أن نفقد ثقتنا بالله؟

هل أدركنا أن وحدة الصف تحتاج إلى عدل وشورى، وأن قوة الأمة تحتاج إلى علم وإعداد وانضباط؟

هل تحررنا من الاغترار بالقوة حين نملكها، ومن الاستسلام للخوف حين نواجهها؟

وهل تحول دعاؤنا إلى دافع للعمل، أم أصبح أحيانًا بديلًا عما نستطيع فعله؟

إن سورة آل عمران لا تربي المؤمن على الاكتفاء بأنه يعرف الحق أو ينتسب إلى أهله، وإنما تدعوه إلى أن يصدق هذا الحق في حياته.

فمن عرف أن الله هو الحي القيوم لم يجعل قلبه أسيرًا لقوة زائلة.

ومن علم أن الكتاب نزل بالحق لم يجعله تابعًا لهواه.

ومن أحب الله صدق محبته بالاتباع.

ومن حمل رسالة عظيمة أدرك أن شرفها يضاعف مسؤوليته.

ومن أصابه القرح لم يستسلم للوهن، بل راجع نفسه، وأصلح ما استطاع، واستأنف الطريق.

ومن دعا الله بالنصر والرحمة لم يترك ما عليه من عمل.

وهكذا يكون الفلاح الذي ختمت به السورة ثمرة لمسيرة كاملة من الإيمان والتقوى والصبر والعمل.

نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور بصائرنا، وميزان أعمالنا، وأن يرزقنا صدق الإيمان وحسن الاستجابة، وأن يعيننا على إصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، والثبات على الحق في السراء والضراء.

والحمد لله رب العالمين.

شارك المقال