اختبار الأخوّة يظهر حقيقةً حين تتعارض المصالح مع المبادئ، والواجب ألا تكون المنافع الاقتصادية مبرراً للتفريط في الحقوق أو الإعانة على الظلم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
بهذه الآية يضع القرآن ميزانًا للعلاقات بين الأفراد والدول؛ فليس كل تعاون محمودًا لأنه يحقق منفعة، ولا كل مصلحة تبرر تجاوز الحق.
ومن هنا نسأل: ما قيمة الأخوّة التي نعلنها إن لم تظهر في حماية الحقوق ونصرة المظلوم حين تكون للنصرة كلفة؟
لقد أعادت الأنباء عن قيود على الحجاب في بعض المؤسسات التعليمية بأذربيجان هذا السؤال إلى الواجهة.
وأذربيجان دولة ذات أغلبية مسلمة، وليست بلدًا غربيًا نناقش فيه اختلاف الخلفيات الدينية والثقافية. فكيف تُوضع فتاة مسلمة أمام الاختيار بين حجابها وتعليمها؟ وكيف يصبح التزامها الديني سببًا لإقصائها؟
وإذا كانت قضية الحجاب تثير هذا السؤال في الداخل، فإن العلاقات الخارجية تطرح سؤالًا آخر.
فأذربيجان ترتبط بعلاقات اقتصادية مع الاحتلال الصهيوني، ومن أبرزها صادرات النفط التي تصل إليه عبر ميناء جيهان التركي، في وقت يعاني فيه الشعب الفلسطيني آثار العدوان والاحتلال.
وهنا يحضر التحذير الإلهي:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
وليس كل تعامل اقتصادي ركونًا محرمًا، لكن المصالح لا ينبغي أن تكون ستارًا يحجب السؤال عن التعاون الذي يسهم في تمكين العدوان.
وهنا تبرز مسؤولية الحليف تجاه حليفه.
لقد وقفت تركيا إلى جانب أذربيجان في حرب قره باغ، وقدمت لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا مؤثرًا، وتربط البلدين اليوم علاقة تحالف وثيقة.
فالحليف الذي يقف إلى جانب حليفه ليحفظ أرضه، يستطيع كذلك أن يذكّره بحقوق الناس ومقتضيات العدل.
ولتركيا تجربة تاريخية مع القيود على الحجاب، وقد تجاوزتها، كما أن لها مواقف مشرفة في مساندة قضايا المسلمين والمظلومين في البوسنة والشيشان وسوريا وفلسطين.
واستحضار هذه المواقف ليس مجرد ثناء على الماضي، بل تذكير بما تتيحه العلاقات الوثيقة من فرص للتأثير في الحاضر.
وقد يقول قائل: وماذا عن المصالح الاقتصادية، وما قد يترتب على المواقف المبدئية من خسائر؟
هنا يأتي الجواب القرآني:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 28].
لقد خشي المسلمون على تجارتهم وأرزاقهم بعد منع المشركين من قربان المسجد الحرام، فجاء القرآن ليعلمهم ألا يجعلوا الخوف من الفقر سببًا لمخالفة أمر الله.
فلا تجعل خوفك من خسارة مصلحة اقتصادية سببًا للتفريط في حق، أو للإعانة على ظلم.
وليس في الآية وعد بأن كل موقف مبدئي سيعقبه ربح عاجل؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: 28؛ هود: 33]، لكنها تعلمنا ألا نجعل الخوف على الرزق حاكمًا على المبادئ.
وهنا نستحضر موقف السلطان عبد الحميد الثاني الذي قاوم المطامع السياسية الصهيونية في فلسطين رغم الأزمات المالية والسياسية التي واجهت الدولة العثمانية.
وفي المقابل، تعاونت قيادة الثورة العربية الكبرى لاحقًا مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، على أساس وعود بالاستقلال، ثم انتهت الحرب إلى الانتداب البريطاني على فلسطين، وما ترتب عليه من تمكين المشروع الصهيوني.
ومع اختلاف الظروف، يبقى الدرس حاضرًا:
التاريخ لا يحفظ ما ربحته الدول فحسب، بل يحفظ أيضًا ما صانته أو فرّطت فيه من حقوق ومبادئ.
والمطلوب اليوم واضح: حماية حق الفتيات في الحجاب والتعليم، واستخدام علاقات التحالف لرفع المظالم، ومراجعة التعاون الاقتصادي الذي يثبت إسهامه في تمكين العدوان، والبحث عن بدائل تحفظ الحقوق.
ختامًا
إن الأخوّة ليست مجرد شعارات، وإنما مسؤولية تظهر حين يحتاج الحليف إلى كلمة حق، وحين يحتاج المظلوم إلى موقف عملي.
والمبادئ لا تُختبر حين تكون بلا ثمن، بل حين تتعارض مع المصالح.
فهل نزن مصالحنا بميزان الحق، أم أصبحنا نزن الحق بميزان مصالحنا؟