صرخة الأسيرات المظلومات تضع ضمير الأمة وقدراتها أمام اختبار حقيقي ينقل مشاعر الألم والغضب إلى نصرة عملية وبذل مستطاع لفكاك قيد المستضعفين.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
قال الله تعالى:
سؤال قرآني قصير، لكنه يهز الضمير.
لم يسأل المستضعفين: لماذا ضعفتم؟
ولم يسأل الأسير: لماذا لم تفك قيدك؟
إنما التفت إلى القادرين من حولهم:
خرج إلينا من سجون الاحتلال مشهد أليم؛ ثلاث أسيرات فلسطينيات يقف أمامهن وزير الأمن القومي الصهيوني بن غفير، فتضطر إحداهن إلى الشكوى من ظروف تمس أبسط حاجات المرأة وخصوصيتها وكرامتها.
والعار هنا ليس على الأسيرة.
هي المظلومة المستضعفة.
إنما العار على من وضعها في هذا الموقف، والسؤال يمتد إلى من يسمع استغاثتها ويملك شيئًا من النصرة.
فالأسيرة لا تملك مفتاح زنزانتها، والأسير لا يملك قرار إطلاقه.
لكن الأمة ليست كلها خلف القضبان.
وهنا يعود السؤال:
أما قسوة العدو، فقد رأى العالم منها ما رأى من قتل وحصار وتجويع وهدم وإذلال، وما خرج من السجون من شهادات عن صنوف من سوء المعاملة والانتهاكات.
لكن السؤال الذي يخصنا ليس فقط:
ماذا يفعل العدو؟
بل:
ماذا تفعل الأمة؟
أمة تملك من الأموال والثروات والطاقات والمؤسسات والمنابر والعلاقات وأوراق القوة الشيء الكثير.
فالقضية ليست فقط ماذا نملك، بل:
ماذا فعلنا بما نملك؟
والقرآن حين وصف المستضعفين لم يجعلهم أرقامًا:
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75، 98].
ثم نقل إلينا دعاءهم:
إنهم لا يطلبون مجرد من يتألم لهم.
إنهم يطلبون:
وليًّا… ونصيرًا.
وهنا الفرق بين التعاطف والنصرة.
فقد نتألم للمظلوم ثم نعود إلى حياتنا، أما النصرة فتسأل:
ماذا أستطيع أن أفعل؟
ولهذا جاء الهدي النبوي واضحًا:
«فُكُّوا العَانِيَ».
أي: الأسير.
كلمتان تنقلان الأسير من دائرة المشاعر إلى دائرة المسؤولية.
فالأسير ليس صورة نبكي عليها، ولا رقمًا نضيفه إلى إحصائية.
إنه إنسان ينتظر الفكاك.
وفي المقابل، وضع القرآن ميزانًا لأخلاقنا نحن مع الأسير:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الانسان: 8].
وقال تعالى:
فنحن لا نستمد أخلاقنا من أخلاق عدونا.
وإذا كان القرآن يعلمنا ألا تسلب العداوةُ الأسيرَ الذي بأيدينا إنسانيته، فكيف تسقط مسؤوليتنا عن أسيرنا حين يصبح في يد عدونا؟
أسير عدوك إذا صار في يدك لا تسقط إنسانيته، وأسيرك إذا صار في يد عدوك لا تسقط مسؤوليته من عنقك.
ولهذا لا ينبغي أن نخجل من غضبنا.
إذا لم يغضب فينا شيء حين تُهان امرأة مستضعفة خلف القضبان، فمتى نغضب؟
لكن السؤال الأهم:
ماذا صنع غضبنا؟
فالغضب الذي ينتهي بانتهاء الصورة لا يفك قيد أسير.
أما الغضب الصادق فيبحث عن باب للنصرة: موقف، وكلمة حق، وبذل، وضغط سياسي وقانوني وحقوقي، وإعلام يبقي القضية حية، وكل عمل مشروع مستطاع لرفع الظلم وفكاك الأسير.
ليس مطلوبًا من كل واحد منا الشيء نفسه، لكن الخطر أن يقنع كل واحد منا نفسه بأنه لا يستطيع شيئًا.
ثم إن السؤال لم يعد فقط:
ماذا قدمنا للمستضعفين؟
بل أصبح أشد إيلامًا:
ماذا حُرموا منه، وماذا يقدم بعضنا لمن يظلمهم؟
فمن أقسى مفارقات واقعنا أن يُحرم المستضعفون من أبسط مقومات الحياة؛ من الماء والغذاء والدواء والمأوى، بينما تبقى أبواب من المصالح والتجارة والعلاقات والإمداد مفتوحة مع الجهة التي تحاصرهم وتعتقل أبناءهم ونساءهم.
قال تعالى:
فإذا عجزنا عن رفع الظلم كله، فلا أقل من ألا نكون جزءًا من أسبابه.
وإذا لم نستطع فتح كل أبواب الفرج، فلا أقل من ألا نغلق أبواب الماء والغذاء والدواء عن مستضعف.
وإذا لم نستطع فك كل قيد، فلا أقل من ألا يصل من مقدراتنا ما يقوي اليد التي تشد ذلك القيد.
هذه ليست بطولة؛ إنها الحد الأدنى من الدين والمروءة.
فالأمة التي لا تستطيع كل شيء لا تُعفى من كل شيء.
وبين «كل شيء» و«لا شيء» مساحات واسعة من النصرة.
ما أقل ما نستطيع؟ وهل فعلناه؟
ولعل من أخطر ما يمكن أن يصيبنا أن نعتاد.
في المرة الأولى تهتز القلوب، ثم تتكرر الصورة، ثم تصبح خبرًا، ثم رقمًا، ثم نمر عليها ونحن نقلب شاشة الهاتف.
حتى يستمر الأسر…
ويموت فينا الشعور بالأسرى.
فالأسيرة معذورة بعجزها.
والأسير معذور بقيده.
والمستضعف قد لا يملك إلا أن يقول:
﴿رَبَّنَا… وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
أما القادر، فيبقى السؤال متعلقًا بقدر استطاعته.
فليس العار على الأسيرة التي اضطرت إلى الشكوى.
العار أن تصبح شكواها مألوفة في أمة تملك الكثير، ثم يقنع كل طرف فيها نفسه بأن المسؤولية تقع على غيره.
ستختفي الصورة من الشاشات، وسيأتي خبر آخر، وقد تُنسى أسماء السجانين يومًا.
لكن سؤال القرآن لن يختفي:
حين كان بينكم مستضعفون من الرجال والنساء والولدان…
ماذا استطعتم؟
وماذا فعلتم بما استطعتم؟
ليس السؤال فقط:
هل غضبتم؟
بل:
ماذا صنع غضبكم؟
وليس: كم تألمتم؟
بل:
إلى ماذا تحول ألمكم؟
فالأسير لا يحتاج منا أن نحزن عليه فقط.
إنه ينتظر الفكاك.
اللهم فك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، واحفظ أعراضهم وكرامتهم، واجعل لهم من لدنك وليًا، واجعل لهم من لدنك نصيرًا، واستعملنا في نصرة المظلوم، ولا تجعلنا ممن اعتادوا رؤية الظلم حتى مات فيهم إنكاره.
والحمد لله رب العالمين.