وهم القدرة يتصاعد مع بلوغ القوة المادية ذروتها، لتتدخل سنة التداول الإلهية مؤذنةً بأفول الطغيان وفتح طريق الاستخلاف العادل لمن يحمل أمانته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 24] قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].
الآية في سياقها تضرب مثلًا للحياة الدنيا وسرعة زوال زخرفها، لكنها تفتح للمتفكر نافذة على سنة تتكرر في حياة الناس والأمم والحضارات. والعجيب أن الأمر لا يأتي والأرض يابسة تحتضر، بل بعدما تبلغ زينتها: ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: 24]. اكتمل المشهد، واجتمعت الأسباب، وبدا لأهلها أن الأمر صار في أيديهم. ثم ينتقل القرآن من زخرف الأرض إلى ما هو أخطر: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 24]. هنا موضع الداء. ليست القوة هي المشكلة، وإنما أن تنسي القوة صاحبها حدودها. أن يتحول السؤال من: هل يحق لي أن أفعل؟ إلى: هل أستطيع أن أفعل؟ فإذا استطاع فعل، وكأن القدرة هي التي تصنع الحق. وهذا مرض قديم. قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15].
لم ينكر القرآن قوتهم، وإنما ذكّرهم بالقوة التي نسوها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. وقال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. ثم بلغ به الاستعلاء أن قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا… فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾ [غافر: 36–37]. تتغير الوجوه والأسلحة والإمبراطوريات، ويبقى المرض نفسه: أملك، إذن أقدر، وإذا كنت أقدر فمن يمنعني؟ ولذلك لم يقص الله علينا خبر عاد وفرعون لنقرأ تاريخ موتى، بل لنعرف الطريق إذا سلكه الأحياء.
عاد بثياب العصر
لقد بلغ الإنسان اليوم من أسباب القوة مبلغًا هائلًا: سلاح نووي، وصواريخ، وأقمار صناعية، وتقنيات مراقبة، واقتصادات ضخمة، وآلات عسكرية تستطيع أن تضرب من وراء القارات.
وقد تحدث رئيس أكبر قوة عسكرية في العالم عن امتلاك ترسانة نووية تكفي لتدمير العالم خمسين مرة، بل أكثر. لا نحتاج إلى تفتيش النيات؛ تكفينا صورة القوة التي بلغها الإنسان. ثم ننظر إلى الأرض. احتلال صهيوني يمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا هائلًا، وتسانده الولايات المتحدة بالسلاح والمال والغطاء السياسي، ثم تُعمل هذه القوة في أهل غزة قتلًا وتجويعًا وحصارًا وتهجيرًا وتدميرًا. وحين يستطيع صاحب القوة أن يضرب بالقوانين والقرارات الدولية عرض الحائط لأنه يظن أن أحدًا لا يستطيع منعه، يعود السؤال القديم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]؟ ويأتي الجواب الذي لا يشيخ: ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. وقد بلغ خطاب الغرور حدًّا نُقل معه عن رئيس حكومة الاحتلال قوله بمعنى أنه سينتصر على أعدائه ولو كان الله يقاتل إلى جانبهم.
ولكن السلوك أبلغ من الكلام. فحين يتصرف صاحب القوة وكأن تفوقه يمنحه الحق في أن يفعل ما يشاء، يعود المرض نفسه: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 24].
حين يكتمل وهم القدرة
ثم تأتي أخطر لحظة: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ [يونس: 24]. تأمل قرب الجملتين: ظن القدرة… ثم مجيء الأمر. لا يعني ذلك أن كل قوة تبلغ ذروتها تسقط غدًا، ولا أن لنا أن نضع جدولًا زمنيًا لسنن الله. لكنه يعني أن اكتمال أسباب القوة ليس ضمانًا للبقاء.
وحين يقترن الزخرف بالغرور، والغرور بالاستعلاء، والاستعلاء بالظلم؛ فإن المتفكر يرى أمارات عرف نظائرها في مصارع الأمم. وهنا نفرق بين أمرين: معرفة الاتجاه، ومعرفة الموعد. نحن لا نعرف الساعة، لكن عدم معرفتنا بالساعة لا يعني أن نعجز عن قراءة عقاربها.
فلماذا قص الله علينا أخبار عاد وفرعون وثمود، وأمرنا أن نسير في الأرض فننظر كيف كانت عاقبة الذين من قبلنا؟ لنتعلم قراءة السنن.
الإمهال ليس إهمالًا
وقد يطول الطغيان، ويزداد صاحبه مالًا وسلاحًا وحلفاء، فيظن الناس أن طول بقائه دليل نجاته. لكن الله يقول: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 178]. فالإمهال ليس إهمالًا. وطول الحبل ليس نجاة. وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. ثم تأمل خاتمة المشهد: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24].
كأن لم تغن بالأمس! أين عاد؟ وأين فرعون؟ وأين إمبراطوريات كانت الشعوب لا تتخيل عالمًا من دونها؟ ذهب أصحابها، وتغيرت الخرائط، وبقيت السنة. لكن التاريخ لا يتوقف عند الحصيد. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. هذه سنة أخرى. لا تستقر الأيام لأحد. قوة تصعد وأخرى تهبط. أمة تضعف ثم تنهض. وحضارة تقود ثم تدور الدورة. ولهذا تحمي سنة التداول المؤمن من مرضين: الغرور حين تكون القوة معه، واليأس حين تكون القوة مع عدوه.
فمن ظن أن قوته ستبقى له إلى الأبد لم يفهم التداول. ومن ظن أن ضعف الأمة اليوم قدر أبدي لم يفهم التداول كذلك. وحين ننظر إلى عالمنا اليوم؛ إلى اضطراب موازينه، وانكشاف كثير من شعاراته أمام امتحان الدم والعدل، وتصاعد الصراع، وبلوغ الغرور بالقوة هذه الدرجة؛ فإننا نرى إرهاصات تحول تاريخي كبير. لا نحدد سنة. ولا نزعم معرفة ساعة. لكن الفرق كبير بين ادعاء علم الغيب وبين قراءة سنن الله في التاريخ.
من التداول إلى الاستخلاف
غير أن كل تداول ليس استخلافًا. قد يذهب ظالم ويأتي ظالم. وقد تسقط قوة لتقوم أخرى أشد بطشًا. ولهذا يعطينا القرآن مفهومًا أكبر من انتقال القوة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ… وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]. إنه وعد. لكن له شروط: ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: 4، 9]. وله غاية: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾. فالاستخلاف ليس أن يتغير اسم صاحب السلاح ويبقى قانون الغاب. لسنا ننتظر تبديل السادة، بل تبديل الميزان. أن تصبح القوة حارسة للحق لا صانعة له. والسلطان أداة لإقامة العدل لا لاستعباد الخلق. فإذا عادت الأمة إلى موقع القيادة، فلا معنى لذلك إن أعادت إنتاج الظلم نفسه بأسماء أخرى.
المرحلة القائمة ليست خاتمة التاريخ
وهنا تأتي بشارات نبينا محمد ﷺ. أخبر ﷺ عن أطوار تمر بها الأمة: نبوة، ثم خلافة على منهاج النبوة، ثم ملك عاض، ثم ملك جبري، ثم تعود خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت. فلم يجعل الملك الجبري خاتمة التاريخ.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]. وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55]. فهذه الأمة لم تصل إلى خاتمة قصتها بعد. وإذا كانت سنة التداول تخبرنا أن القوة لا تستقر في يد أحد، فإن بشارات نبينا محمد ﷺ تخبرنا أن للأمة دورة قادمة: خلافة على منهاج النبوة، ثم يبلغ ملك أمته ما زُوي له من الأرض. إنها ليست عودة لتستبدل طغيانًا بطغيان، ولا لتقيم شريعة الغاب باسم جديد؛ وإنما عودة إلى المنهاج الذي بدأ به نبينا محمد ﷺ: عبادة الله، وإقامة العدل، وحفظ الحقوق، وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين. فدورة الإسلام في قيادة البشرية قادمة بإذن الله؛ لا لتنتقم من العالم، بل لتقيم فيه الميزان الذي اختل، والعدل الذي غاب، والرحمة التي افتقدها الإنسان حين أصبحت القوة هي التي تقرر من يعيش ومن يموت. وللأرض المقدسة حضورها في هذه البشارة؛ فقد قال نبينا محمد ﷺ لعبد الله بن حوالة: «إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة…».
وكأن الأرض التي كانت في قلب تاريخ النبوات تظل حاضرة في مشهد التحولات الكبرى لهذه الأمة. وحين نجمع هذه البشارات إلى سنة التداول، ووعد الاستخلاف، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، ندرك أن ما نراه اليوم ليس نهاية التاريخ. نحن لا نحدد ساعة التحول، لكننا نقرأ إرهاصاته. ونستبشر بالقرب، ولا نحدد الموعد. فالملك الجبري ليس خاتمة الطريق، والطغيان ليس قدر البشرية الأبدي، ودورة الإسلام في قيادة البشرية ليست أمنية بلا أصل؛ فقد بشّر نبينا محمد ﷺ بخلافة على منهاج النبوة، وأخبر أن ملك أمته سيبلغ ما زُوي له من الأرض.
السؤال ليس عنهم وحدهم
وهنا يأتي الجزء الأصعب. من السهل أن نقرأ الآيات ونحن ننتظر سقوط الطغاة. لكن القرآن يريد أن يبنينا نحن.
فوعد الاستخلاف لم يقل: وعد الله المسلمين ليستخلفنهم. بل قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: 55]. ولذلك فالسؤال ليس فقط: هل اقترب وعد الله؟ بل: هل اقتربنا نحن من شروط وعد الله؟ هل أصلحنا ما بيننا وبين الله؟ هل أقمنا العدل بيننا؟ هل أخذنا بأسباب العلم والقوة؟ هل تجاوزنا أسباب الفرقة؟ هل أعددنا الإنسان القادر على حمل الأمانة؟ فالاستخلاف ليس مكافأة على الانتساب. إنه أمانة تحتاج أهلًا لها.
ختامًا
قال الله في نهاية آية الزخرف: ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]. فالناس جميعًا يرون الأحداث، لكن ليس كل من رأى الحدث رأى السنة. نرى السلاح والمال والتحالفات والتقنية، ولا ننكر شيئًا من ميزان القوة المادي. لكننا لا نؤلّه الواقع. نرى فوق ذلك كله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]. ونرى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
ونرى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]. لسنا نعرف اليوم الذي تسقط فيه قوة، ولا الساعة التي تبدأ فيها مرحلة جديدة. لكننا نعرف الطريق حين نراه: زخرف… ثم وهم بالقدرة… ثم غرور… ثم طغيان… ثم إمهال… ثم أخذ. ولا ينتهي التاريخ هناك: أخذ… فتداول… واستخلاف لمن استوفى شروطه. ولهذا تحمل آية يونس للطغاة رسالة: لا تغتروا بزخرفكم. وتحمل للمستضعفين رسالة: لا تيأسوا من زخرفهم. فكم من قوة ملأت الدنيا، ثم أصبحت: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24].
فالملك ملكه. والأرض أرضه. والأيام يداولها بين الناس. والوعد وعده. ونحن نستبشر من خلال ما نراه من سنن وإرهاصات بأن البشرية على أبواب تحول كبير، وأن للأمة موعدًا مع دورة جديدة تحمل فيها رسالة الإسلام إلى العالم بالعدل والرحمة، تصديقًا لبشارات نبينا محمد ﷺ: خلافة على منهاج النبوة، ثم يبلغ ملك أمته ما زُوي له من الأرض. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا أكثر من سؤال: متى ينتهي زمن الطغيان؟ إذا كنا نرى إرهاصات دورة جديدة… فهل أصبحنا نحن أهلًا لحملها؟ ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 6].