انتظار الفرج يعلّمنا كيف نسير في طريق الابتلاء واثقين بصاحب الوعد، بدلاً من استنزاف الرجاء في التفتيش عن علامات النهاية ومواقيتها المجهولة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
من أشد ما في البلاء أن الإنسان لا يعرف متى ينتهي.
قد يحتمل الألم، لكنه يتعب من السؤال: كم بقي منه؟
ومن هنا قد يبدأ القلب بالبحث عن علامات قرب الفرج: سكينة بعد دعاء، أو رؤيا تسره، أو كلمة توافق حاله، أو اشتداد في المحنة فيقول: لعلها بلغت نهايتها.
لكن القرآن لا يعلّمنا كيف نستخرج موعد الفرج من علامات الطريق، وإنما يعلّمنا كيف نسير في الطريق ونحن لا نعرف الموعد.
قال تعالى:
تأمل السؤال والجواب:
﴿متى﴾… ﴿قريب﴾.
السؤال يطلب زمنًا، لكن الجواب لم يعط يومًا ولا شهرًا ولا عامًا، وإنما أعطى القلب ما يحتاج إليه ليستقيم:
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
وكأن القرآن ينقلنا من الانشغال بتوقيت الوعد إلى الثقة بصاحب الوعد.
يعقوب… حين اشتد الفقد واتسع الرجاء
ومن أبدع مشاهد القرآن في فقه الانتظار قصة يعقوب عليه السلام.
حين جاءه أبناؤه أول مرة بخبر فقد يوسف قال:
ثم مضت السنوات، وجاء البلاء مرة أخرى.
بقي أخو يوسف في مصر، وامتنع الابن الأكبر عن العودة، فإذا بالفقد يتضاعف.
وعاد الأبناء إلى أبيهم، فقال الكلمات نفسها تقريبًا:
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18، 83].
لكن تأمل الفاصلة هذه المرة:
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 83].
في الأولى:
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18].
وفي الثانية:
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 83].
اشتد الفقد، لكن الرجاء لم يضق.
بل تأمل كلمة:
﴿جميعًا﴾.
يوسف غائب منذ سنوات، وأخوه بقي في مصر، والثالث امتنع عن العودة، فإذا بيعقوب لا يقول: عسى الله أن يعيد أحدهم، وإنما:
﴿أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 83].
لكن القرآن لا يجعل ذلك قانونًا زمنيًا يقول: كلما اشتد البلاء صار الفرج على بعد أيام.
وإنما يعلمنا معنى أدق:
لا تجعل اشتداد البلاء يضيّق رجاءك بالله.
والأدق من ذلك كلمة:
﴿عسى﴾.
فرجاء يعقوب عظيم، لكنه لم يتحول إلى ادعاء بمعرفة الغيب.
رجاء واسع، وأدب مع ما لم يعلمه من أمر الله.
ثم ردَّ الأمر إلى اسمين عظيمين:
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 83، 100].
فما لا أعلمه يعلمه الله، وما لا أدرك حكمته يجريه الحكيم.
﴿اذهبوا فتحسسوا﴾ [يوسف: 87]… الرجاء ليس انتظارًا ساكنًا
ولم يكن هذا الرجاء قعودًا.
فبعد قوله:
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 83]
قال:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
وهنا منهج كامل:
﴿اذهبوا﴾: تحركوا.
﴿فتحسسوا﴾: ابحثوا وخذوا بالأسباب.
﴿ولا تيأسوا﴾ [يوسف: 87]: لا تجعلوا تأخر النتيجة يوقف الرجاء.
﴿من روح الله﴾ [يوسف: 87]: لأن القلب متعلق بالله وإن كانت الجوارح تعمل بالأسباب.
يعقوب عليه السلام لم يكن يعرف موعد عودة يوسف، لكنه كان يعرف ما ينبغي فعله وهو لا يعرف الموعد.
وهنا فارق دقيق:
قد لا نملك أن نقول للمبتلى: متى يأتي الفرج؟
لكننا نستطيع أن نقول له بما قال القرآن:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
فالقرآن يسحب من أيدينا موعد الفرج، لكنه لا يسحب من قلوبنا حق الرجاء.
هناك موعد… لكن معرفته ليست لنا
قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: 59].
تأمل:
﴿موعدًا﴾.
فالأحداث ليست سائبة، والتأخير ليس دليلًا على أن الأمر خارج التقدير.
وقال تعالى:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
فالفرق كبير بين أن نؤمن بأن لله موعدًا، وبين أن نزعم أننا نعرف الموعد.
ولهذا لا ينبغي أن نحول مشاعرنا إلى أدوات لقراءة الغيب.
قد يمنّ الله علينا بسكينة بعد الدعاء؛ فنأخذ من السكينة سكينتها.
وقد نرى رؤيا صالحة تسرنا؛ فنستبشر.
وقد تفتح أسباب واقعية؛ فنأخذ بها.
وقد تشتد المحنة؛ فنصبر ونستعين.
لكن لا نحمل شيئًا من ذلك ما لا يدل عليه.
خذ من السكينة سكينتها، ومن البشارة بشارتها، ومن السبب سببه، ولا تأخذ منها علم الغيب.
طول البلاء لا يعني غياب الفرج
وكما لا يصح أن نقول: اشتد البلاء، إذن الفرج غدًا؛ لا يصح أن نقول: طال البلاء، إذن لن يأتي الفرج.
زكريا عليه السلام يقول:
ضعفت الأسباب، وتقدم العمر، وكانت امرأته عاقرًا، ومع ذلك لم يجعل طول السنين حكمًا على قدرة الله.
وكذلك يوسف عليه السلام:
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42].
فليس كل تأخر حرمانًا، كما أننا لا نستطيع أن نجزم لكل مبتلى بأن وراء تأخره فرجًا دنيويًا بالصورة التي يريدها؛ فهذا أيضًا مما لا نعلم.
والميزان الأدق:
نحن لا نعلم لماذا تأخر الأمر، فلا نجعل جهلنا بالحكمة دليلًا على غيابها.
﴿فإن مع العسر يسرًا﴾ [الشرح: 5]
قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
أعطانا القرآن اليقين باليسر، لكنه لم يجعل هذا الوعد جدولًا نستخرج منه عدد الأيام الباقية.
وهنا تتحرر قلوبنا من مراقبة العلامات.
فبدل أن نسأل كل صباح:
متى يأتي الفرج؟
نسأل:
ماذا يريد الله منا اليوم حتى يأتي ما قدره؟
فنصبر.
ونستعين.
وندعو.
ونرجو.
ونأخذ بالأسباب.
ولا نيأس من روح الله.
ختامًا، ربما ليست أعظم تربية في زمن البلاء أن نعرف متى ينتهي، وإنما أن نتعلم كيف نبقى مع الله ونحن لا نعرف متى ينتهي.
فالرجاء لا يحتاج إلى معرفة الغيب حتى يبقى حيًا.
وحين بلغ البلاء بالمؤمنين أن قالوا:
﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]
لم يعطهم القرآن تاريخًا.
وإنما أعطاهم ما يكفي القلب:
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
قريب بوعد الله، أما موعده فعلمه عند الله.
فالقرآن لا يعلّمنا كيف نستخرج موعد الفرج من علامات الطريق؛ بل يعلّمنا كيف نسير في الطريق ونحن لا نعرف الموعد.