حساباتنا الضيقة تقيد رجاءنا في ظواهر الأسباب، بينما يعلمنا القرآن أن تدبير الله يفتح أبواب الفرج من طرق ومواعيد لا نحيط بها.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
قال الله تعالى:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 2-3].في هذه الآية ميزان كامل لعلاقة المؤمن بالأسباب:
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 3]؛ فلا نحصر الطريق فيما نراه.﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3]؛ فلا نجعل تعقيد الأسباب حاجزًا أمام رجائنا.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]؛ فلا نستعجل ما لا نحيط بتقديره وموعده.نحن نعيش داخل دائرة «المحتسب»: نحسب الأشخاص، والأموال، والأبواب، والظروف والمواعيد. وهذا من الأخذ بالأسباب.لكن الخلل يبدأ حين نعتقد أن ما لا يدخل في حسابنا لا يدخل في أبواب الفرج.
أم موسى… الوعد معلوم والطريق مجهول خافت أم موسى على رضيعها، فجاءها الأمر:﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ… إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7].
عرفت الوعد، ولم تعرف الطريق.ثم حمل الماء طفلها إلى بيت فرعون نفسه!
وبالحساب الظاهر، ازداد الأمر تعقيدًا.لكن جاء التدبير من حيث لم تحتسب:﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: 12].حتى انتهى المشهد:﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: 13].
بين:
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7]
و:﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ﴾ [القصص: 13]
طريق لم تعرفه أم موسى، ولكنه كان في تقدير الله.فليس علينا أن نعرف دائمًا كيف حتى نطمئن إلى الله.
العصا… والموعد وظلت العصا في يد موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾ [طه: 18].
ثم وقف أمام البحر، وفرعون وراءه، فقال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].
فقال:﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].
كانت العصا في يده، لكن موسى لم يعلم من نفسه متى يضرب بها ولا ماذا سيجري الله بها، حتى جاء الأمر:
﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63].
وهنا معنى دقيق:
قد تكون بعض أدوات التغيير موجودة، ولكن لكل شيء قدرًا وموعدًا.كانت العصا أداة عادية في حياة موسى، حتى جعل الله لها عند الموعد شأنًا آخر.وحين لا نفهم العلاقة بين السبب والنتيجة وفي قصة بقرة بني إسرائيل، قُتل قتيل واختلفوا فيه، فجاء الأمر بذبح بقرة، فقالوا:
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67].
ثم قال تعالى:﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]. لم تكن العلاقة بين السبب والنتيجة مما تهدي إليه الخبرة البشرية المعتادة، ومع ذلك ختمت الآية:
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73، 242].
فالوحي لا يلغي العقل، وإنما يعلّمه ألا يجعل المألوف حدًا لما يستطيع الله أن يفعله.ولهذا تتكرر في القرآن صور عجيبة:
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هود: 37].
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25].
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: 16].
فالعبد يقوم بما يستطيع وما أُمر به، ولا يحمل نفسه عبء النتيجة.الأسباب تخبرنا بما نستطيع أن نفعل، لا بما يستطيع الله أن يفعل.وهذا لا يعني انتظار الخوارق ولا ترك العمل.
بل العكس:
اعمل.
وخطط.
واستشر.
وابذل.
واطرق الأبواب.ولا تجعل إيمانك بما وراء الأسباب عذرًا لإهمال ما بين يديك منها.
لكن لا تجعل قلبك متعلقًا بسبب بعينه حتى تظن أن سقوطه سقوط للرجاء كله. وللأمم أيضًا موعد
وهذه السنة لا تقف عند الفرد.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: 59].
وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
قد يطول الظلم، وتتضخم القوة، وتميل الأسباب الظاهرة إلى المجرمين، فنستبطئ تغير الموازين. لكن تأخر الشيء في حسابنا لا يعني خروجه عن سنن الله.
ولا نملك أن نحدد لظالم بعينه موعدًا لم يعينه الله، لكن القرآن يعلمنا ألا نقرأ التاريخ من لحظة واحدة، وألا نظن أن امتداد الظلم يعني استقلاله عن حكم الله.فالطريق له تقديره، وللأمم آجالها، وللأحداث مواعيدها.
ختامًا
القرآن لا يطالبنا أن نعرف الطريق كله، ولا الكيف كله، ولا الموعد كله.
لكنه يبين لنا واجبنا:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: 2، 4–5].
ثم:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الطلاق: 3].
فنتقي، ونسعى، ونأخذ بالأسباب، ثم لا نجعل حدود حسابنا حدودًا لتدبير الله.أم موسى عرفت الوعد ولم تعرف الطريق.
وموسى حمل العصا قبل أن يأتي موعد البحر.وبنو إسرائيل أُمروا بسبب لم يدركوا وجه علاقته بالنتيجة.
والقرى الظالمة كان لمهلكها موعد.فإذا أُغلق باب، فلا نجعله نهاية الأبواب.
وإذا تأخر ما نرجوه، فلا نجعل تأخره دليلًا على ضياعه.وإذا تعقدت الأسباب، فلا نجعل تعقيدها حكمًا على ما يمكن أن يكون.نحن لا نعرف إلا ما نحتسب، والله يفتح من حيث لا نحتسب.