استدعاء الخلافات التاريخية والمذهبية يخدم أعداء الأمة بتفكيك صفها وإشعال معاركها الداخلية، ليصرف وعيها عن قضاياها الكبرى ونصرة مقدساتها في القدس وفلسطين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
ليست أخطر الحروب تلك التي يشنها عدوك عليك بسلاحه؛ أخطر منها أن يعرف أين جرحك القديم فيفتحه، وأين خلافك الخامد فيوقظه، ثم يتركك تكمل المعركة عنه.
كان الأوس والخزرج قد أنهكتهم حروب الجاهلية، ثم جاء الإسلام فألّف بين قلوبهم:
﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].
وفيما روي في السيرة، غاظ شاس بن قيس أن يرى الأوس والخزرج مجتمعين بعد عداوتهم، فأُثير بينهم ذكر يوم بُعاث ومفاخراته، حتى تحركت العصبية القديمة وكاد السلاح يعود إلى الأيدي.
شاس لم يصنع بُعاث… وإنما أعاد استدعاء بُعاث.
وهنا السنة:
العدو لا يحتاج دائمًا إلى أن يصنع خلافات الأمة من الصفر؛ يكفيه أن يجد خلافًا قديمًا أو جرحًا تاريخيًا، ثم ينفخ فيه حتى ينتقل من الذاكرة إلى الهوية، ومن الهوية إلى التنازع، فتكون النتيجة:
﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
عاد شاس اليوم، لكن بأدوات أكثر تطورًا: إعلام، ومنصات، وحسابات مجهولة، وجيوش إلكترونية، وأجهزة استخبارات.
لكن الأخطر من أدوات شاس أن يجد بيننا من يكمل مهمته عنه.
فكثير من صراعات واقعنا سياسية في أصلها: سلطة ونفوذ ومصالح وتحالفات، لكن حين يراد تعبئة الجماهير يُستدعى المذهب والقومية والتاريخ؛ فيتحول خلاف اليوم إلى معركة عمرها مئات السنين: سني وشيعي، وعربي وفارسي، وعربي وكردي…
وتُفتح قبور التاريخ ليقاتل بها أحياء الحاضر.
لكن الإسلام وضع فوق هذه الهويات كلها مظلة جامعة:
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78].
لم يمحُ فارسية سلمان، ولا أصل صهيب، ولا حبشة بلال، ولا قرشية علي؛ لكنه جمعهم تحت الإسلام.
فليس المطلوب إلغاء الاختلاف، وإنما ألا يتحول الاختلاف إلى تنازع، وألا تتحول هوياتنا إلى سكاكين يذبح بها بعضنا بعضًا.
وهنا تعظم مسؤولية حملة العلم وأصحاب المنابر.
فالأصل فيهم عند الفتن أن يكونوا جسورًا لا خنادق، ومطفئي حرائق لا حاملي حطب؛ يمنعون السياسة أن تستعمل الدين وقودًا لها، ولا يجعلون النصوص ذخيرة في معارك المصالح.
وهنا نسأل أنفسنا:
هل نبحث أحيانًا عن المواقف غير المكلفة؟
فعندما يكون الظلم صادرًا عن متنفذين يملكون السلطة والمال والنفوذ تخفت أصوات كثيرة، لكن عندما يكون الخصم مسلمًا يخالفنا في مذهب أو سياسة تنطلق الألسنة في كل اتجاه.
فلماذا تطول ألسنتنا حيث لا ثمن للكلمة، وتقصر حيث يكون للكلمة ثمن؟
وحامل العلم لا يُعرف فقط بما يقول، وإنما كذلك بمواضع قوله ومواضع صمته.
ثم تأتي فلسطين والقدس والأقصى لتختبر البوصلة.
فالقدس ليست خبرًا سياسيًا عابرًا، والأقصى ليس قطعة أرض نتعاطف معها من بعيد؛ بل مسجد ربطه الله بآية نتعبد بتلاوتها:
وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشد إليها الرحال.
فكيف تستقيم بوصلة أمة ترى الأقصى تحت الاحتلال، ويُضيَّق على المصلين في الوصول إليه، ويُهدَّد واقعه وهويته، ويواجه أهل القدس الاقتلاع والتضييق؛ ثم تستنزف طاقتها في معاركها الداخلية؟
وكيف نقرأ:
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]
ثم يصبح ما يجري حوله هامشيًا في وعينا؟
وفي غزة دفع شعب، ولا يزال يدفع، أثمانًا هائلة من دم أطفاله ونسائه ورجاله، ومن بيوته وأرضه وحياته، بعد عقود من الاحتلال والصراع والحصار.
فإذا كانت القدس مرتبطة بآية نتعبد الله بتلاوتها، وإذا كان الأقصى أحد المساجد الثلاثة التي تُشد إليها الرحال، وإذا كان شعب فلسطين يدفع هذه الأثمان من دمه وأرضه ووجوده عليها؛
فبأي ميزان تصبح معاركنا المذهبية والقومية أوسع في خطابنا من هذه القضية؟
لا يطلب منك العدل أن تتنازل عن قناعتك، ولا أن توافق من ناصر فلسطين في مذهبه أو سياسته؛ لكنه يمنعك أن يحجب خلافك مع أحد موقفه في نصرة المظلوم، كما يمنعك اتفاقك معه أن تبرر خطأه.
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فإن لم تستطع أن تقدم لإخوانك عونًا، فحسبك ألا تزيد صفهم ضعفًا.
وإن لم تستطع أن تكون سهمًا في صدر المعتدي، فلا تكن سهمًا إضافيًا في ظهر من يواجهه.
والقرآن والسنة لا يكتفيان بتشخيص المرض، بل يرسمان صورة الأمة.
قال نبينا محمد ﷺ:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
وقال ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد».
ثم قال الله عند المواجهة:
في المجتمع: جسد.
وفي الأخوة: بنيان.
وفي المواجهة: صف.
فالعدو يريد الأمة شظايا، والله يحبها عند المواجهة صفًا كأنها بنيان مرصوص.
ومع ذلك، لا يكفي أن نلوم شاسًا.
قد يشعل العدو الفتيل، لكننا نحن من يقرر هل نحمله أم نطفئه.
فلا تسأل فقط:
من أشعل النار؟
بل اسأل أيضًا:
من حملها؟
ومن نفخ فيها؟
ومن ألبسها لباس الدين؟
ومن أعطاها منبرًا؟
ومن ينتفع من بقائها مشتعلة؟
ختامًا
عاد شاس، لكنه قد يأتيك اليوم في هاتفك: خبر مبتور، ومقطع مجتزأ، وحساب مجهول، وخطاب مذهبي، أو عصبية قومية تستخرج لك جراح مئات السنين حتى تنسيك الجرح الذي ينزف أمامك اليوم.
فلا تسأل فقط:
من قال؟
بل اسأل:
إلى أين يريد أن يقودني؟
ثم تذكر:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].
فشاس يستطيع أن يشعل الفتيل، لكنه لا يستطيع أن يحرق البيت إلا إذا حمل أهل البيت النار بأيديهم.