سنن التنزيل
مقال

﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾… من ميزان الإنسان إلى عدالة المجتمع

  • 4 دقائق للقراءة
  • 10 آيات

عدالة المجتمع ثمرة لتراكم الموازين العادلة في ضمير الإنسان وبيته ومعاملاته، وبناء يتكامل بنظام يوثق الحقوق وقوة تحمي الميزان من اعتداء المعتدين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25].

تأمل هذا النسق القرآني:

كتاب… وميزان… وقسط… وحديد.

فالكتاب يهدي ويبيّن، والميزان يضبط الحقوق، والغاية أن ﴿يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ثم يأتي الحديد بما فيه من بأس شديد.

إنها هندسة متكاملة للعمران:

هداية تُعرِّف بالحق، وميزان يضبطه، وأناس يقومون به، وقوة تحميه من اعتداء المعتدي.

فالكتاب وحده لا يكفي إذا بقيت هدايته معرفة لا تتحول إلى واقع، ومعرفة الميزان لا تكفي إذا استطاع القوي أن يقلبه كلما خالف مصلحته، والقوة وحدها لا تصنع عدلًا؛ لأنها إذا انفصلت عن الكتاب والميزان قد تتحول هي نفسها إلى أداة للظلم.

ولعل من لطائف ترتيب الآية أن الحديد لم يسبق الكتاب والميزان.

فالقوة لا تحدد الحق، وإنما الحق هو الذي يضبط القوة.

ومن هنا يمكن أن نقول:

الميزان يحكم القوة، والقوة تحمي الميزان.

لكن أين يبدأ هذا البناء الكبير؟

يبدأ من الإنسان.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].

تأمل التقاء التعبيرين:

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]،

و﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

فالمجتمع الذي يقوم بالقسط يبدأ من أناس يقومون هم بالقسط.

وأول ميزان هو أصعبها:

﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].

من السهل أن نطالب بالعدل حين يكون الحق لنا، لكن الامتحان حين يكون الحق علينا.

هل نعترف بخطئنا؟

هل نرد ما ليس لنا؟

هل نقبل الميزان نفسه عندما تخالف نتيجته مصالحنا؟

فربما يبدأ المجتمع العادل من إنسان استطاع أن يقول لنفسه:

الحق أولى من مصلحتي.

ثم يدخل الميزان إلى البيت:

﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

فالأسرة أول عمران يعيشه الإنسان، وفيها يتعلم: هل الحق يتبع الميزان أم يتبع الأقوى؟

فالطفل الذي يرى الإنصاف بين إخوته يتعلم القسط قبل أن يعرف اسمه، والذي يرى أن صاحب السلطة في البيت لا يعترف بخطئه قد يتعلم ـ من حيث لا نشعر ـ أن المكانة تجعل صاحبها فوق الميزان.

ولذلك فإننا لا نبني المجتمع العادل في المحاكم والمؤسسات فقط؛ بل نبنيه في تفاصيل بيوتنا، وفي الحقوق بين الزوجين، والعدل بين الأبناء، واحترام الضعيف، والاعتراف بالخطأ.

فالبيت أول مدرسة للعدل.

ثم يخرج الميزان إلى من نختلف معه:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].

وهنا يرتفع الامتحان.

فالقرآن لا يطلب منا العدل مع من نحب فقط، بل يمنع الكراهية نفسها من أن تفسد الميزان.

قد نختلف مع إنسان، لكن اختلافنا لا يبيح لنا أن ننسب إليه ما لم يقل.

وقد نخاصمه، لكن الخصومة لا تجعل الباطل حقًا في حقه.

فالعدل الحقيقي لا يظهر فقط عند الرضا، بل يظهر أيضًا عند الغضب والخصومة.

ثم يدخل القسط إلى السوق:

﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9].

فالقسط يدخل في الثمن، والأجرة، والعقد، والدَّين، والعمل.

وهنا تكشف سورة المطففين خللًا عميقًا:

﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 2–3].

يريدون حقوقهم كاملة، لكنهم لا يعطون الناس مثل ما يريدون لأنفسهم.

وهذا التطفيف قد يتجاوز ميزان السلع إلى موازين حياتنا:

نطالب العامل بالإتقان؛ فهل نعطيه حقه؟

نطلب الوفاء؛ فهل نفي؟

نطلب الاحترام؛ فهل نحترم؟

نطالب الآخرين بالاعتراف بأخطائهم؛ فهل نعترف نحن؟

وهكذا يتبين أن اختلال المجتمع الكبير قد يبدأ من ميزان صغير اختل في النفس.

لكن القرآن لا يبني الضمير ثم يترك الحقوق معلقة على حسن النيات.

ففي أطول آية من كتاب الله يقول تعالى:

﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282].

وهنا لفتة حضارية بالغة الأهمية:

التقوى لا تلغي التوثيق، والثقة لا تلغي التنظيم.

نبني الإنسان الأمين، ونوثق الحقوق.

نربي الضمير، ونضع القواعد.

نحسن الظن، ولا نجعل حقوق الناس رهينة للأهواء.

وهنا تنتقل القيمة من الخُلُق إلى النظام.

فالعدل في النفس يصبح عدلًا في الحكم:

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

والأمانة تصبح أداءً للحقوق:

﴿أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].

وأمر الجماعة لا يكون قائمًا على انفراد الإنسان برأيه:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

فالمجتمع العادل يحتاج إلى إنسان يحمل الميزان، وبناء يحمي الميزان.

فالضمير العادل يقول:

لن أظلمك.

والنظام العادل يضيف:

لن يبقى حقك متعلقًا فقط بصلاح من يستطيع ظلمك.

وهنا نفهم موضع الحديد:

﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 25].

فالحق الذي لا تحميه قوة عادلة قد يطمع فيه المعتدي.

لكنها ليست قوة منفصلة عن الميزان؛ بل قوة جاءت في سياق الكتاب والميزان والقسط.

فإذا امتلكنا القوة بلا ميزان أصبحت القوة نفسها مصدر خوف.

وإذا عرفنا الحق ولم تكن له حماية طمع المعتدي فيه.

أما حين تضبط القوة بالحق، فإنها تصبح من أسباب حمايته.

ثم تأمل قوله تعالى:

﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

لم يجعل الناس مجرد متلقين للعدل، بل جعلهم داخل دائرة القيام به.

وهذه مسؤولية تبدأ من كل واحد منا فيما تحت يده.

للأب ميزانه.

وللأم ميزانها.

وللزوجين ميزانهما.

وللتاجر ميزانه.

وللعامل وصاحب العمل ميزانهما.

وللمعلم ميزانه.

ولصاحب المسؤولية ميزانه.

وكلما اتسعت القدرة اتسعت معها مسؤولية إقامة القسط.

فليس المجتمع العادل مجتمعًا ينتظر العدل دائمًا من فوق، وإنما مجتمع يقوم الناس فيه بالقسط، ثم تحمي مؤسساته وقواعده هذا القيام.

وقد يبدأ الفساد بالعكس تمامًا.

استثناء صغير نسمح به لأنفسنا.

ثم لقريب.

ثم لصاحب نفوذ.

ثم يتكرر الاستثناء حتى يصبح عادة، والعادة عرفًا، والعرف ثقافة، والثقافة نظامًا.

وحينها نشتكي من فساد المجتمع، مع أن بعض جذوره بدأ في موازين صغيرة اختلت بين أيدينا.

قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].

وكما يتراكم الفساد، يتراكم الإصلاح:

من أب أنصف.

وتاجر لم يبخس.

وموظف أدى أمانته.

وشاهد قال الحق.

ومسؤول لم يجعل سلطته فوق الميزان.

وقوي جعل قوته حماية للحق لا وسيلة لأكل حقوق الناس.

ختامًا

هكذا يرسم القرآن حركة القسط:

من النفس:

﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135].

إلى الأسرة:

﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

إلى الخصومة:

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].

إلى المال:

﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: 9].

إلى الحقوق:

﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.

إلى الشأن المشترك:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

إلى الحكم:

﴿أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

ثم قوة تحمي هذا البناء:

﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 25].

فتكتمل الهندسة:

كتاب يهدي، وميزان يضبط، وأناس يقومون بالقسط، وقوة تحمي الحق.

فالميزان يحكم القوة، والقوة تحمي الميزان.

والمجتمع العادل ليس شيئًا منفصلًا عنا، بل هو الصورة الكبرى للموازين الصغيرة التي نقيمها كل يوم.

فكلما أقمنا القسط في أنفسنا وبيوتنا وأموالنا ومسؤولياتنا، وضعنا حجرًا في عمران العدل.

وكلما سمحنا للهوى أو القرابة أو المال أو القوة أن تميل بالميزان، بدأ الخلل من حيث قد لا نشعر.

ولهذا لم تكن الغاية أن نعرف القسط فحسب، بل:

﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

فالعدل لا يُنتظر فقط… بل يُقام.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

شارك المقال