سلامة القلب ميزانٌ قرآنيٌّ يتجاوز عناوين الانتماءات، ليختبر صدق الإنسان في ضبط غضبه، وإنصاف مخالفيه، والرجوع إلى الحق دون كِبرٍ أو تعصب.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
في حياتنا عناوين كثيرة نعرّف بها أنفسنا: مذهب، وقومية، ووطن، وجماعة، وفكر، ومكانة، ورأي، وانتماء.
لكن القرآن يأخذنا إلى سؤال أعمق:
بأي قلب نحمل كل هذه العناوين؟
فالإنسان قد يحمل عنوانًا جميلًا، ويدافع عن قضية عادلة، ويتمسك بفكرة صحيحة، ثم يفسد قلبه وهو يدافع عنها؛ فيظلم، ويتعصب، ويبخس، ويعتدي، ويرفض الحق لأنه جاء من مخالفه.
ولهذا، حين كشف القرآن عن ميزان النجاة يوم القيامة، تجاوز المال والبنين وكل ما يملكه الإنسان أو ينتسب إليه، وقال:
وحين امتدح إبراهيم عليه السلام قال:
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84].
فما هذا القلب السليم؟
ليس قلبًا لا يخطئ، وإنما قلب إذا أخطأ رجع، وإذا أذنب استغفر، ولم يجعل الخطأ طريقًا إلى الإصرار:
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].
وليس قلبًا لا يغضب؛ وإنما إذا غضب لم يسلمه الغضب إلى الظلم:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134].
ثم يرتقي به القرآن من كظم الغيظ إلى مقام أجمل:
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134].
فالقلب السليم لا يُعرف حين يرضى فقط، بل يُعرف أكثر حين يغضب.
ويظهر كذلك عند الاختلاف.
فقد تكره موقفًا، وترفض فكرًا، وتختلف مع إنسان اختلافًا شديدًا، ولكن القرآن يضع أمامك حدًّا لا يجوز تجاوزه:
فالعدل ليس مكافأة لمن نحب، وإنما خُلُق نلتزمه حتى مع من نختلف معه.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190؛ المائدة: 87].
قد يكون الحق معك، ولكن ليس من حقك أن تعتدي.
وقد تُظلَم، ولكن ظلم غيرك لا يعطيك رخصة لتظلم.
وقد تختلف، ولكن الاختلاف لا يبيح لك السباب والتجريح والافتراء وبخس الناس أشياءهم.
فمن علامات سلامة القلب أن يبقى عادلًا حتى في الخصومة.
والقلب السليم لا يخاف من سماع الآخر؛ لأنه يبحث عن الحق، لا عن الانتصار لنفسه:
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].
يستمعون أولًا، ثم يزنون، ثم يتبعون أحسنه.
فليس كل ما عند مخالفك باطلًا، وليس الرجوع إلى الحق هزيمة، بل ربما كانت من أعظم علامات سلامة القلب أن تقبل الحق ولو جاءك ممن لا تحب.
والقلب السليم لا يجعل قناعته مبررًا لإكراه الناس:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].
يبيّن ولا يُكره، وينصح ولا يتعالى، ويتمسك بما يراه حقًّا دون أن يتحول تمسكه إلى ظلم للناس.
وسلامة القلب تظهر أيضًا أمام نعم الآخرين.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: 131].
فكم بدأت أمراض القلوب من نظرة مقارنة!
ينظر الإنسان إلى ما عند غيره، فتتحول المقارنة إلى حسد، والحسد إلى بخس، والبخس إلى خصومة.
أما القلب السليم فيرى نعمة غيره، فلا يتمنى زوالها، ويعرف أن خزائن الله لا تنفد.
وهكذا تتجمع أمامنا ملامح هذا القلب:
يخطئ فيتوب،
ويغضب فيكظم،
ويقدر فيعفو،
ويختلف فيعدل،
ويملك القوة فلا يعتدي،
ويسمع فيتبع أحسن القول،
ويرى نعمة غيره فلا يحسد،
ويظهر له الحق فيرجع إليه.
وهنا نفهم شيئًا من سر وصف إبراهيم عليه السلام:
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84].
فالقلب السليم ليس قلبًا ضعيفًا بلا موقف.
إبراهيم عليه السلام واجه قومه، وحاجَّهم، ورفض باطلهم، ولكنه كان قلبًا متحررًا لله؛ لم تحكمه أصنام الحجر، ولا أصنام المجتمع، ولا رهبة السلطان.
فالسلامة ليست أن تتنازل عن الحق، وإنما ألا تفسد قلبك وأنت تدافع عن الحق.
أن تكون ثابتًا بلا كبر،
وقويًّا بلا ظلم،
ومختلفًا بلا فجور،
وناصحًا بلا تعالٍ،
ورحيمًا بلا تزلف،
ومعتدلًا بلا تمييع.
وهنا يتغير السؤال.
ليس فقط:
من أي مذهب أنت؟
ومن أي قومية؟
ومن أي جماعة؟
وإلى أي فكر أو تيار تنتمي؟
فالقضية أوسع من ذلك كله.
السؤال: ماذا صنعت بك قناعاتك وانتماءاتك؟
هل جعلتك أعدل أم أشد تعصبًا؟
أرحم أم أقسى؟
أكثر تواضعًا أم أكثر استعلاءً؟
هل تنصف من يخالفك؟
هل تستطيع الاعتراف بخطئك؟
هل تقبل الحق إذا جاء ممن لا تحب؟
فليست المشكلة دائمًا فيما تنتمي إليه، بل في القلب الذي تنتمي به.
وما أحوجنا إلى هذا الميزان في زمن أصبح فيه بعض الناس يسألون عن اسمك قبل كلامك، وعن جماعتك قبل حجتك، وعن موقفك قبل أن يسمعوا منك.
فإن كنت معهم قبلوا منك، وإن كنت من غيرهم ردوا عليك ولو قلت حقًّا.
وهنا قد تلبس أمراض القلوب ثياب المبادئ، ويتحول التعصب إلى غيرة، والظلم إلى انتصار، والبخس إلى نقد، والكِبر إلى ثبات على الحق.
بينما الميزان القرآني لا يتغير:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
ختامًا
سيأتي يوم تسقط فيه كثير من العناوين التي تنازعنا عليها في الدنيا.
ويبقى السؤال الذي اختصره القرآن في كلمات:
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89].
فلعل مشروع العمر كله أن نجاهد حتى نأتي الله كما جاء إبراهيم عليه السلام:
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84].
**فليس السؤال فقط: إلى مَن تنتمي؟
بل السؤال الأهم:
بأي قلب تعيش… وبأي قلب ستأتي الله؟**