سنن التنزيل
دراسةُ سورة آل عمران · الجزء 4 من 6

سورة آل عمران — المحور الرابع: بناء الجماعة المؤمنة ومسؤولية الخيرية

  • 7 دقائق للقراءة
  • 10 آيات

بناء الجماعة المؤمنة يقوم على وحدة تعتصم بالحق، ومسؤولية إصلاحية مستمرة تجعل رتبة الخيرية تكليفاً لحمل النفع للناس وضبط العلاقات بميزان العدل واليقظة.

واعتصموا بحبل الله جميعًا: الوحدة التي تقوم على الحق

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] آل عمران: 102.

ثم يقول سبحانه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] آل عمران: 103.

بعد أن قررت السورة حقيقة الوحي والتوحيد، وعالجت مسؤولية العلم والوفاء بالحق، تنتقل إلى الجماعة المؤمنة التي ينبغي أن تحمل هذه الهداية في واقعها.

واللافت أن الأمر بالاعتصام جاء بعد الأمر بالتقوى والثبات على الإسلام.

فالوحدة التي يريدها القرآن ليست مجرد اجتماع على مصلحة عابرة، وإنما اجتماع على أصل يضبط المواقف ويمنع الأهواء من تمزيق الصف.

وقوله: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 103] يحدد مرجعية الاعتصام، وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يبين أنه واجب جماعي، وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] يحذر من النتيجة التي تترتب على ترك هذا الأصل.

ثم يذكرهم الله بنعمة التحول الذي أحدثه الإسلام في علاقاتهم:

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].

فالقرآن لا يعالج الفرقة بوصفها اختلافًا إداريًا فحسب، بل ينظر إلى جذورها في القلوب، وإلى ما تصنعه العداوات والعصبيات من إضعاف للجماعة.

وقد تمتلك جماعة إمكانات مادية كبيرة، لكن التنازع الداخلي يحول بينها وبين حسن استخدامها.

ومن هنا فإن وحدة الصف لا تتحقق بمجرد مطالبة الناس بالسكوت عن الخلاف، بل تحتاج إلى عدل يحفظ الحقوق، وشورى تسمع الآراء، ومرجعية تضبط النزاع، وأخلاق تمنع البغي.

فقد يكون الاختلاف في الاجتهاد وسيلة لإثراء المعرفة وتصحيح القرار، أما التفرق الذي يجعل المصلحة الخاصة فوق الحق العام فإنه يضعف الجماعة ويبدد قوتها.

ولتكن منكم أمة: الإصلاح مسؤولية مستمرة

قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] آل عمران: 104.

بعد الأمر بالاعتصام، تبين السورة أن المحافظة على صلاح الجماعة تحتاج إلى وظيفة مستمرة: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

فالجماعة لا تحفظ وحدتها الحقيقية إذا تركت الظلم والفساد ينتشران فيها دون إصلاح.

ومن هنا فإن النهي عن المنكر ليس خروجًا على مصلحة الجماعة، بل قد يكون من أعظم وسائل حمايتها، إذا قام على العلم والحكمة والعدل.

وهذا يحتاج إلى تمييز بين النصيحة والإصلاح من جهة، والتشهير والعدوان وإثارة الفوضى من جهة أخرى.

فليس كل من رفع شعار الإصلاح قد أحسن طريقته، كما أن المحافظة على الاستقرار لا تبرر إغلاق أبواب النصيحة والمحاسبة.

ثم تحذر السورة:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105] آل عمران: 105.

فالخطر أن يقع التفرق بعد قيام الحجة ووضوح أصول الهداية، حين تتقدم العصبيات والمصالح على مقتضى العلم.

ثم تذكر الآيات ما يكون يوم القيامة من اختلاف المآلات، وتعيد الأمر كله إلى الله:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: 109] آل عمران: 109.

فالمؤمن لا يقيم وحدته وإصلاحه طلبًا لمصلحة دنيوية فحسب، وإنما لأنه يعلم أنه مسؤول عن عمله بين يدي الله.

كنتم خير أمة: منزلة مرتبطة بالرسالة والمسؤولية

قال تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110] آل عمران: 110.

تأتي هذه الآية بعد بناء معنى الاعتصام ووظيفة الإصلاح، فلا يصح أن تقرأ بمعزل عما قبلها.

فقد وصف الله هذه الأمة بالخيرية، وذكر معها الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي صفات تبين مسؤولية حمل هذه المنزلة والوفاء بمقتضاها.

وليست الخيرية رخصة للتعالي على الناس، ولا ضمانًا بأن كل ما تفعله الأمة صواب، وإنما هي تكليف عظيم يجعلها مسؤولة عن حمل الخير إلى البشر.

وتأمل قوله: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].

فوظيفة الأمة ليست الانغلاق على ذاتها، ولا أن تجعل مصالحها الخاصة وحدها مقياسًا لكل موقف، وإنما أن تكون مصدر خير وهداية وعدل.

ولهذا ينبغي أن يظهر أثر هذه الخيرية في صدقها وأمانتها، وفي تعاملها مع الضعفاء، وفي حفظها للحقوق، وفي قدرتها على إصلاح أخطائها.

فالأمة التي تأمر بالمعروف مطالبة بأن تبدأ بإقامته في واقعها، والتي تنهى عن المنكر مطالبة بألا تتسامح معه إذا صدر من داخلها.

ومن هنا نفهم أن شرف الانتماء إلى أمة الإسلام يضاعف المسؤولية، ولا يعفي من المحاسبة.

وهذا المعنى سيظهر بصورة عملية في أُحد؛ إذ لم يمنع شرف الجماعة، ولا وجود نبينا محمد ﷺ بين المؤمنين، من وقوع آثار التنازع والعصيان حين خالف بعضهم الأمر.

فلا تكون الخيرية حجة لترك الأسباب، وإنما باعثًا على الوفاء بمقتضيات الإيمان.

ليسوا سواء: الإنصاف جزء من الإيمان

قال تعالى:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113] آل عمران: 113.

بعد أن تناولت السورة مواقف من أهل الكتاب، تعود لتقرر قاعدة عظيمة في الإنصاف: ليس الناس سواء.

فالاختلاف في الدين أو الانتماء لا يبيح طمس الفروق بين الأفراد والجماعات، ولا يسمح بأن تنسب أفعال بعضهم إلى جميعهم.

ثم تصف الآيات من آمن بالله واليوم الآخر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وسارع في الخيرات.

قال تعالى:

﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 115] آل عمران: 115.

وهنا يبرز ميزان دقيق: أن نحكم على المواقف بما تستحق، وأن نعترف بالخير حيث وجد، وألا تحملنا الخصومة على إنكار الحق أو إهدار العدل.

وهذا الميزان يحتاج إليه الإنسان في علاقاته الشخصية، كما تحتاج إليه المجتمعات والدول في التعامل مع الآخرين.

فقد نختلف مع إنسان في مسائل كبيرة، لكن ذلك لا يبيح لنا أن ننكر أمانته أو إحسانه أو موقفًا عادلًا صدر عنه.

والإنصاف ليس ضعفًا في المبدأ، بل من مقتضياته.

ثم تعود السورة إلى بيان أن الأموال والأولاد لا تغني عن أصحابها من الله شيئًا، وأن ما ينفقه الإنسان في غير موضع الحق لا ينقذه من عاقبة ظلمه.

وهكذا يتكرر تصحيح ميزان المال الذي ظهر في مطلع السورة، وسيعود مرة أخرى في خاتمتها.

البطانة والثقة: الحذر دون ظلم

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] آل عمران: 118.

بعد تقرير الإنصاف، تنتقل السورة إلى جانب آخر من العلاقات، وهو الحذر ممن ثبتت عداوته وسعيه إلى الإضرار بالجماعة.

والبطانة ليست مجرد معرفة أو معاملة، وإنما دائرة القرب التي تطلع على الأسرار وتؤثر في القرارات.

ولهذا فإن اختيار من يؤتمن على مصالح الناس وأسرارهم ينبغي أن يقوم على الأمانة والكفاءة والثقة، مع الانتباه إلى تضارب المصالح ومواطن الضرر.

لكن هذه الآيات لا يجوز أن تتحول إلى دعوة للظلم أو إلى سوء الظن بكل مخالف؛ فالسياق يصف مواقف عدائية محددة، وقد قررت السورة قبل ذلك أن الناس ليسوا سواء.

وهنا يظهر التوازن القرآني بين الإنصاف والحذر.

فالمؤمن لا يكون ساذجًا في علاقاته، ولا يجعل حسن الظن بديلًا عن التثبت، لكنه لا يسمح أيضًا أن يتحول الحذر إلى عدوان أو اتهام بلا بينة.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] آل عمران: 120.

وهذه الآية تختم هذا المقطع ببيان الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الجماعة المؤمنة أمام الكيد والعداوة: الصبر والتقوى.

والصبر هنا ليس تعطيلًا للأسباب، بل ثبات يحفظ الإنسان من الاندفاع والانهيار، والتقوى تضبط الوسائل حتى لا يدفعه خوفه من خصمه إلى ظلم غيره.

ولا ينبغي أن نفهم الوعد بمعزل عن مقتضى الصبر والتقوى وما يندرج فيهما من طاعة الله وحسن العمل؛ فالقرآن لا يربي المؤمن على التواكل، وإنما على الثبات المسؤول.

وهنا تكتمل مرحلة من بناء السورة؛ فقد بينت حق الوحي، وحقيقة الرسالات، وأمانة العلم، ومسؤولية الوفاء بالعهد، ثم أقامت أسس الجماعة المؤمنة على الاعتصام والإصلاح والإنصاف والحذر.

لكن هذه المبادئ لن تبقى في دائرة البيان النظري؛ إذ تنتقل السورة إلى الميدان الذي تمتحن فيه الجماعة عند الخوف والخسارة، وحين تتعارض الرغبات مع الأوامر، وتظهر آثار التنازع والطاعة، ويصبح الثبات على الحق مسؤولية عملية.

ومن هنا تبدأ معالجة أُحد، حيث تتكشف سنن الابتلاء والتداول، وأسباب الإخفاق، وسبل الإصلاح والنهوض بعد القرح.

شارك المقال