سنن التنزيل
مقال

حين ينتصر الإيمان على النفس

  • 3 دقائق للقراءة
  • 3 آيات

انتصار الإيمان على هوى النفس وكبرها يمثل أعظم معارك الإنسان، وبه يتحقق الإنصاف وتستقيم التقوى حين يقدّم العبد رضا ربه على حظوظ ذاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:

من السهل أن ينتصر الإنسان لرأيه، وأن يدافع عن نفسه، وأن يجد المبررات لأخطائه، وأن يحمل غيره مسؤولية ما وقع فيه؛ فذلك مما تميل إليه النفوس، ويزينه الهوى لصاحبه.

لكن الإسلام لم يأت ليقود الإنسان وراء نفسه، وإنما جاء ليرتقي به فوقها، ويجعل ميزان حياته ما يحبه الله، لا ما تشتهيه نفسه.

ولهذا كانت أعظم معركة يخوضها الإنسان ليست مع خصومه، بل مع نفسه التي بين جنبيه.

فكم من إنسان هزم خصومه، ولم يهزم كبره.

وكم من إنسان انتصر في جدال، لكنه خسر قلبه بسبب العجب والغرور.

وكم من إنسان استطاع أن يرد الإساءة بأشد منها، لكنه لم يستطع أن ينتصر على غضبه.

ومن هنا نفهم كثرة حديث القرآن عن النفس والهوى؛ لأن الله سبحانه يعلم أن أخطر ما يفسد الإنسان ليس دائمًا عدوه الخارجي، وإنما عدوه القريب الذي يتحرك في داخله.

قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40–41].

فلم يجعل الله طريق الجنة مجرد معرفة الحق، بل جعل من أعظم أسبابه أن ينتصر الإنسان على هواه حين يدعوه إلى غير ما يرضي الله.

إن النفس تحب المدح، وتحب أن تنتصر، وتحب أن تكون الكلمة الأخيرة لها، وتميل إلى رؤية أخطاء الآخرين أكثر من رؤية عيوبها، وتحرص على استيفاء حقوقها، وإن قصرت في حقوق غيرها.

ولهذا كان تهذيب النفس من أعظم مقاصد هذا الدين.

فالصلاة ليست حركات تؤدى فحسب، وإنما تربية يومية على الخضوع لله.

والصيام ليس جوعًا وعطشًا فقط، وإنما تدريب على كبح الشهوات والرغبات.

والزكاة ليست إخراج مال فحسب، وإنما علاج لشح النفس وتعلقها بالدنيا.

وكأن كل عبادة تقول للمؤمن: ليكن الله قائدك، لا هواك.

ومن أعظم لحظات الإيمان أن يستطيع الإنسان أن يقول لنفسه: لا.

لا للغضب إذا دفع إلى الظلم.

ولا للكبر إذا حال بينه وبين الاعتراف بالحق.

ولا للهوى إذا زين له الباطل.

ولا لحب الانتصار للنفس إذا حمله على مجاوزة العدل.

وهنا تظهر حقيقة التقوى.

فالتقوى ليست كلمات تقال، ولا مشاعر عابرة، وإنما قدرة على اختيار ما يرضي الله حين يتعارض مع ما تشتهيه النفس.

ولهذا ربى القرآن المؤمن على الإنصاف حتى مع من يختلف معهم، فقال سبحانه:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالعدل مع من نحب يسير، أما العدل مع من نكره فهو الامتحان.

والإنصاف عند الوفاق سهل، أما عند الخصومة فلا يثبت عليه إلا من قدم رضا الله على هوى نفسه.

ولهذا كان السلف يعدون الرجوع إلى الحق انتصارًا لا هزيمة؛ لأنهم كانوا يطلبون رضا الله، لا انتصار ذواتهم.

أما صاحب الهوى، فقد يعرف الحق ثم يرده؛ لأنه جاء على لسان خصمه، أو لأنه لا يريد أن يعترف بخطئه.

وهنا يصبح الهوى حجابًا يحول بين القلب وبين الهداية.

ولعل كثيرًا من خلافات الناس اليوم لا تطول لأن الحق خفي، وإنما لأن النفوس تأبى التواضع له.

فكم من خصومة كان يمكن أن تنتهي باعتذار.

وكم من قطيعة كان يمكن أن تزول بكلمة صادقة.

وكم من نزاع استمر سنوات، لأن كل طرف أراد أن ينتصر لنفسه أكثر من انتصاره للحق.

ومن هنا فإن انتصار الإيمان على النفس ليس فضيلة فردية فحسب، بل هو أساس استقرار الأسر، وإصلاح المجتمعات، ووحدة الأمة.

فإذا قاد الهوى النفوس كثرت الخصومات، وإذا قادها الإيمان حضر العدل، وسهل العفو، وقويت روح الإصلاح.

ولهذا كان الشيطان يفرح حين يتحول الخلاف إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، والقطيعة إلى عداوة، بينما جاء الإسلام ليقطع هذه السلسلة منذ بدايتها، فيأمر بالعفو، ويحض على الصفح، ويدعو إلى الإصلاح، ويربي المؤمن على أن يكون أكبر من جراحه، وأوسع من غضبه، وأقرب إلى مرضاة ربه.

وقد يبتلى الإنسان بالفقر، أو المرض، أو فقد الأحبة، وقد لا يبتلى بشيء من ذلك.

لكن لا أحد ينجو من الابتلاء بنفسه.

فكل يوم يمتحن الإنسان في غضبه، وشهوته، وكبره، وحبه للانتصار، وقدرته على العفو والإنصاف.

وهنا يتكرر الامتحان الحقيقي.

إما أن يقودنا الهوى، وإما أن يقودنا الإيمان.

وما أعظمها من لحظة حين ينتصر العبد على نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ فإنه في تلك اللحظة يحقق أعظم انتصار في حياته، لأنه انتصر على العدو الذي لا يفارقه حتى يلقى ربه.

نسأل الله أن يرزقنا نفوسًا مطمئنة، وقلوبًا خاضعة له، وأن يجعل إيماننا قائدًا لنفوسنا، ولا يجعل أهواءنا قائدةً لنا.

شارك المقال