سنن التنزيل
مقال

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟

  • 3 دقائق للقراءة
  • 15 آيةً

حسن الظن بالله ينبع من معرفة سعة علمه ورحمته، فيمنح القلب طمأنينة تجعله يثق بحسن تدبيره ولطف اختياره حين تضيق الأسباب ويتأخر الفرج المأمول.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

حسن الظن ثمرة المعرفة بالله

ثمة سؤال قرآني قصير، لكنه إذا استقر في القلب أعاد ترتيب أشياء كثيرة:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]؟

قالها إبراهيم عليه السلام لقومه بعد أن أنكر عليهم عبادة غير الله:

﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ۝ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 86–87].

فهي في سياقها سؤال يهز العقيدة:

ماذا تظنون برب العالمين حتى جعلتم معه آلهةً أخرى؟

لكن السؤال يفتح أمام القلب بابًا واسعًا:

وأنت… ما ظنك برب العالمين؟

حين تضيق الأسباب، ما ظنك به؟

وحين يتأخر الفرج، ما ظنك به؟

وحين تدعوه ولا تأتي الإجابة بالصورة التي توقعتها، ما ظنك به؟

لو كانت المشكلة عندك

تخيّل أن إنسانًا تحبه جاءك بمشكلة، وأنت تعرفها كاملة، وتعرف كيف تساعده، وتملك القدرة على ذلك، وهو قد جاءك واثقًا بك.

ماذا ستفعل؟

سيقول قلبك:

لن أتركه ما دمت أستطيع مساعدته.

هذا ظنك بنفسك، وأنت بشر؛ علمك محدود، وقدرتك محدودة، ورحمتك محدودة.

ولله المثل الأعلى.

فما ظنك بمن يقول:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]؟

ويقول:

﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: 61]؟

ويقول:

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]؟

ويقول:

﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]؟

أيمكن أن تغيب عنه حاجتك؟

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64].

أيمكن أن تكون مشكلتك أكبر من قدرته؟

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165].

إذن ليست القضية دائمًا في حجم المشكلة، بل في حجم معرفتنا برب العالمين.

أنت ترى اللحظة… والله لا تخفى عليه خافية

نحن حين ندعو الله نرى جزءًا صغيرًا من المشهد.

نرى الألم الذي نعيشه، والباب الذي نريد أن يُفتح، والطريق الذي نتمنى أن نسلكه.

أما الله سبحانه فيعلم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، ولا تخفى عليه خافية:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5].

فأنت تطلب بناءً على ما تراه الآن، والله يدبّر لك بعلمٍ أحاط بما لا تراه.

وهنا نفهم حسن الظن بالله بصورة أعمق.

فليس حسن الظن أن تقول:

أنا واثق أن الله سيعطيني الشيء نفسه الذي طلبته، وفي الوقت الذي حددته.

بل أن تقول:

أنا واثق أن الله سيختار لي الخير بعلمه وحكمته ورحمته.

قد يعطيك ما سألت.

وقد يصرف عنك ما هو شر.

وقد يؤخر ما تحب حتى يأتي وقته.

وقد يغلق بابًا بكيت أمامه، ثم تعلم بعد زمن أن إغلاقه كان رحمة.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 66].

فحسن الظن ليس أن تُلزم الله بتصورك للفرج، وإنما أن تثق بالله أيًّا كانت صورة تدبيره.

حسن الظن ثمرة المعرفة

وفي الحديث القدسي:

«أنا عند ظن عبدي بي».

وهنا أصل المسألة:

حسن الظن بالله ليس أمنية نفسية، وإنما ثمرة معرفة.

كلما عرفت أن ربك عليم لا تخفى عليه خافية، وقدير لا يعجزه شيء، وحكيم في تدبيره، ورحيم وسعت رحمته كل شيء؛ ازداد حسن ظنك به.

فالذي يعرف ربه لا يفسّر تأخر الإجابة بأنه نسيان، ولا الابتلاء بأنه هجر، ولا إغلاق باب بأنه نهاية الطريق.

بل يعود إلى السؤال:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]؟

ما ظنك بمن رزقك قبل أن تعرف كيف تطلب الرزق؟

ما ظنك بمن حفظك من أشياء لم تعلم أصلًا أنها كانت تقترب منك؟

وكم من باب فُتح لك لم تخطط له، وكم من أمر ظننته نهاية الطريق ثم جاء المخرج من حيث لم تحتسب؟

يدك مع السبب… وقلبك مع رب السبب

وحسن الظن لا يعني ترك الأسباب.

مريم عليها السلام قيل لها:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25].

وموسى عليه السلام قيل له:

﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: 63].

ونبينا محمد ﷺ أخذ بالأسباب في الهجرة، ومع ذلك كان اليقين:

﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

فالعبد يعمل بما يستطيع، لكنه لا يجعل قلبه متعلقًا بما يستطيع.

يده مع السبب، وقلبه مع رب السبب.

لا تسأل فقط: كيف سيأتي الفرج؟

حين تقع المشكلة نسأل:

كيف ستُحل؟

من سيساعدني؟

ومتى يأتي الفرج؟

لكن القرآن يرفع القلب إلى سؤال أسبق:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]؟

لأنك إذا عرفت من ربك، هان عليك أنك لا تعرف كيف سيأتي المخرج.

موسى عليه السلام أمام البحر لم يكن يرى طريقًا:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].

فكان جوابه:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

لم يقل: أعرف كيف سننجو.

بل كان يعرف من معه.

وهنا سر الطمأنينة:

ليس مطلوبًا منك دائمًا أن تعرف كيف سيحل الله الأمر؛ يكفي أن تعرف من الذي بيده الأمر.

ختامًا

إذا اشتدت عليك مشكلة، فلا تجعل أول ما تنظر إليه حجمها.

انظر إلى ربك.

أنت لا ترى إلا اللحظة، والله يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، ولا تخفى عليه خافية.

وأنت لا تعرف أين الخير، والله يعلم.

وأنت لا تملك إلا بعض الأسباب، والله على كل شيء قدير.

ثم اسأل قلبك:

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]؟

خذ بالأسباب، وادعُ، وانتظر، وأحسن الظن.

وإذا قالت لك الأسباب: لا مخرج، فقل:

أنا لا أعرف كيف سيأتي الفرج… ولكنني أعرف من هو رب العالمين.

﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]؟

شارك المقال