سنن التنزيل
مقال

الودود… حين لا تقف التوبة عند المغفرة

  • 3 دقائق للقراءة
  • 16 آيةً

اقتران المغفرة بالود يكشف أن التوبة ليست مجرد تخلص من تبعات الذنب، بل بداية طريق جديد نحو محبة الله والقرب منه بطاعته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

قال تعالى:

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14].

قد يذنب العبد، ثم تكون غاية أمله أن يغفر الله له؛ أن تمحى خطيئته، وينجو من تبعتها، وتُفتح له صفحة جديدة.

لكن القرآن يفتح أمام التائب بابًا أبعد من مجرد محو الذنب.

لم يقل سبحانه: الغفور فحسب، بل قال:

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14].

بعد المغفرة لا ينتهي الطريق؛ فهناك باب الود والمحبة.

ولكي ندرك عمق هذا المعنى، ينبغي ألا نفصل الآية عن السورة التي جاءت فيها.

تأمل سورة البروج.

أناس يحفرون الأخاديد، ويوقدون فيها النار، ويلقون المؤمنين فيها، ثم يجلسون يشاهدون:

﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ۝ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ۝ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: 4–7].

جريمة بلغت من الفظاعة أن يُعذَّب الإنسان ويحرق لأنه آمن بالله:

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8].

ومع ذلك، تأتي آية تستوقف القلب:

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10].

تأمل:

﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: 10].

مع فظاعة ما فعلوا، بقي باب التوبة مذكورًا في الآية.

ثم تمضي السورة، فنقرأ:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ۝ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ۝ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 12–14].

وهنا يكتمل المشهد.

لمن أصر على ظلمه وفتنته:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12].

وفي السورة نفسها يفتح باب التوبة، ويعرّفنا سبحانه بنفسه:

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14].

فالود لا يلغي الهيبة، وشدة البطش لا تغلق باب الرجاء.

ومن هنا نفهم شيئًا من سر اجتماع الاسمين:

﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14].

فالعبد قد يتصور أن أقصى ما يرجوه بعد الذنب أن تُمحى سيئته، لكن القرآن يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222].

لم يقل فقط إنه يغفر لهم، بل:

﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222].

بل يبلغ فضل الله بالتائبين أن قال:

﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70].

وهنا تتغير نظرتنا إلى التوبة.

التوبة ليست فقط سؤالًا عن الماضي:

كيف أتخلص من ذنبي؟

بل بداية سؤال عن المستقبل:

كيف أبني ما بقي من عمري مع الله؟

فمن الناس من يتوب من الذنب، لكنه يبقى أسيرًا له سنوات؛ يستحضر ماضيه حتى يتحول الندم الذي ينبغي أن يقوده إلى الله إلى يأس يقعده عن السير.

أما القرآن فيقول:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].

ويقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222].

فلا تنس ذنبك حتى تأمن، ولا تجعله بعد التوبة حجابًا يحول بينك وبين الله.

وإذا فتحت التوبة باب الود، فكيف يسلك العبد طريق المحبة؟

يأتي الجواب واضحًا:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

فالمحبة في القرآن ليست دعوى وجدانية مجردة.

لها طريق:

﴿فَاتَّبِعُونِي﴾.

ولها ثمرة:

﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

وهنا تتحول التوبة من مجرد ترك للمعصية إلى بداية سير، وتتحول المحبة من شعور في القلب إلى طاعة واتباع.

ولهذا قال سبحانه:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54].

وحين يعرف القلب ربه الودود، تتغير نظرته إلى العبادة.

فلا تصبح الصلاة مجرد واجب نريد إسقاطه عن ذمتنا، ولا السجود مجرد حركة نختم بها الركعة.

وقد قال نبينا محمد ﷺ:

«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».

وعندها لا يكون سؤالنا فقط:

هل صلينا؟

بل ماذا صنعت الصلاة فينا؟

هل جعلتنا أسرع رجوعًا إذا أذنبنا؟

وأشد حرصًا على ما يحبه الله؟

وأكثر شكرًا إذا أنعم علينا؟

ثم تتسع دائرة الود من علاقة العبد بربه إلى علاقته بالناس.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

وتستوقفنا كلمة:

﴿سَيَجْعَلُ﴾.

فالود جَعْلٌ من الله.

قد يملك الإنسان مالًا ولا يملك قلبًا يحبه بصدق.

وقد يملك منصبًا فيطيعه الناس ولا يودونه.

وقد ينفق عمره يطارد القبول، والقلوب لا تُشترى، والود الصادق لا يُنتزع بالقوة.

فإذا رزقك الله أهلًا أو أخًا أو صاحبًا يودك بصدق، فلا تمر على هذه النعمة وكأنها أمر عابر.

وإذا رزقك في قلبك مودة صادقة لعبد من عباده، فاشكره عليها أيضًا.

فالود رزق لمن يُحَب، ورزق لمن يُحِب.

ولا يعني قوله تعالى:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]

أن المؤمن سيحبه كل الناس؛ فقد أوذي الأنبياء وعاداهم أقوامهم.

ولكن الود والقبول الذي يجعله الله لعبده ليس شيئًا يستطيع الإنسان أن يصنعه بقوته وحدها.

فلا تُنفق عمرك تطارد مكانك في قلوب الناس، وأنت تستطيع أن تنشغل بما هو أعظم:

أن تصلح ما بينك وبين الله.

وهنا تكتمل دائرة الود:

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14].

ثم:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54].

ثم:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

ود من الله لعباده،

ومحبة من العباد لربهم،

وود يجعله الله بينهم.

ختامًا

إذا كانت سورة البروج، مع ما عرضته من فظاعة فتنة المؤمنين وإحراقهم، قد أبقت باب التوبة حاضرًا:

﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: 10]،

ثم عرّفتنا بالله:

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14]،

فلا تجعل ذنبًا تبت منه أكبر في قلبك من مغفرة الله.

التوبة ليست مجرد هروب من العقوبة، بل عودة إلى الله.

والطاعة ليست مجرد أداء للتكليف، بل طريق إلى محبته.

والود بين الناس ليس شيئًا نملكه، بل رزق يستحق الشكر.

فإذا أذنبت فتب.

وإذا تبت فلا تقنط.

وإذا أحببت الله فاتبع.

وإذا رزقك الله ودًّا فلا تنسبه إلى نفسك وحدها.

وابقَ بين آيتين تحفظان ميزان قلبك:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12]،

و:

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: 14].

حتى تلقى ربك راجيًا رحمته، خائفًا من عقابه، سائرًا فيما يحب.

﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90].

لمتابعة مقالات سنن التنزيل على واتساب:

شارك المقال