سنن التنزيل
مقال

الأخلاق… حين ينتصر الإيمان على الهوى

  • 4 دقائق للقراءة
  • 16 آيةً

امتحان الأخلاق الحقيقي يبدأ عند الخلاف والغضب والقدرة على الرد، حين يلجم الإيمان رغبة النفس في الانتصار ليختار المؤمن ما يرضي ربه إحساناً وعدلاً.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: 34–35].

ليس الامتحان الحقيقي للأخلاق حين يحسن الناس إلينا، ولا حين يوافقوننا ويثنون علينا.

الامتحان يبدأ حين يسيء إليك إنسان، أو يظلمك، أو يثير غضبك، وتملك القدرة على الرد.

هناك يظهر السؤال الحقيقي:

من الذي سيقود الموقف: الإيمان أم الهوى؟

ولهذا لم يقل الله فقط: لا تقابل السيئة بالسيئة، بل ارتقى بالمؤمن:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].

فالمؤمن لا يسأل دائمًا: ماذا أستطيع أن أفعل؟ ولا حتى: ماذا يحق لي أن أفعل؟ وإنما يسأل:

ما الذي يحبه الله مني في هذا الموقف؟

وهنا تصبح الأخلاق عبادة.

فنحن لا نصدق لأن الناس يصدقون معنا، ولا نعدل لأن خصومنا عادلون، ولا نحسن لأن كل من حولنا يستحق الإحسان؛ وإنما نفعل ذلك لأننا عباد لله.

فلا تعطِ من أساء إليك سلطة أن يغيّر أخلاقك.

إذا كذب عليك فلا يجعلك كاذبًا، وإذا ظلمك فلا يجعلك ظالمًا، وإذا أساء فلا يجرك إلى الفحش.

قد يستطيع أن يؤذيك، لكنه لا ينبغي أن يستطيع أن يجعلك نسخة منه.

ولهذا كانت معركة الأخلاق تبدأ من الداخل:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40–41].

النفس تريد أن تنتصر، وتريد الكلمة الأخيرة، ويصعب عليها الاعتذار والرجوع إلى الحق، وقد ترفض الصواب لا لأنه باطل، ولكن لأنه جاء على لسان خصم.

وهنا يأتي الإيمان ليقول للنفس: قفي.

فالإيمان لا يلغي مشاعر الإنسان، ولكنه يمنعها من قيادة قراره بعيدًا عن أمر الله.

ولهذا قال نبينا محمد ﷺ:

«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

قد تغلب خصمك وتنهزم أمام غضبك.

وقد تنتصر في جدال وتخسر خُلُقك.

وقد تستطيع أن تؤلم إنسانًا بعشر كلمات، ويكون انتصارك الحقيقي أن تتركها لله.

والقرآن لا يطالبك بألا تشعر بالغيظ، وإنما يعلمك ماذا تفعل به:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

تأمل هذه الحركة:

غيظ في الداخل، ثم كظم له، ثم عفو عن الناس، ثم ارتقاء إلى الإحسان.

ولذلك جاء بعد الأمر بدفع السيئة بالأحسن:

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: 35].

فالأخلاق تحتاج إلى صبر.

صبر على الغضب، وصبر على الاعتذار، وصبر على قبول الحق، وصبر على ألا تحملك الخصومة على الظلم.

ومن أصعب الأخلاق على النفس أن تقول: أخطأت، وأن تقبل الصواب ممن تخالف؛ لأنك في تلك اللحظة لا تنتصر لخصمك، وإنما تنتصر للحق على نفسك.

وهنا يظهر ميزان العدل:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

وفي الجهة الأخرى:

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

فقد يسهل العدل حين لا تنازعنا فيه عاطفة، أما الامتحان فحين يدخل الحب أو البغض على الميزان.

فلا الكراهية تُنقص الحق، ولا المحبة تزيده.

لكن حسن الخلق لا يعني الضعف أو ترك الحقوق.

قال تعالى:

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].

أثبت القرآن حق المظلوم، ثم فتح أمامه منزلة أعلى:

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: 40].

ولم يقل: عفا فقط؛ لأن العفو المحمود هو الذي يكون فيه إصلاح، لا الذي يشجع الظالم على مزيد من الظلم.

فالعدل خُلُق، والعفو خُلُق، والرحمة خُلُق، والحزم في موضعه خُلُق، ونصرة المظلوم خُلُق.

وحسن الخلق أن تضع كل واحد منها حيث يحب الله.

ثم يأتي سؤال لا بد أن نسأله لأنفسنا:

أين أثر عبادتنا في أخلاقنا؟

قال الله عن الصلاة:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].

وقال عن الصيام:

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21، 63، 179، 183].

فالعبادة ينبغي أن تترك أثرًا في اللسان والغضب والرحمة والإنصاف والمعاملة.

ولذلك جاء حديث المفلس مخيفًا في ميزانه؛ فقد أخبر نبينا محمد ﷺ عن رجل يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فتُعطى حسناته لمن ظلمهم حتى قد يفنى رصيده من الحسنات.

فالقضية ليست فقط:

هل صنعت عبادتي خُلُقي؟

بل هناك سؤال أشد:

هل أحافظ بأخلاقي على حسناتي؟

ثم يأتي البيت بوصفه من أصدق ميادين الامتحان.

قال نبينا محمد ﷺ:

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

قد يستطيع الإنسان أن يتجمل أمام الناس ساعة، لكن أهل البيت يرونه عند التعب والغضب والاختلاف.

فكيف يكون الإنسان رفيقًا بالغريب، ثم يكون أقرب الناس إليه أكثر الناس خوفًا من غضبه؟

ثم تتسع الدائرة:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

فلا تجعل اختلاف الرأي إذنًا للسخرية، ولا الخصومة إذنًا للكذب، ولا الدفاع عن الحق مبررًا للبهتان.

قد تكون قضيتك عادلة، ثم تظلم وأنت تدافع عنها.

وقد يكون قولك حقًا، ثم تفسده بسوء أسلوبك.

فالحق لا يحتاج إلى الباطل حتى ينتصر.

ولهذا قال الله عن نبينا محمد ﷺ:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

وقال له:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

فصحة ما نحمله لا تعفينا من مسؤولية الطريقة التي نحمله بها.

وما أحوجنا اليوم إلى أن يرى الناس أثر الدين فينا.

أن يرى أبناؤنا القرآن في أخلاقنا.

ويرى أزواجنا الإيمان عند اختلافنا.

ويرى خصومنا التقوى في عدلنا.

ويرى الضعفاء الرحمة في قوتنا.

فالناس قد لا يرون صلاتك في جوف الليل، ولا صدقتك الخفية، لكنهم يرون أثر ما بينك وبين الله فيما بينك وبينهم.

وهنا نعود إلى البداية:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].

فإذا أردت أن تعرف حقيقة أخلاقك، فلا تسأل فقط: كيف أعامل من يحبني؟

بل اسأل:

كيف أتكلم عندما أغضب؟

هل أعدل مع من أكره؟

هل أقبل الحق ممن أخالفه؟

هل أعتذر عندما أخطئ؟

وماذا يرى أهل بيتي من أثر عبادتي؟

فالانتصار الحقيقي ليس أن تنتصر لنفسك في كل موقف، وإنما أن يريد الهوى شيئًا، ويريد الله منك شيئًا آخر…

فتختار ما يحبه الله.

هناك ينتصر الإيمان على النفس.

وهناك تتحول العبادة إلى خُلُق.

وهناك يُرى الدين في الإنسان.

ختاماً، نسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق، وأن يجعل القرآن قائدًا لقلوبنا ونفوسنا، وأن يرزقنا العدل عند الغضب، والإنصاف عند الخصومة، والعفو عند القدرة إذا كان العفو إصلاحًا، وأن يجعل لعبادتنا أثرًا يراه أهلنا والناس في أخلاقنا ومعاملاتنا.

شارك المقال