سورة المائدة — من الآية 35 إلى 50: من التقوى إلى إقامة العدل ومرجعية الوحي
إقامة العدل تبدأ من تقوى القلوب وتكتمل باحتكام المجتمعات إلى مرجعية الوحي الإلهي لحماية الحقوق وصيانتها من سلطان الأهواء وضغوط المصالح العابرة.
الطريق إلى الله لا ينفصل عن مسؤولية العمل
قال الله تعالى:
بعد أن عرضت السورة قصة ابني آدم، وما ترتب على أول جريمة قتل من تقرير حرمة النفس الإنسانية، ثم بينت خطورة الإفساد في الأرض، تعود إلى مخاطبة المؤمنين، فتضع أمامهم الطريق الذي يحفظ الإنسان من الانحراف، ويعين المجتمع على الاستقامة.
ثلاثة أوامر اجتمعت في آية واحدة: التقوى، وابتغاء الوسيلة إلى الله، والجهاد في سبيله.
والترتيب هنا جدير بالتأمل.
فالتقوى تضبط علاقة الإنسان بربه، وتجعله يستحضر مراقبته في السر والعلن. وابتغاء الوسيلة يدفعه إلى طلب القرب من الله بما شرعه من الإيمان والطاعة والعمل الصالح. ثم يأتي الجهاد في سبيل الله ليؤكد أن الإيمان ليس حالة وجدانية تنعزل عن مسؤوليات الحياة، بل يحتاج إلى بذل الجهد ومجاهدة النفس، والقيام بما شرعه الله من واجبات، ومن ذلك الجهاد المشروع بضوابطه.
فليس كل جهد يبذله الإنسان جهادًا في سبيل الله لمجرد أنه يراه نافعًا، كما لا يصبح كل صراع مشروعًا بمجرد رفع شعار ديني.
إنما يكتسب العمل قيمته من مشروعية مقصده ووسيلته، ومن التزامه حدود الله.
وهذا الاتصال بين التقوى والعمل مهم في بناء الإنسان والمجتمع؛ فقد يمتلك الإنسان حماسة كبيرة، لكنه إذا فقد التقوى تجاوز الحدود. وقد يكثر من الحديث عن القيم، لكنه إذا لم يبذل جهدًا لتحقيقها بقي أثرها محدودًا.
ولهذا فإن السورة لا تكتفي بتقرير حرمة الدماء، بل توجه المؤمن إلى الطريق الذي يحفظه من الظلم، ويجعله قادرًا على أداء واجبه.
فصلاح المقصد لا يغني عن صلاح الوسيلة، وصلاح الوسيلة لا يعفي الإنسان من مسؤولية العمل.
حين تنكشف محدودية المال والقوة أمام الحساب
ثم يقول تعالى:
بعد الدعوة إلى التقوى والعمل، تضع السورة الإنسان أمام حقيقة المصير.
فقد يظن صاحب المال أن ثروته قادرة على فتح جميع الأبواب، وقد يظن صاحب السلطة أن نفوذه يحميه من العواقب، لكن القرآن يبين أن ما يملكه الإنسان في الدنيا لا يستطيع أن يجعله فدية من عذاب الآخرة إذا مات على الكفر.
ثم يقول تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37] المائدة: 37.
وهنا يتجلى الفرق بين الحساب الدنيوي والحساب الأخروي.
ففي الدنيا قد ينجو بعض الظالمين من العقوبة، وقد يتمكنون من إخفاء جرائمهم، أو يستفيدون من قوتهم وعلاقاتهم ومكانتهم.
أما عند الله فلا تضيع الحقوق، ولا يستطيع الإنسان أن يشتري النجاة بما جمعه من مال.
وهذا المعنى لا يدعونا إلى انتظار الآخرة وترك إقامة العدل في الدنيا، بل يذكرنا بأن العدالة الدنيوية، مهما بلغت من الدقة، تبقى محدودة بعلم البشر وقدرتهم.
أما عدل الله فلا يضيع عنده شيء.
ومن هنا فإن الإيمان بالحساب ينبغي أن يكون رادعًا للظالم، وسندًا للمظلوم، ودافعًا للإنسان إلى مراجعة نفسه قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه المساومات.
حماية الأموال جزء من حماية المجتمع
ثم يقول تعالى:
بعد الحديث عن حرمة الدماء والإفساد في الأرض، تنتقل السورة إلى حماية الأموال.
وهذا الانتقال يكشف أن بناء المجتمع العادل لا يقتصر على حماية حياة الإنسان، بل يشمل كذلك حماية ممتلكاته وحقوقه.
فالمال ثمرة من ثمرات العمل والسعي، وقد يكون وسيلة الإنسان لإعالة أسرته، وتأمين حاجاته، وحفظ كرامته.
ولهذا فإن الاعتداء عليه ليس مجرد خسارة مادية، بل قد يهدد أمن الإنسان واستقرار حياته.
لكن ينبغي أن نفهم أن إقامة العقوبة الشرعية ليست تصرفًا فرديًا، ولا يجوز لأحد أن يتولاها من تلقاء نفسه.
فحد السرقة له شروط وضوابط وموانع، ويتطلب ثبوت الجريمة أمام القضاء المختص، والنظر في الملابسات التي تؤثر في الحكم.
ولا يصح أن نختزل الشريعة في العقوبة، أو أن نتجاهل واجبات المجتمع والدولة في إقامة العدل، وحماية الحقوق، ومواجهة الفقر والحاجة، ومنع الظلم والاستغلال.
فالشريعة التي تحمي الأموال من السرقة هي نفسها التي تأمر بالزكاة، وتحرم أكل أموال الناس بالباطل، وتوجب الوفاء بالعقود، وتحض على إطعام المحتاجين.
ومن هنا فإن حماية المال لا تتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة من العدل والأمانة والتكافل والقضاء المنصف.
وهنا تظهر صلة هذه الآية بمطلع السورة:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
فالمجتمع الذي تضيع فيه الأمانات، وتنتشر فيه الخيانة والاعتداء على الأموال، لا يستطيع أن يبني ثقة مستقرة بين أفراده.
التوبة بعد الجريمة: باب الإصلاح لا ينغلق
ثم يقول تعالى:
وهنا يتكرر المعنى الذي ظهر في الآية الرابعة والثلاثين، حين فتح الله باب التوبة لمن رجع عن الحرابة قبل القدرة عليه.
لكن الآية هنا تجمع بين التوبة والإصلاح.
فليس المقصود مجرد إعلان الندم، بل الرجوع عن الظلم والسعي إلى إصلاح ما أفسده الإنسان.
وقد يعتدي المرء على مال غيره، ثم يشعر بالندم، لكن صدق توبته يقتضي أن يتعامل مع الحقوق التي ترتبت على اعتدائه.
فحقوق العباد لا تسقط بمجرد دعوى التوبة، وإنما يجب ردها أو معالجتها بما يقتضيه الشرع.
وهذا يعلمنا أن الإصلاح ليس شعورًا داخليًا فحسب، بل عمل يعالج آثار الخطأ.
وقد ينطبق هذا المعنى على الأفراد والمؤسسات.
فالمؤسسة التي تعترف بظلم وقع منها، لكنها لا تعالج آثاره ولا ترد الحقوق، لم تستكمل مقتضيات الإصلاح.
والدولة التي تعلن محاربة الفساد، لكنها لا تزيل أسبابه ولا تحاسب المسؤولين عنه، تبقى بعيدة عن حقيقة المعالجة.
ثم يقول تعالى:
فتعود السورة إلى أصل الملك والسلطان.
فالله هو المالك والحاكم، وله وحده كمال العلم والعدل والحكمة.
وهذا المعنى سيعود في خاتمة السورة حين يقول تعالى:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 120] المائدة: 120.
وهكذا يتصل التشريع بالتوحيد؛ فالأحكام ليست منفصلة عن الإيمان بالله، وإنما تقوم على الاعتراف بملكه وحكمته وسلطانه.
حين يصبح الحكم تابعًا للأهواء
ثم يقول تعالى:
بعد تقرير الأحكام وبيان التوبة، تنتقل السورة إلى خطر آخر يهدد إقامة العدل: أن يصبح الحكم خاضعًا للأهواء والمصالح.
وتعرض الآيات صورًا من النفاق، وسماع الكذب، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومحاولة الحصول على حكم يوافق الرغبة.
قال تعالى:
وتأمل هذه العبارة.
فالقوم لا يبحثون عن الحق ليعملوا به، وإنما يبحثون عن حكم معين، فإن وافق ما يريدون قبلوه، وإن خالف رغبتهم أعرضوا عنه.
وهذا من أخطر صور التعامل مع الدين والقضاء.
فقد يلجأ الإنسان إلى من يفتيه، لا ليتعرف على حكم الله، بل ليجد من يجيز له ما يريد.
وقد تختار مؤسسة تفسيرًا قانونيًا لا لأنه الأقرب إلى العدل، بل لأنه يحقق مصلحتها.
وقد تتعامل دولة مع المبادئ والمعاهدات بمعيار مزدوج، فتتمسك بها حين تخدم مصالحها، وتتجاهلها حين تقيد تصرفاتها.
وهنا لا يكون الخلل في غياب النصوص وحدها، بل في تحويلها إلى أدوات انتقائية.
ومن هنا نفهم خطورة قوله تعالى:
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 41].
فالتحريف ليس مجرد خطأ عابر في الفهم، وإنما يتضمن صرف الكلام عن موضعه على وجه يفسد معناه.
ولا يجوز أن نصف كل اختلاف اجتهادي بأنه تحريف؛ فالاجتهاد المنضبط له مكانته، والخطأ في الفهم ليس بالضرورة تعمدًا لتغيير الحق.
لكن الخطر يظهر حين يكون الهوى هو الذي يحدد النتيجة المطلوبة قبل النظر في الدليل.
فمن أخطر ما يصيب الإنسان أن يتحول سؤاله من: ما الحق الذي ينبغي أن أتبعه؟ إلى: كيف أجد ما يبرر ما أريد فعله؟
القسط في الحكم ولو مع من لا نوافقهم
ثم يقول تعالى:
هنا تتجدد قاعدة العدل التي قررتها السورة في الآية الثامنة:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فحتى مع من ذُكرت فيهم صور من الكذب وأكل السحت، يأتي الأمر بالحكم بالقسط إذا وقع الحكم بينهم.
وهذا يكشف أن العدالة ليست مكافأة يمنحها الحاكم لمن يرضى عنه، وإنما واجب يلتزمه تجاه من ينظر في قضيته.
وقد يكون الخصم مخطئًا في اعتقاده، أو سيئًا في بعض أفعاله، لكن ذلك لا يبيح ظلمه في قضية أخرى.
وهنا تظهر عظمة المنهج القرآني.
فهو لا يطلب منا أن نكون عادلين مع من نحب وحدهم، بل يأمرنا بالعدل حتى في المواطن التي تتداخل فيها الخصومات والعداوات.
وهذا أصل لا غنى عنه لإقامة القضاء العادل.
فالقاضي لا ينبغي أن يحكم بناء على مكانة الخصوم أو انتماءاتهم، وإنما وفق الحق والبينات.
والحاكم لا يجوز أن يجعل اختلاف الناس معه سببًا لحرمانهم من حقوقهم.
والمجتمع لا يستقيم إذا أصبح الإنصاف محصورًا في جماعة دون أخرى.
حين يحمل الإنسان الكتاب ولا يحتكم إليه
ثم يقول تعالى:
تطرح الآية سؤالًا كاشفًا.
فكيف يطلب قوم الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم، مع وجود حكم الله في التوراة التي بين أيديهم، ثم يعرضون بعد ذلك؟
وهنا تتضح المشكلة التي تعالجها السورة: ليست القضية دائمًا في البحث عن الحكم، بل في الاستعداد لقبوله.
وقد يحمل الإنسان الكتاب ويعرف أحكامه، لكنه لا يحتكم إليه حين يخالف مصالحه.
وقد يرفع المجتمع شعارات العدل، لكنه يتردد في تطبيقها على أصحاب النفوذ.
وقد تتحدث المؤسسات عن النزاهة والشفافية، لكنها لا تلتزم بهما عندما تكشفان تقصيرها.
ومن هنا فإن معيار الوفاء ليس كثرة الحديث عن المبادئ، وإنما الالتزام بها عند الامتحان.
وهذا المعنى ينبغي أن نعيده إلى أنفسنا قبل أن نجعله مادة للحكم على الآخرين.
فنحن أيضًا نحمل كتاب الله، ونعرف كثيرًا من أوامره ونواهيه.
فهل نحكمه في معاملاتنا وخصوماتنا ومواقفنا، أم نختار منه ما يوافق رغباتنا؟
التوراة والإنجيل: وحدة أصل الهداية ومسؤولية أهل الكتاب
ثم يقول تعالى:
هنا تقرر السورة أن التوراة التي أنزلها الله كانت هدى ونورًا، وأن الأنبياء والربانيين والأحبار كانوا مأمورين بالحكم بما أنزل الله وحفظه والشهادة عليه.
وتأمل قوله:
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 44].
فحمل العلم أمانة، وحفظ الكتاب مسؤولية.
وليس العالم أمينًا على النص لمجرد أنه يحفظ ألفاظه، بل ينبغي أن يحفظ معانيه من التحريف، وأحكامه من التبديل، ومكانته من أن تصبح تابعة للأهواء.
ثم يقول تعالى:
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44].
وهنا تتحدد بعض أسباب الانحراف في الحكم والعلم: الخوف من الناس، والطمع في المنافع.
فقد يعرف العالم الحق، لكنه يخشى أن يفقد مكانته إن بينه.
وقد يعرف صاحب القرار ما يقتضيه العدل، لكنه يخشى أصحاب النفوذ.
وقد يتعامل الإنسان مع النصوص بما يحقق له مالًا أو جاهًا.
ولهذا فإن استقلال العلم والقضاء عن الضغوط والمصالح ليس ترفًا، بل ضرورة لحفظ الحقوق.
ثم يقول تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
وتأتي في الآيات التالية أوصاف الظلم والفسق.
وهنا ينبغي أن نتعامل مع هذه الآيات بعلم وإنصاف.
فالحكم على الأفعال والأحوال له تفصيله، ولا يجوز أن نجعل الآية وسيلة للتكفير العام لكل من وقع في مخالفة أو حكم بغير ما أنزل الله، دون النظر في حقيقة فعله واعتقاده وشروط الحكم وموانعه.
كما أن بيان خطورة مخالفة حكم الله لا يخول الأفراد إصدار أحكام على أشخاص أو جماعات بغير علم.
فالمقصود أن يظل حكم الله مرجعًا للحق والعدل، لا أن تتحول الآيات إلى أدوات للاتهام والتنازع.
القصاص: العدل الذي يحفظ الحياة ويمنع الانتقام
ثم يقول تعالى:
بعد الحديث عن الحكم بما أنزل الله، تذكر السورة جانبًا من أحكام القصاص التي كتبها الله على بني إسرائيل.
وهنا نعود إلى قضية حرمة الدماء التي ظهرت في قصة ابني آدم.
فقد بينت السورة خطورة قتل النفس بغير حق، ثم بينت أن العدوان على النفس والجسد لا ينبغي أن يترك دون عدل يحفظ الحقوق.
لكن القصاص ليس إذنًا مفتوحًا للانتقام، وإنما حكم منضبط يمنع تجاوز العقوبة قدر الجناية، وفق شروطه الشرعية وإجراءات القضاء.
ثم يقول تعالى:
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45].
وهنا يظهر باب العفو المشروع.
فالعدل لا يعني إغلاق باب الرحمة، والرحمة لا تعني إهدار حقوق المظلومين.
ومن هنا فإن الشريعة توازن بين حق المعتدى عليه في الإنصاف، وبين فتح باب العفو في موضعه المشروع.
ولا يجوز أن يتحول الحديث عن العفو إلى ضغط على المظلوم للتنازل عن حقه، كما لا يجوز أن يتحول طلب الحق إلى تجاوز حدود العدل.
وهذا المعنى مهم في واقع المجتمعات التي قد تنتشر فيها الخصومات والثارات.
فإذا غاب القضاء العادل، قد تتحول الجريمة الواحدة إلى سلسلة من الجرائم، ويصبح الانتقام سببًا في استمرار سفك الدماء.
أما حين توجد عدالة تحفظ الحقوق، فإنها تسهم في منع توسع الاعتداء.
ثم تختم الآية بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45].
فالمشكلة ليست في مخالفة نص مجرد، بل في الظلم الذي يقع حين يُترك حكم الله أو يُبدل بما يخالف الحق.
عيسى عليه السلام والإنجيل: امتداد الرسالات في أصل الهداية
ثم يقول تعالى:
بعد ذكر التوراة، تنتقل السورة إلى عيسى عليه السلام والإنجيل.
وهنا تتضح وحدة أصل الرسالات.
فالأنبياء لم يأتوا ليدعوا الناس إلى عبادة أنفسهم أو إلى الانفصال عن الله، وإنما جاءوا بالهداية إلى توحيده وطاعته.
وقد أرسل الله عيسى عليه السلام مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وآتاه الإنجيل فيه هدى ونور.
ثم يقول تعالى:
وهنا يتكرر أصل المسؤولية عن الوحي.
فمن تلقى كتابًا من عند الله كان مأمورًا بالاستجابة لما أنزل الله فيه.
وهذا المعنى يتجاوز مجرد معرفة النصوص إلى الالتزام بمقتضاها.
ثم تنتقل السورة إلى القرآن الكريم، فتحدد موقعه من الكتب السابقة.
القرآن مهيمنًا: المرجعية التي تحفظ الحق وتكشف التحريف
قال تعالى:
هذه من الآيات المركزية في سورة المائدة.
فبعد أن عرضت السورة مواثيق أهل الكتاب، وذكرت التوراة والإنجيل، تبين منزلة القرآن الكريم.
لقد أنزله الله بالحق، مصدقًا لما سبقه من الوحي الإلهي في أصول الهداية، ومهيمنًا عليه.
والهيمنة هنا تعني أن القرآن شاهد وأمين وحاكم في بيان الحق الذي أنزله الله، فيصدق ما وافقه من الوحي السابق، ويكشف ما وقع من تحريف أو تبديل، ويقرر ما شرعه الله لهذه الأمة.
ومن هنا فإن المسلم لا يتعامل مع الكتب السابقة بوصفها مرجعًا مستقلًا يعلو على القرآن، وإنما يجعل القرآن ميزانه في فهم ما جاء من الوحي قبله.
ثم يأتي الأمر:
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48].
ويأتي النهي:
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 48].
وهنا يتكرر التحذير من اتباع الهوى.
فالمشكلة التي ظهرت فيمن كانوا يبحثون عن حكم يوافق رغبتهم، تعالجها السورة الآن بتقرير مرجعية الوحي.
فالحق لا يصبح حقًا لأن الأكثرية تريده، ولا يتحول الباطل إلى عدل لأن أصحاب القوة يفرضونه.
ولا يعني ذلك إلغاء الاجتهاد البشري أو تعطيل النظر في المصالح والوقائع، وإنما يعني أن الاجتهاد ينبغي أن يبقى منضبطًا بأصول الشرع ومقاصده، وألا يتحول إلى وسيلة لتجاوز النصوص القطعية أو تبرير الظلم.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]: الاختلاف وامتحان العمل
ثم يقول تعالى:
هنا تعرض السورة جانبًا من حكمة الله في اختلاف الشرائع التي أنزلها على الأمم.
فأصل دعوة الأنبياء واحد في توحيد الله وعبادته، لكن بعض الأحكام التفصيلية اختلفت بين الشرائع بحكمة الله.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: 48].
وهنا يظهر الامتحان.
فالإنسان مسؤول عما آتاه الله من هداية وبيان، وعن موقفه من الحق الذي بلغه.
ثم يأتي التوجيه:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48].
وتأمل كيف ينقل القرآن الإنسان من الانشغال بمجرد الاختلاف إلى مسؤولية العمل الصالح.
فليس المطلوب أن يذيب المسلم عقيدته أو يتنازل عن الحق الذي يؤمن به، وإنما أن يثبت على هدايته، وأن يسارع إلى الخير، وأن يلتزم العدل في تعامله مع الناس.
وهذا المعنى مهم في واقعنا الذي تتعدد فيه الشعوب والأديان والثقافات.
فالاختلاف لا يبرر الظلم، ولا يمنع التعاون على الخير المشروع.
وقد يختلف الناس في الاعتقاد، لكن ذلك لا يسقط حقوقهم الإنسانية، ولا يمنع العدل معهم.
ثم يقول تعالى:
وهنا تعود السورة إلى مشهد الحساب.
فالحكم النهائي لله، وهو أعلم بحقيقة ما اختلف فيه الناس، وبما علموه وما عملوا به.
وهذا لا يعني تعطيل بيان الحق في الدنيا، وإنما يذكر الإنسان بحدود علمه ومسؤوليته، ويمنعه من الغرور والظلم باسم امتلاك الحقيقة.
الحذر من أن تصرفنا الأهواء عن بعض ما أنزل الله
ثم يقول تعالى:
تكرر الآية الأمر بالحكم بما أنزل الله، لكنها تضيف تحذيرًا بالغ الدلالة:
﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49].
فقد لا يطلب صاحب الهوى من الإنسان أن يترك الحق كله، وإنما أن يتنازل عن بعضه.
وقد يبدأ الانحراف باستثناء صغير يراه صاحبه غير مؤثر، ثم تتسع الاستثناءات حتى تصبح القاعدة نفسها معطلة.
وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه العلماء والقضاة وأصحاب القرار.
فقد يتعرضون لضغوط تدفعهم إلى تغيير حكم، أو تجاهل حق، أو السكوت عن ظلم.
وقد تقدم لهم هذه الضغوط في صورة مصلحة أو ضرورة أو مراعاة للواقع.
ولا يعني ذلك أن كل مراعاة للمصلحة أو للواقع مخالفة للشرع؛ ففقه المصالح والمآلات من أبواب الاجتهاد المعتبرة.
لكن الخطر يظهر حين تصبح المصلحة المزعومة ذريعة لترك حكم الله أو انتهاك حقوق الناس.
ثم يقول تعالى:
وهنا تبين الآية أن الإعراض عن الحق له عواقبه.
لكن لا يجوز لنا أن نجزم بأن مصيبة معينة نزلت بفرد أو مجتمع هي عقوبة على ذنب محدد دون دليل.
فالابتلاء قد يكون امتحانًا أو تكفيرًا أو رفعًا للدرجات أو عقوبة، والله أعلم بحقائق أحوال عباده.
والمقصود أن نتدبر مسؤولية الإنسان عن اختياراته، وأن ندرك أن الإعراض عن الهداية ليس أمرًا بلا تبعات.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]: حين يفقد الحكم ميزان الحق
ثم تختم هذه الآيات بقوله تعالى:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50] المائدة: 50.
وهنا تبلغ معالجة الحكم والعدل ذروتها.
فالآية تضع أمام الإنسان سؤالًا حاسمًا: أي مرجعية يريد أن يحتكم إليها؟
أيريد حكم الله القائم على الحق والعدل والحكمة، أم يريد حكمًا تحكمه الأهواء والعصبيات والمصالح؟
وليس المقصود أن كل نظام إداري أو إجراء تنظيمي لم يرد باسمه في النصوص يُعد من حكم الجاهلية؛ فحياة الناس تتجدد، وتحتاج إلى أنظمة واجتهادات تحقق المصالح المشروعة.
وإنما الخطر أن يصبح الهوى أو الظلم أو العصبية بديلًا عن الحق، وأن تُهدر أحكام الله وحقوق العباد.
وهنا تتضح صلة هذه الآية بمطلع السورة.
فقد بدأت بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم قررت وجوب العدل حتى مع الخصوم، ثم عرضت صورًا من نقض المواثيق وتحريف الأحكام، ثم انتهت إلى السؤال عن مرجعية الحكم.
فلا يمكن أن يستقيم الوفاء بالعهد إذا كان كل طرف يغير القواعد حين تتعارض مع مصلحته.
ولا يمكن أن يستقر العدل إذا أصبح الحكم تابعًا للقوة أو القرابة أو النفوذ.
ولا يمكن أن تحفظ الحقوق إذا كان صاحب السلطة هو الذي يحدد ما يجوز له وما لا يجوز بحسب رغبته.
ولهذا فإن إقامة العدل ليست مسؤولية القاضي وحده.
إنها تبدأ من الفرد حين ينصف من يخاصمه، ومن الأسرة حين تحفظ حقوق أفرادها، ومن المؤسسة حين تلتزم الأمانة، ومن الدولة حين تجعل الحقوق والواجبات فوق الأهواء.
وهكذا يكتمل هذا المقطع من السورة وقد ربط بين التقوى والعمل، وحماية الأموال، والتوبة والإصلاح، وأمانة العلم، وعدالة القضاء، ومرجعية الوحي.
لكن السورة لا تقف عند تنظيم الحكم داخل المجتمع، بل تنتقل إلى امتحان آخر أشد حساسية: كيف يحفظ المؤمن ولاءه لدينه، ويقيم علاقاته مع الآخرين، دون أن يبيع مبادئه خوفًا أو طمعًا، ودون أن يجعل اختلاف الدين ذريعة للظلم؟
وهذا ما تفتحه الآية التالية:
ومن هنا تبدأ معالجة دقيقة للعلاقات والولاءات، لا تستقيم قراءتها إلا بجمع آيات السورة بعضها إلى بعض، والتمييز بين الموالاة المنهي عنها وبين العدل والبر والمعاملة المشروعة مع المخالفين.