سنن التنزيل
مقال

كيف تصبح من الذين يحبهم الله؟

  • 3 دقائق للقراءة
  • 7 آيات

محبة الله ليست قائمة أسماء محددة، بل طريق يبنيه القرآن بصفات عملية تبدأ بالتوبة وتثمر إحساناً وعدلاً، ليظل الباب مفتوحاً لكل من يسعى إليها.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

يحب الإنسان أن يكون محبوبًا.

محبوبًا عند والديه…

ومحبوبًا عند أهله…

ومحبوبًا عند الناس.

لكن يبقى سؤال لا يعدله سؤال:

هل أنا محبوب عند الله؟

لقد أكثر الناس من الحديث عن حبهم لله، حتى جاء القرآن فحوَّل السؤال كله إلى جهة أخرى، فقال:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

فالقضية ليست أن تقول: أنا أحب الله.

وإنما: هل يحبك الله؟

ولو قيل لك: إن في القرآن قائمتين…

قائمةً كتب الله في أعلاها: **﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾.

وقائمةً أخرى كتب في أعلاها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ [البقرة: 190].

أما كنت ستترك كل شيء لتعرف من هم أصحاب القائمة الأولى؟

بل أما كنت ستسأل نفسك قبل ذلك:

في أي القائمتين سيكون اسمي؟

هذا ليس تصويرًا أدبيًا، بل حقيقة قرآنية.

فالقرآن يفتح أمام كل إنسان هاتين القائمتين، لكنه لا يكتب فيهما أسماءً، وإنما يكتب صفات.

وهنا يكمن السر كله.

فلو كتب أسماءً، لانتهى الأمر.

ولو خص بها قومًا، لانغلق الباب على غيرهم.

لكنه كتب صفات، ليبقى الباب مفتوحًا لكل إنسان، مهما كان ماضيه، أن يسير في طريق محبة الله.

وهنا تتجلى سنة من أعظم سنن القرآن:

الله لم يكتب قائمة بأسماء يحبها، وإنما رسم طريقًا، فمن سار فيه أحبه.

ولو تأملت الآيات التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾، لوجدتها لا تعدد فضائل متفرقة، وإنما تبني إنسانًا.

في البداية ظننت أن الطريق سيبدأ بالتقوى…

أو بالإحسان…

أو بالصبر…

لكنني فوجئت أن أول الطريق كان شيئًا آخر.

لقد بدأ بالتوبة.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222].

وكأن الله يقول لكل مذنب:

لا تجعل ذنبك يحجبك عن محبتي…

بل اجعل توبتك طريقًا إليها.

ثم تأتي الطهارة.

﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

طهارة البدن، وطهارة اللسان، وطهارة القلب من الكبر والحسد والغل والرياء، لأن القلب إذا طهر، صلحت الأعمال كلها.

ثم ترتقي النفس إلى التقوى.

أن يصبح الله حاضرًا في قراراتك، وفي كلماتك، وفي خلواتك، فلا تترك المعصية خوفًا من الناس، بل حياءً من الله.

وأثناء تأمل هذه الآيات، استوقفتني مفاجأة جميلة.

أكثر صفة كررها القرآن في هذه القائمة لم تكن الصبر…

ولا التوكل…

ولا التقوى…

بل كانت الإحسان.

وكأن الرسالة واضحة:

لا يكفي أن تعمل…

بل أحسن عملك.

ولا يكفي أن تعبد…

بل أحسن عبادتك.

ولا يكفي أن تعامل الناس…

بل أحسن إليهم.

فالإحسان ليس عملًا تؤديه أحيانًا، بل شخصية تعيش بها.

ثم يأتي الصبر.

لأن الطريق إلى محبة الله ليس طريقًا يخلو من الابتلاء، وإنما طريق يمتحن فيه الإيمان، ولا يبلغ نهايته إلا من صبر.

ثم يأتي التوكل.

فتأخذ بالأسباب كلها، لكن قلبك يبقى معلقًا برب الأسباب، تعلم أن السبب مأمور به، وأن التوفيق من الله وحده.

وهنا توقعت أن تنتهي الرحلة…

لكن القرآن فاجأني مرة أخرى.

فبعد أن بنى الإنسان من الداخل، نقله إلى الناس.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42؛ الحجرات: 9؛ الممتحنة: 8].

فالعدل ليس خُلُقًا زائدًا في حياة المؤمن، بل ثمرة قلب عرف الله.

ثم يصل القرآن إلى المشهد الأخير:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].

عندها فقط تتضح الصورة.

بدأت الرحلة بتوبة…

وانتهت ببنيان.

بدأت بإصلاح القلب…

وانتهت بإصلاح الأمة.

وهذه هي سنة القرآن:

فالله لا يبني الأمة حتى يبني الإنسان.

ومن هنا انكشف سر آخر.

فالقرآن لم يقل: إن الله يحب المصلين، ولا الصائمين، ولا المزكين، مع أن هذه من أجل العبادات.

وإنما ذكر الثمرة التي يريد لهذه العبادات أن تصنعها.

فالصلاة التي لا تثمر تقوى، لم تحقق غايتها.

والصيام الذي لا يورث صبرًا، لم يبلغ ثمرته.

والزكاة التي لا تطهر القلب، فقدت روحها.

إن الله لا يريد كثرة الأعمال وحدها…

بل يريد الإنسان الذي تصنعه هذه الأعمال.

وهنا يقف كل واحد منا أمام نفسه.

ليس ليسأل:

كم ختمة ختمت؟

ولا كم سنة صليت؟

ولا كم عملًا صالحًا فعلت؟

بل ليسأل السؤال الذي يريده القرآن:

ماذا صنعت هذه العبادات بي؟

هل جعلتني أسرع إلى التوبة؟

وأطهر قلبًا؟

وأصدق تقوى؟

وأوسع إحسانًا؟

وأثبت صبرًا؟

وأقوى توكلًا؟

وأعدل مع الناس؟

وأحرص على جمع الصف؟

هذه هي الأسئلة التي تكتب اسمك في إحدى القائمتين.

واليوم…

وأنت تطوي هذه الصفحة…

تذكر أن الله لم يكتب أسماءً في قائمة من يحبهم…

وإنما كتب صفات.

وما دام الأمر كذلك، فما زال الباب مفتوحًا.

فكل توبة صادقة تقربك.

وكل إحسان تفعله يرفعك.

وكل صبر تحتسبه يبنيك.

وكل عدل تقيمه يزكيك.

حتى يأتي اليوم الذي تلقى فيه ربك، فيكون اسمك بين الذين قال فيهم:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾.

فليس أعظم ما تتمناه أن تقول:

أنا أحب الله.

بل أن يأتي اليوم الذي يقال فيه عنك:

إن الله يحبك.

شارك المقال