سنن التنزيل
مقال

المقام عند الناس… والقدر عند الله

  • 3 دقائق للقراءة
  • 7 آيات

مقام الإنسان بين الناس تصنعه الألقاب والمظاهر، بينما قدره الحقيقي عند الله تصنعه التقوى وصلاح السريرة، فالعبرة بمن أنت في علمه لا حيث وضعك الخلق.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

قد تختلف موازين الناس في تقدير الإنسان؛ فيرفعه قوم لماله، وآخرون لمنصبه، وغيرهم لنسبه أو شهرته أو نفوذه.

لكن القرآن حين وضع ميزان الكرامة عند الله، لم يجعله مالًا ولا منصبًا ولا نسبًا، وإنما قال:

﴿أَتْقَاكُمْ﴾.

ثم ختم الآية بما يكشف دقة هذا الميزان:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

فالناس لا يعلمون منا إلا ما ظهر لهم، أما الله سبحانه فيعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون، ولا تخفى عليه خافية.

ومن هنا يظهر الفرق بين مقام قد يصنعه الناس حول الإنسان، وقدر يعلمه الله له.

مقام تصنعه الدنيا

قد تُفتح للإنسان الأبواب، ويُقدَّم في المجالس، وتسبقه ألقابه، ويتسابق الناس إلى صحبته.

لكن كم من ذلك له، وكم منه للكرسي الذي يجلس عليه؟

وكم من الاحترام لشخصه، وكم منه لما يملك؟

وقد يقفون له هيبة، أو خوفًا، أو طمعًا، أو طلبًا لمصلحة.

فالناس يرون الصورة، ولا يعلمون دائمًا الحقيقة.

يرون المكان، وقد لا يعرفون حقيقة من فيه.

ويقرؤون اللقب، وقد لا يعرفون صاحبه.

ولهذا لا ينبغي أن نجعل نظرة الناس إلينا دليلًا على حقيقتنا.

يوسف… حين لم يصنع المكان قدره

وقصة يوسف عليه السلام من أجمل ما يكشف الفرق بين المقام والقدر.

كان في أعين الناس يومًا غلامًا في قاع الجب، ثم بضاعة تباع:

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: 20].

ثم صار سجينًا مظلومًا:

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35].

تبدلت الأماكن، وتبدلت أحكام الناس، لكن الجب لم ينقص من حقيقة يوسف، والرق لم يهدر قدره، والسجن لم يسلبه كرامته.

وفي علم الله الأزلي لم تكن حقيقة يوسف خافية؛ فالله سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان وما سيكون.

ثم جاء اليوم الذي خرج فيه من السجن، وتغير مقامه في أعين الناس.

لكن:

يوسف لم يصبح عظيمًا يوم خرج من السجن؛ وإنما ظهر للناس شيء من قدر لم يستطع السجن أن يسلبه منه.

ولذلك حين اجتمعت خيوط القصة قال:

﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: 100].

ثم كشف ميزان الرفعة الحقيقي:

﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

فليست القضية دائمًا:

أين وضعك الناس؟

بل:

من أنت حيث وضعك الله؟

كرامة الإنسان وميزان التفاضل

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

فالإنسان مكرم بآدميته.

ثم بيّن القرآن ميزان التفاضل:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

فلا المال يصنع هذه المنزلة، ولا النسب، ولا الشهرة، ولا المنصب.

وقد يكون إنسان مجهولًا في الأرض، مدفوعًا عن أبواب الناس، لكنه عظيم القدر عند الله.

قال النبي ﷺ:

«رُبَّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه».

يا لها من مفارقة!

قد تدفعه أبواب الناس… ويكون عند الله عظيم القدر.

فلا تجعل إقبال الناس عليك دليلًا على منزلتك، ولا إعراضهم عنك دليلًا على سقوط قدرك.

فالميزان هناك مختلف.

وقد يكون للإنسان مقام… ولا يكون له وزن

وكما قد يكون المجهول عند الناس عظيمًا عند الله، فقد يقع العكس.

قد يملأ الإنسان الدنيا شهرة، وتفتح له الأبواب، وتسبقه الألقاب، ثم يقول الله عن أقوام:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105].

وهنا تظهر المفارقة كاملة:

قد يكون للإنسان عند الناس مقام ولا يكون له عند الله وزن، وقد لا يكون له عند الناس مقام ويكون له عند الله قدر.

فأي الميزانين يستحق أن نتعب من أجله؟

المقام امتحان لا شهادة

ليست المشكلة في المنصب، ولا المال، ولا الشهرة، ولا أن يكرم الناس الإنسان.

فهذه كلها قد تكون نعمًا من الله.

لكن الخطأ أن نتصور أن ارتفاع مقامنا بين الناس شهادة بارتفاع قدرنا عند الله.

فالمنصب قد يكون تكليفًا.

والمال قد يكون اختبارًا.

والشهرة قد تكون ابتلاءً.

والنفوذ قد يكون أمانة.

وكلما ارتفع مقام الإنسان بين الناس، كان أحوج إلى أن يسأل نفسه:

هل ارتفع معه قدري عند الله؟

فقد تكبر الصورة وتصغر الحقيقة.

وقد يعلو الاسم ويهبط العمل.

وقد يكثر المادحون، والله سبحانه عليم خبير بما تخفي الصدور.

السرج لا يصنع جوادًا

وتختصر حكاية رمزية شيئًا من هذا المعنى:

ربطوا حمارًا في إسطبل الجياد، فأكل من معالفها، ووضعوا عليه سرجها، فلما أراد أن يعلن عن مقامه الجديد…

نهق ولم يصهل.

فالمكان قد يغير نظرة الناس إليك، لكنه لا يغير حقيقتك من الداخل.

السرج لا يصنع جوادًا،

والمكان لا يصنع قدرًا،

واللقب لا يصنع إنسانًا.

ولهذا لا ينبغي أن يغتر الإنسان بمكان رفعه الناس إليه، كما لا ينبغي أن ينكسر إذا لم يمنحوه المكان الذي يظن أنه يستحقه.

فيوسف بقي في السجن حينًا، ولم ينقص السجن من قدره شيئًا.

وذلك الأشعث قد تدفعه أبواب الناس، ويكون عند الله عظيم المنزلة.

فلا تجعل حياتك رحلة لصناعة صورتك عند الناس، وتنسى إصلاح حقيقتك عند الله.

ماذا نحن عند الله؟

الناس قد يعرفون اسمك…

والله يعلم سريرتك وعملك.

الناس قد يسألون عن منصبك…

والله يعلم ماذا صنعت فيما استُخلفت فيه.

الناس قد ينظرون إلى مقامك…

وقد جعل الله ميزان الكرامة: ﴿أَتْقَاكُمْ﴾.

فلا نسأل كثيرًا:

أين وضعنا الناس؟

ولنسأل أكثر:

أين وضعتنا أعمالنا عند الله؟

فطوبى لمن اشتغل بإصلاح حقيقته، ولم تستغرقه صناعة صورته.

وطوبى لمن عرف قدر نفسه؛ فلم يرفعه مدح الناس فوقها، ولم يخفضه تجاهلهم دونها.

وقد نعرف بسهولة ماذا نحن عند الناس؛ من ألقابهم، واستقبالهم، ومدحهم، ومكاننا في مجالسهم.

لكن يبقى السؤال الذي يستحق أن نصحبه معنا طويلًا:

ماذا نحن عند الله؟

شارك المقال