سنن التنزيل
مقال

ليس كل من استطاع الزواج مؤهلًا له… أين الرشد والأمانة؟

  • 3 دقائق للقراءة
  • 10 آيات

أهلية الزواج لا تتحقق بمجرد البلوغ والقدرة المالية، بل تقوم على الرشد والأمانة في حفظ حقوق الشريك وتحمل مسؤولية بناء الأسرة برحمة وعدل.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال تعالى:﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].

تأمل كيف فرّق القرآن بين بلوغ النكاح والتحقق من الرشد قبل تسليم المال.

والآية في أصلها تتحدث عن أموال اليتامى، لكنها تلفت أنظارنا إلى أهمية الرشد عند تحمل المسؤوليات.

فإذا كنا نتحرى رشد الإنسان قبل أن نأتمنه على مال، أفلا ينبغي أن نتحرى خلقه وأمانته قبل أن نأتمنه على حياة إنسان وأسرة؟

فليس كل من بلغ سن الزواج، أو امتلك المال، أو استطاع الإنجاب، أصبح مؤهلًا لتحمل مسؤولية الزواج.

إننا نُعدّ أبناءنا للدراسة والعمل، ونحرص على شهاداتهم ومستقبلهم، لكننا قد نغفل عن إعدادهم للحياة الزوجية.

نعلّمهم المطالبة بحقوقهم، ولا نربيهم بالقدر نفسه على أداء واجباتهم، ثم نتعجب حين يدخل بعضهم الزواج وهو لا يحسن ضبط غضبه، أو الاعتراف بخطئه، أو تحمل المسؤولية.

القدرة شيء… والأمانة شيء آخر.

قال تعالى:﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].

تأمل قصة موسى عليه السلام حين رأى امرأتين عند ماء مدين، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل، دون أن يجعل مساعدته وسيلة لطلب مقابل.

ثم جاءته إحداهما تمشي على استحياء، وشهدت له إحداهما بالقوة والأمانة، قبل أن يعرض عليه أبوها الزواج من إحدى ابنتيه.

لقد ظهرت الأخلاق في المواقف قبل الكلمات.

فلا يكفي أن يخبرك الإنسان عن أخلاقه؛ انظر كيف يتعامل حين لا ينتظر منك منفعة.

وكما أن الاختيار يحتاج إلى تحرٍّ، فإن النصيحة تحتاج إلى صدق.

وقد رُوي عن بلال رضي الله عنه أن أخاه تقدم لخطبة امرأة، فلما استشاره أهلها لم يُخفِ ما يعلمه من سوء خلقه ودينه، مع أنه أخوه.

ولما استشارت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها نبينا محمدًا ﷺ فيمن تقدم لخطبتها، بيّن لها ما يعلمه من حال الخُطّاب، ثم أرشدها إلى الزواج من أسامة بن زيد رضي الله عنه.

فهنا تتكامل ثلاثة مشاهد: في قصة موسى ظهرت الأمانة في الموقف، وفي قصة بلال ظهرت الأمانة في الشهادة، وفي قصة فاطمة بنت قيس ظهرت الأمانة في المشورة.

فليس من نصرة قريبك أن تخفي عيوبه المؤذية حتى يتزوج، ولا من الستر أن تكتم ما يترتب عليه ضرر معتبر للطرف الآخر.

ومن أخطائنا أن نتعامل مع الزواج أحيانًا وكأنه علاج لسوء الخلق.

نقول عن المستهتر: زوّجوه حتى يستقيم، وعن سريع الغضب: سيتغير عندما يصبح مسؤولًا عن بيت!

وقد يتغير الإنسان، لكن الزواج ليس ضمانًا لذلك.

قال تعالى:﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9–10].

ليس من العدل أن نجعل إنسانًا آخر مشروعًا لإصلاح عيوب نعرفها ونرفض معالجتها.

وهناك أمر آخر يغيب عنا: قد يدخل الإنسان الزواج حاملًا صورة الحياة الزوجية التي نشأ عليها في بيت أبويه.

فمن رأى الاحترام والرحمة قد يتعلمهما، ومن اعتاد الصراخ والتسلط قد يظنهما أمرًا طبيعيًا.

لكن البيئة تؤثر ولا تحكم على الإنسان بمصير محتوم.

قال تعالى:﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170].

فالآية تذم اتباع الموروث في الباطل، وتدعونا إلى وزن ما اعتدناه بميزان الحق.

قد ترث عن أبويك طريقة التعامل، لكنك لا ترث صوابها؛ فبرّهما لا يعني تكرار أخطائهما.

ومن أعظم ما تقدمه لأبنائك أن توقف انتقال سلوك مؤذٍ من جيل إلى جيل.

ثم إن الزواج ليس عقد تملّك!

قال تعالى:﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].

فالزواج لا يجعل الرجل مالكًا للمرأة، ولا المرأة مالكة للرجل، ولكل منهما كرامته وحقوقه ومسؤولياته.

فالقوامة مسؤولية ورعاية، وليست صك ملكية أو إذنًا بالظلم، كما أن حقوق الزوجة لا تجعل الزوج مجرد وسيلة لتحقيق رغباتها.

فليس الزواج أن تمتلك إنسانًا، وإنما أن تؤتمن على حقوق إنسان.

لكن ماذا يحدث حين يقع الخلاف، وتغلب النفس، ويصبح كل طرف قادرًا على إيذاء الآخر؟

هنا يأتي التذكير بالتقوى.

قال تعالى في سورة الطلاق، التي عُرفت أيضًا بسورة النساء القُصرى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: 1].

ثم تكرر فيها ربط التقوى بالمخرج واليسر وتكفير السيئات.

وفي سورة البقرة قال سبحانه:

﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

وقال:﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

فلا تجعل الخلاف بابًا للانتقام، ولا تستخدم الحقوق وسيلة للإضرار، ولا تجعل انتهاء العلاقة سببًا لإنكار كل معروف سبقها.

فالتقوى لا تظهر حين تسير الحياة كما نحب فحسب، وإنما تظهر حين نختلف ونغضب، ونملك القدرة على الظلم ثم نمتنع عنه ابتغاء مرضاة الله.

وقد لا نستطيع دائمًا الحفاظ على استمرار الزواج، لكننا مسؤولون عن العدل وحفظ الحقوق حتى عند الفراق.

والأمر لا ينتهي عند الزواج؛ فالإنجاب بداية أمانة جديدة.

قال تعالى:﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

فالطفل لا يحتاج إلى الطعام والكساء وحدهما، بل يحتاج إلى الأمان والتربية والقدوة.

فكيف نطالبه بالصدق وهو يسمعنا نكذب؟ وكيف نعلمه الاحترام وهو يرانا نهين أقرب الناس إلينا؟

إن الأبناء يتعلمون مما يرونه في بيوتهم، وقد يحملون إلى بيوتهم مستقبلًا ما اعتادوه في طفولتهم، ما لم يتعلموا مراجعته وإصلاحه.

ختامًا

ليس المطلوب أن يكون الإنسان كاملًا قبل الزواج، وإنما أن يعرف عيوبه، ويسعى إلى إصلاحها، ويدرك عظم الأمانة التي سيحملها.

فالفقر ليس دليلًا على انعدام الأهلية، والمرض النفسي ليس حكمًا بعدم صلاحية صاحبه للزواج؛ وإنما العبرة بالقدرة على حفظ الحقوق وعدم الإضرار.

وقبل أن نسأل: متى يتزوج أبناؤنا وبناتنا؟

لنسأل:

هل أعددناهم ليكونوا أمناء على حياة من سيشاركونهم أعمارهم؟

وقبل أن تسأل: أين أجد شريكًا صالحًا؟

اسأل نفسك:

هل أعددت نفسي لأكون أنا أيضًا شريكًا صالحًا؟

فالزواج لا يمنحك حق امتلاك إنسان آخر، وإنما يضع بين يديك أمانة ستُسأل عنها أمام الله.

شارك المقال