المشاعر البشرية من خوف وحزن وضعف لا تنافي كمال الإيمان، فالوحي لم يأتِ لتجريد الإنسان من فطرته بل لضبط دوافعه تحت عبودية الله.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
*الوحي لا يلغي بشريتك… بل يهديها*
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110؛ فصلت: 6].
ربما صنعنا في أذهاننا صورة للإنسان المتدين لم يصنعها القرآن.
نريده ألا يحزن، ولا يخاف، ولا يبكي، ولا يغضب، ولا تضيق نفسه، ولا يتأثر بدوافعه البشرية، وإذا ضعف في موقف حاكمنا تاريخه كله من خلال لحظة واحدة.
فإذا بكى رجل قيل له: الرجال لا تبكي، وإذا حزن مؤمن قيل له: أين الرضا؟ وإذا خاف: أين التوكل؟ وإذا طلب المال والنجاح: أكل هذا حب للدنيا؟ وإذا دعا مظلوم على ظالمه: أين العفو؟
حتى كأن التدين يعني أن يخرج الإنسان من بشريته.
لكن الوحي لم يأت ليقتل المشاعر، وإنما ليهديها، ولم يأت ليجرد الإنسان من دوافعه، وإنما ليعلمه كيف يقودها.
تأمل يوسف عليه السلام:
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23].
حضرت الفتنة وأُغلقت الأبواب، ثم اختار: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23، 79].
وقال:
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33].
عرف بشريته، فلجأ إلى ربه.
فليست العفة أن يفقد الإنسان دوافعه، وإنما أن تبقى دوافعه تحت سلطان الإيمان. والفضيلة كثيرًا ما تظهر حين يوجد الدافع المضاد ثم ينتصر عليه الإيمان.
وموسى عليه السلام وقف أمام فرعون، ومع ذلك قال الله عنه:
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: 67–68].
فالخوف شعور، والشجاعة موقف. ليس الشجاع من لا يخاف، وإنما من لا يسمح للخوف أن يصرفه عن الحق.
وغضب موسى أيضًا:
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150].
فليست القضية ألا تغضب، وإنما لماذا تغضب؟ وماذا يفعل بك غضبك؟ قد تغضب، لكن لا تظلم.
ويعقوب عليه السلام بلغ به الحزن:
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
ثم قال:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
فالصبر لا يعني ألا تتألم، والرضا لا يعني ألا تحزن، والشكوى إلى الله ليست شكوى من الله.
وأيوب عليه السلام قال:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
اعترف بالألم، لكنه حمل ألمه إلى باب الرحمن.
ومريم عليها السلام، في ذروة الكرب، قالت:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23].
وهذا لا يجعل تمني الموت عند كل ضر مشروعًا، لكنه يعلمنا ألا نتعجل محاكمة المنكسر من خارج ألمه.
ومر نبينا محمد ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت وهي لا تعرفه: «إليك عني، فإنك لم تُصب بمصيبتي». فلما علمت أنه النبي ﷺ جاءت إليه، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
لم يحول عبارتها التي خرجت تحت الصدمة إلى حكم على إيمانها وشخصيتها، بل علّمها.
فالناس أمام المحنة ليسوا نسخة واحدة.
وهذا نحتاج أن نتذكره ونحن ننظر إلى ما يجري في غزة.
قد يفقد إنسان أبناءه فيتماسك ويحمد الله، وقد يبكي آخر وينهار من شدة الفقد، وقد يصمت ثالث، وقد يحتمل اليوم ثم يضعف غدًا.
فلا نجعل أعلى صورة رأيناها من الصبر شرطًا نحاكم به كل مكلوم.
نستشهد بصبر الصابر لنقتدي به، لا لنعاقب به من لم يستطع أن يبلغ مقامه.
ونبينا محمد ﷺ نفسه لما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وقال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
العين تدمع، والقلب يحزن، لكن اللسان يبقى تحت العبودية.
فالقوة ليست في جفاف العين، وإنما في أن تبقى عبدًا لله وأنت تبكي.
وحتى المال والنجاح والقوة ليست مذمومة لذاتها. قال سليمان عليه السلام:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35].
فالسؤال ليس: هل تملك؟ بل من أين جاء ما تملك؟ وأين سكن في قلبك؟ وفيم استعملته؟
وكذلك المظلوم. العفو مقام عظيم، لكن لا نحوله إلى سوط نجلد به المظلوم ونترك ظالمه:
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148].
فالعدل حق، والعفو فضل.
ثم تأمل أُحد.
رجال قدموا من الشجاعة والتضحية ما بقيت الأمة ترويه، ومع ذلك جاءت لحظة اضطراب:
لم يبرر القرآن ما وقع، لكنه لم يحول لحظة الضعف إلى هوية دائمة:
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 155].
ثم قال:
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
لم يعف عنهم فحسب، بل أعادهم إلى دائرة المشاركة والثقة.
ومن جميل ما نراه بعد ذلك في تاريخ المسلمين أن بعض من كانت لهم سابقة في الردة ثم عادوا إلى الإسلام وحسن بلاؤهم، استفاد المسلمون من خبراتهم العسكرية. وكان أبو بكر رضي الله عنه شديد الاحتياط في الاستعانة بمن ارتد، ثم استفيد في عهد عمر رضي الله عنه من خبرة بعضهم، ومنهم عمرو بن معد يكرب، مع بقاء الاحتياط في إسناد القيادة.
وهنا يظهر الميزان:
لا تسجن التائب في ماضيه، ولا تلغِ الحكمة باسم التسامح.
فقد يُفتح للإنسان باب العودة ويُنتفع بما عنده من خير وخبرة، دون أن يعني ذلك إسناد كل موقع من مواقع الثقة إليه.
ثم يذهب القرآن إلى الزلل نفسه.
قال عن آدم عليه السلام:
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121].
لكنه لم يجعل المعصية نهاية قصته:
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 122].
ويونس عليه السلام أحاطت به الظلمات فقال:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
فاستجاب الله له ونجاه من الغم، ثم قال:
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: 50].
آدم زل، ثم اجتباه ربه.
ويونس ضاق وخرج، ثم اجتباه ربه.
وللأنبياء مقامهم واصطفاؤهم، لكن الله قص علينا هذه المواطن لنتعلم منها.
فلا تنظر فقط إلى أين زل الإنسان؛ انظر أيضًا إلى أين عاد.
ولا تجعل لحظة عابرة هوية دائمة: خفتَ في موقف، فلا تجعل الخوف اسمك. ضعفتَ مرة، فلا تجعل الضعف هويتك. وزللتَ، فلا تجعل الزلة نهاية قصتك.
لكن لا تجعل البشرية أيضًا تبريرًا للخطأ؛ فالإنسان الصالح لا يجيد تبرير زلته، وإنما يجيد الرجوع عنها.
ختامًا، لعلنا طالبنا المتدين أحيانًا بما لم يطالبه الله به: أن يكون بلا خوف ولا حزن ولا دموع ولا ضعف، وكأن الإيمان يخرجه من طبيعته البشرية.
لكن الله خلق الإنسان ويعلم ما أودع فيه.
قد تخاف، لكن لا تجعل خوفك يصرفك عن الحق.
وقد تحزن، لكن لا تجعل حزنك اعتراضًا على الله.
وقد تغضب، لكن لا تظلم.
وقد تشتهي، لكن لا تعص.
وقد تبكي، وتبقى قويًا.
وقد تضعف، ثم تقوم.
وقد تزل، ثم تعود.
فلا تجعل التدين ادعاءً للعصمة، ولا تجعل البشرية تبريرًا للخطأ.
الوحي لا يقول لك: لا تكن بشرًا.
بل يهدي بشريتك حتى تبقى بكل ما فيها تحت عبودية الله.
فالإيمان لا يلغي بشريتك؛ الإيمان يهديها.