سنن التنزيل
دراسةُ سورة العاديات

سورة العاديات… حين يُبعثر ما في القبور ويُحصَّل ما في الصدور

  • 3 دقائق للقراءة
  • 13 آيةً

جحود النعمة يختبئ خلف الانشغال بجمع المال، مما يستدعي محاسبة القلب وإدراك فضل المنعم قبل أن تنكشف السرائر ويُحاسب المرء على مقاصده.

قال الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ۝ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ۝ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ۝ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ۝ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ۝ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ۝ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ۝ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ۝ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ۝ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 1–11].

تبدأ السورة بحركةٍ لا تكاد تهدأ: عدوٌ شديد تُسمع معه الأنفاس، وقدحٌ، وإغارةٌ في الصباح، وغبارٌ يثور، ثم دخولٌ في وسط الجمع. وعلى القول المشهور بأن العاديات هي الخيل، تتوالى الصور من صوت العدو إلى أثره في الأرض، حتى يبلغ المشهد ذروته.

ثم يفاجئنا جواب القسم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].

انتقلنا من حركةٍ ظاهرة إلى حقيقةٍ في قلب الإنسان. وليس هذا الانتقال بعيدًا عن حياتنا؛ فنحن أيضًا نتحرك ونسعى ونشتد في الطلب، وقد تخفى عنا، وسط هذا كله، حال قلوبنا مع ربنا. كم نمضي من الوقت في السؤال عمّا نريد أن نصل إليه، وكم نمضي منه في السؤال عمّا فعلنا بما وصل إلينا؟

الكنود هو الجحود لنعمة الله. وقد جاء التعبير: ﴿لِرَبِّهِ﴾؛ ليواجه الإنسانَ بمن يجحد فضله: ربه الذي خلقه، ورزقه، وأعطاه من أسباب الحياة ما لا يستطيع إحصاءه. ليس الكنود مجرد إنسان لا يقول «الحمد لله»، فقد يجري الحمد على لسانه، ثم لا يظهر أثره حين يُطالب بحقٍّ في مالٍ أُعطيه، أو بعدلٍ يقدر عليه، أو بنفعٍ يستطيع تقديمه.

ومن صور الكنود أن يحتلّ ما نفتقده صدورنا حتى نكاد لا نرى ما نملكه. بابٌ مغلق يستغرق تفكيرنا، فتغيب عنا أبواب فُتحت. ونعمةٌ ننتظرها تجعل النعم التي طال بقاؤها معنا مألوفةً لا ننتبه إليها. وهذا وجهٌ من وجوه جحود النعمة، لكنه ليس دعوةً إلى إنكار الألم أو لوم من أصابه فقدٌ عظيم؛ فقد شكا يعقوب عليه السلام حزنه إلى الله فقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. نشكو ما يؤلمنا، ونسأل الله ما نحتاج، ونحاول في الوقت نفسه ألا يمحو المفقودُ من قلوبنا كلَّ ما بقي من فضله.

ثم يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7]. تحمل الآية تنبيهًا لا ينبغي أن نتجاوزه سريعًا. فقد تظهر حقيقة الإنسان في سلوكه وإن أحسن الكلام عن نفسه، والله شاهد على ما ظهر وما خفي. فإذا وجدنا أنفسنا نضيق كلما طُلب منا حقّ، أو نذكر ما نقص وننسى ما أُعطينا، فهذه مواضع مراجعةٍ قبل أن نبحث عن وصفٍ حسنٍ لحالنا.

ويأتي بعد ذلك ما يكشف أحد أقوى دوافع السعي: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]. والخير هنا المال. لم تذم السورة أن يعمل الإنسان أو أن يطلب الرزق؛ فنحن نحتاج المال لنكفي أنفسنا ومن نعول، ولنؤدي ما علينا. لكنها تلفت إلى شدة حبه حين يتمكن من القلب: أيسعى الإنسان بالمال إلى أداء واجباته، أم يصبح جمعه غايةً تؤجَّل لأجلها الواجبات؟

قد يتسع رزق المرء ولا يتسع عطاؤه. وقد يزيد ما يملك، ويزيد معه خوفه من أن ينقص شيء منه. وربما اعتاد أن يقول: سأؤدي هذا الحق حين أطمئن إلى ما لدي؛ ثم لا يبلغ في نفسه حدَّ الاطمئنان. هنا يتحول التعلق بالمال إلى بابٍ للكنود: يرى ما يريد جمعه أوضح مما يرى ما وهبه الله، ويحفظ ما في يده أكثر مما يحفظ حق الله والناس فيه.

وقد عرض القرآن وجهًا آخر في التعامل مع النعمة. لما رأى سليمان عليه السلام ما مكّنه الله منه قال: ﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. لم ينكر ما بين يديه من قدرة، ولم ينسب الفضل إلى نفسه، بل رآه ابتلاءً في الشكر. بهذا الميزان تُراجع النعمة: لا نسأل فقط «كم أملك؟»، بل «لمن أنسب ما أملك، وماذا أصنع به؟».

ومن هنا يبدأ العلاج قبل أن يشتد حب المال ويقسو القلب. نطلب الرزق من وجه حق، ونراجع حقوق الآخرين فيما بأيدينا، ونؤدي ما وجب دون انتظار شعورٍ بأننا أصبحنا نملك ما يكفي لكل ما نشتهي. وإذا أُعطينا علمًا أو قدرةً أو مكانة، لم نجعل الشكر حديثًا عن النعمة وحدها؛ بل استعملناها في النفع والعدل، وكففنا بها الأذى عمن نستطيع أذاه.

ثم تقطع السورة حركة الدنيا بمشهد الآخرة: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ۝ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 9–10]. يُخرج الله من في القبور، ويُبرز ما استقر في الصدور. لا يعود السؤال عن مقدار ما جمع الإنسان، بل عمّا حمله في قلبه وهو يجمع، وعمّا صنع بما جمع. قد يتشابه عملان أمام الناس، ويختلف القصد وراءهما؛ والله يعلم ما لا نعلمه من أنفسنا ومن غيرنا.

ولهذا لا نُكلَّف بتفتيش صدور الناس، وإنما بمراجعة صدورنا. حين نشتد في السعي، نسأل: أطلب بهذا ما يعينني على الطاعة وأداء المسؤولية، أم أطلب منزلةً أستعلي بها؟ وحين نضيق بما فاتنا، نسأل: هل ما زلت أرى فضل ربي فيما بقي؟ وحين نمنع شيئًا، نسأل: أأحفظ حقًّا، أم أتهرب من حقٍّ عليّ؟

تختم السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11]. لم يغب الله عن أعمال الإنسان ولا عن صدره في الدنيا، لكن يومئذ يظهر ما كان مستترًا، ويأتي الحساب على ما قدّمه. ومن رحمة الله أننا نسمع هذا التنبيه اليوم، ونحن نملك وقتًا لنشكر، ونتوب، ونردّ حقًّا، ونغيّر وجهة سعيٍ انحرفت بنا.

ختامًا، أخذتنا سورة العاديات من حركةٍ ظاهرة متلاحقة إلى قلبٍ قد يجحد ربه ويشتد تعلقه بالمال، ثم إلى يوم تُبعثر فيه القبور ويُحصَّل ما في الصدور. فلنسعَ فيما ينفع، ولننسب الفضل إلى الله، ولنؤدِّ حق ما أُعطينا؛ حتى لا يكون أسرع ما في حياتنا طلبَ المزيد، وأبطأ ما فيها شكرَ المنعم والعملَ بما يرضيه.

شارك المقال