جحود النعمة يتسلل إلى القلب حين يطغى ألم المفقود على فيض الموجود، فتحجب حسرة الباب المغلق عن البصيرة أبواباً كثيرة فُتحت بالفضل والستر.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
تبدأ سورة العاديات بمشهد سريع متلاحق:
وعلى القول المشهور بأنها الخيل، يرسم القرآن حركة متصاعدة: عدوٌ وضبح، وحوافر تقدح الشرر، وإغارة في الصباح، وغبار يثار، ثم اندفاع حتى تتوسط الجمع.
وحتى الفواصل تتحرك مع المشهد:
ضبحًا… قدحًا… صبحًا… نقعًا… جمعًا.
ثم ينتقل القرآن فجأة من حركة الخارج إلى حقيقة الداخل:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].
والكنود هو جحود النعمة وقلة شكرها.
ولم يقل: إن الإنسان لكنود، بل:
﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].
أي تجاه ربه الذي ربّاه، وأنعم عليه، ودبّر أمره، وسخّر له من أسباب الحياة ما لا يستطيع إحصاءه.
ولعل في مجيء جواب القسم بعد مشهد العاديات ما يفتح بابًا للتأمل: مخلوق يمضي فيما سُخّر له بهذه القوة، بينما الإنسان الذي يعيش بين نعم الله وآثار تسخيره قد يغفل عن شكر ربه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7].
وعلى القول بأن الضمير يعود إلى الإنسان، فهو يعرف من نفسه نعمًا أُعطيها، وأبوابًا فُتحت له، وبلاءً دُفع عنه، وسترًا أحاط به.
لكنه قد يعرف كل ذلك، ثم يحتل صدره شيء واحد لم يحصل عليه.
وهنا تأتي:
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8].
والخير هنا فُسّر بالمال، والآية تكشف شدة تعلق النفس بما تحب.
فقد لا تكون المشكلة أن الموجود قليل، بل أن المفقود أعلى صوتًا في الصدر.
نعم كثيرة تحيط بك، ولكن قلبك مشدود إلى نعمة غائبة.
وباب واحد مغلق قد يشغلك حتى تنسى أبوابًا كثيرة فُتحت.
وليس الخطأ أن تحزن أو تطلب أو تبكي بين يدي الله؛ فقد قال يعقوب عليه السلام:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
فالقرآن لا يعلمنا أن ننكر الألم، وإنما ألا نسمح للألم أن يعيد تفسير حياتنا كلها.
الشكر لا يلغي الألم، ولكنه يمنع الألم من أن يلغي النعمة.
ولهذا صحح القرآن ميزان الإنسان:
﴿كَلَّا﴾.
فليس حصولك على ما تريد وحده دليل الإكرام، ولا تأخره دليل الإهانة والحرمان.
ثم تأمل فواصل العاديات:
﴿لَكَنُودٌ﴾
﴿لَشَهِيدٌ﴾
﴿لَشَدِيدٌ﴾.
كنود في موقفه من النعمة، وشهيد على حقيقة نفسه، وشديد في تعلقه بما يحب.
ثم تقطع السورة استغراق الإنسان فيما يحب:
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 9–10].
وهنا تكتمل هندسة السورة.
بدأت بشيء يُثار فوق الأرض:
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: 4].
وتنتهي بقبور تُبعثر، وصدور يُحصّل ما فيها.
في البداية حركة ظاهرة في الخارج، وفي النهاية حقائق تُكشف في الداخل.
وكأن السورة، بعد أن أخذت عينك إلى الخيل والغبار والجمع، تعيدها إلى أقرب موضع منك:
صدرك.
ماذا يحتله؟
الشكر لما أُعطيت؟
أم الحسرة على ما فقدت؟
وهل أصبحت نعمة واحدة تنتظرها أكبر في صدرك من نعم كثيرة تعيش فيها؟
قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [ابراهيم: 34].
وهنا لفتة جميلة دون أن نجعلها علاقة تفسيرية:
نعم الله لا تستطيع إحصاءها، وسيأتي يوم:
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10].
نعمٌ لا تستطيع إحصاءها، وصدرٌ سيأتي يوم يُحصَّل ما فيه.
ثم تختم السورة:
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11].
بدأ كشف الإنسان بقوله:
﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]،
وانتهى:
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11].
ربه في البداية، وربهم في النهاية، وبينهما صدر يتلقى النعمة، ويحب ويتعلق، ويحزن ويفقد، ثم يأتي يوم يُحصّل ما استقر فيه.
فإذا ضاق صدرك بشيء لم تنله، فلا تسأل فقط:
ماذا مُنع عني؟
بل اسأل:
ماذا أعطاني ربي، وطال وجوده معي حتى اعتدتُه فلم أعد أراه؟
احزن على المفقود، ولكن لا تجحد الموجود.
واسأل الله ما تريد، ولكن لا تنس ما لديك.
وانتظر الفرج، ولكن لا تجعل انتظار نعمة واحدة يمحو من قلبك تاريخًا من فضل الله عليك.
فقد لا تكون المشكلة في قلة ما أُعطيت، بل في أن المفقود علا صوته حتى أسكت في قلبك نعمًا كثيرة حاضرة.
وهكذا تعيدك سورة العاديات إلى المكان الذي ينبغي أن تراقبه:
صدرك.
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 11].
📲 لمتابعة قناة «سنن التنزيل» على واتساب: