سنن التنزيل
دراسةُ سورة القلم

سورة القلم .. حين يُمتحن الإنسان فيما أعطاه الله

  • 9 دقائق للقراءة
  • 40 آيةً

امتحان النعمة يختبر أثر ما يملكه المرء لا كثرته؛ فالقلم والمال والقدرة أدوات إصلاح تفقد قيمتها إن تجردت من الخلق والشكر والصبر على الحق.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

سورة القلم

حين يُمتحن الإنسان فيما أعطاه الله

تبدأ سورة القلم بقلم، وتنتهي بذكر للعالمين.

﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]

وفي المسافة بين القلم والذكر تبني السورة حامل الرسالة، وتكشف أخلاق خصومها، وتمتحن الإنسان في الكلمة والمال والقدرة، وتعيد الموازين إلى حكم الله، ثم تعلم صاحب الحق كيف يصبر حتى يأتي حكم ربه.

وكأن سؤال السورة من أولها إلى آخرها:

ماذا يفعل الإنسان بما أعطاه الله؟

بالقلم، والخُلُق، واللسان، والمال، والقدرة، والوقت، والرسالة.

إنها سورة امتحان الأثر: ليست القضية ماذا تملك، بل ماذا خرج منك بما ملكت.

القلم والخُلُق… حين لا تكفي المعرفة وحدها

افتتحت السورة بالقسم:

﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].

القلم وعاء العلم، وأداة حفظ المعرفة ونقلها، ووسيلة يمتد بها أثر الإنسان بعد غيابه.

لكن السورة لم تترك القلم منفصلًا عن صاحبه.

فبعد آيات قليلة جاءت الشهادة:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

وهنا اقتران بالغ الدلالة: قلمٌ يسطر، وخُلُقٌ يحمل ما يُسطر.

فليست قيمة العلم في كثرة ما نكتب فقط، وإنما في الإنسان الذي يحمله والأثر الذي يصنعه به.

وقد يصبح القلم أداة هداية وإصلاح، وقد يتحول إلى أداة تشويه وفتنة إذا انفصلت المعرفة عن الخُلُق.

ولذلك جاءت أعظم تزكية لنبينا محمد ﷺ هنا:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

وجاء التعبير بـ﴿عَلَى﴾ ليصور التمكن والثبات؛ فالخُلُق العظيم ليس موقفًا عابرًا، بل بناء راسخ يحمل صاحبه.

﴿مَا أَنْتَ﴾ [القلم: 2] ثم ﴿وَإِنَّكَ﴾… من نفي التهمة إلى إثبات الحقيقة

واجه المشركون نبينا محمدًا ﷺ بتهمة قاسية:

الجنون.

فجاء الجواب:

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2].

لكن القرآن لم يكتف بأن يخبره بما ليس عليه، بل أخبره مباشرة بما هو عليه:

﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ۝ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 3–4].

﴿مَا أَنْتَ﴾ [القلم: 2] في ميزان الخصوم.

ثم ﴿وَإِنَّكَ﴾ في ميزان الله.

وهذه سنة عظيمة في مواجهة التشويه: لا تجعل خصمك هو الذي يعرّفك، ولا تقض حياتك كلها تحاول إثبات أنك لست كما يقول.

اعرف أولًا من أنت في ميزان الله، ثم امض في طريقك.

فالقرآن لم يجعل نبينا محمدًا ﷺ أسيرًا للتهمة، بل أعاده إلى ثلاثة ثوابت: نعمة من ربه، وأجر عند ربه، وخُلُق شهد له به ربه.

ثم قال:

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ۝ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 5].

فالزمن والأثر والنتائج قد تتولى إسقاط كثير من الأكاذيب.

ولهذا لا ينبغي للمصلح أن يسمح للشائعة بأن تحوله من حامل رسالة إلى إنسان لا عمل له إلا الدفاع عن نفسه.

القلم والنميمة… معركة الكلمة

بعد أن عرضت السورة الخُلُق العظيم، عرضت في المقابل نموذجًا أخلاقيًا منحرفًا:

﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ۝ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ۝ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 10–13].

وتستوقفنا كلمة:

﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11].

لم يقل فقط: نمّام.

بل صوّر النميمة وهي تمشي.

إنها كلمة لا يحتفظ بها صاحبها في فمه، بل يحملها من مجلس إلى مجلس، ومن قلب إلى قلب، حتى تفسد العلاقات وتوغر الصدور.

وفي أول السورة قلم يسطر.

وهنا نمّام يمشي بالكلمة.

وفي آخرها قرآن هو:

﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52].

فالسورة تسألنا عن حركة الكلمة وأثرها:

ماذا تكتب؟

وماذا تنقل؟

وإلى أين تمشي بالكلام؟

وماذا يبقى في القلوب بعد مرورك؟

هناك كلمة تبني، وكلمة تهدم.

وقلم يصنع وعيًا، ولسان يمزق مجتمعًا.

﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: 12]… الصفة التي ستتحول إلى قصة

ومن صفات ذلك النموذج:

﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: 12].

ولا تمر هذه الكلمة ثم تختفي.

فبعد قليل تعرض السورة قصة كاملة لجماعة أرادت أن تمنع الخير:

﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 24].

وكأن السورة تعرض الصفة أولًا، ثم تجعلنا نشاهدها وهي تتحول إلى سلوك.

فالفساد يبدأ في الداخل، ثم يتحول إلى قرار، ثم إلى فعل، ثم إلى أثر.

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]… حين يريد الخصم تغييرك

لا تتوقف الحرب على الرسالة عند التشويه.

قد تنتقل إلى المساومة:

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9].

يريدون منك أن تتنازل قليلًا ليتنازلوا قليلًا، وأن تخفف وضوح المبدأ مقابل تخفيف الخصومة.

لكن الله قال قبلها:

﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: 8].

فالمرونة في الوسائل شيء، والمداهنة في الحق شيء آخر.

وقد يخسر المصلح رسالته بطريقين:

أن يغير المبدأ تحت ضغط الخصوم.

أو أن يترك الطريق تحت ضغط تأخر النتائج.

الأول تعالجه السورة هنا:

﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: 8].

والثاني ستعالجه في ختامها:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48].

هم يريدون منك أن تتغير.

والله يأمرك أن تثبت.

المال والبنون… النعمة ليست شهادة رضا

ثم تقول السورة:

﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ۝ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: 14–15].

المال والبنون نعمة، لكن النعمة لا تزكي صاحبها بذاتها.

بل قد تتحول إلى موضع امتحان.

وهذا يمهد مباشرة للمشهد التالي:

قصة قوم يملكون جنة مثمرة.

فبعد أن رأينا أثر الكلمة حين تنفصل عن الخُلُق، سنرى أثر المال حين تنفصل النعمة عن الشكر والرحمة.

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ [القلم: 17]… النعمة نفسها امتحان

قال تعالى:

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17].

وهنا تصحيح لمفهوم الابتلاء.

قد نظن أن أصحاب الجنة ابتُلوا عندما احترق بستانهم.

لكن القرآن يقول قبل ذلك:

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ [القلم: 17].

فالجنة نفسها كانت ابتلاءً.

وجود المال امتحان قبل فقده.

والصحة امتحان قبل المرض.

والقوة امتحان قبل الضعف.

والمنصب امتحان قبل زواله.

فالابتلاء ليس دائمًا شيئًا يُسلب منك؛ قد يكون شيئًا يوضع في يدك ليرى ماذا تفعل به.

من الخاطر إلى مشروع الظلم

قال تعالى:

﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ۝ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 17–18].

لم يكن الأمر خاطرًا عابرًا.

لقد أصبح عزمًا وقرارًا وتخطيطًا.

ثم تحركوا لتنفيذه:

﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ۝ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ۝ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ۝ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 21–24].

وهنا يظهر خطر انتقال الشر من نية مستقرة إلى قرار جماعي ثم إلى خطة تنفيذ.

ولذلك لا نتحدث هنا عن مجرد حديث نفس، بل عن مشروع حرمان اكتملت ملامحه.

﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 18]… حين يُغلق الإنسان خطته على نفسه

قال:

﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 18].

وقيل في معناها إنهم لم يقولوا: إن شاء الله، وقيل لم يستثنوا للمساكين نصيبًا.

والجامع الذي تكشفه القصة أن خطتهم أُغلقت على إرادتهم وكأن الأمر أصبح مضمونًا بأيديهم.

لكن القرآن يفاجئهم:

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: 19].

خطتهم في جهة.

وتقدير ربهم في جهة أخرى.

﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 18].

ثم:

﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: 19].

فمهما أحكم الإنسان حساباته، يبقى الملك لله.

﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: 23]… حين يحب الظلم الصوت المنخفض

خرجوا يتخافتون:

﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 24].

والتخافت يصور طبيعة القرار.

هناك قرارات لا يحب أصحابها أن تُسمع؛ لأن النفس تعرف في داخلها أن فيها شيئًا لا يستقيم مع العدل والرحمة.

وقد يحدث ذلك في أسرة تتواطأ على حرمان وارث.

أو شركاء يتفقون على أكل حق ضعيف.

أو مؤسسة ترتب ظلمًا خلف الأبواب.

فالظلم الجماعي لا يصبح عدلًا لأن الجميع وافق عليه.

﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25]… وهم القدرة

خرجوا وهم يشعرون بالقدرة:

﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25].

يحددون من يدخل ومن يُمنع، ومن يأخذ ومن يُحرم.

لكن قبل وصولهم:

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ۝ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 19–20].

كانوا يخططون كيف يمنعون المسكين من الثمرة.

فاكتشفوا أنهم لا يملكون الثمرة أصلًا.

خرجوا:

﴿قَادِرِينَ﴾.

ثم قالوا:

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 27].

قد يخطط الإنسان كيف يمنع غيره مما بين يديه، فيكتشف أنه لم يكن يملك ما ظن أنه يملك.

قارون وصاحب الجنتين وأصحاب الجنة… ثلاثة وجوه لفتنة النعمة

قال قارون:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78].

وقال صاحب الجنتين:

﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34].

وقال القرآن عن أصحاب الجنة:

﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25].

عند قارون اختل سؤال:

من أين جاءت النعمة؟

وعند أصحاب الجنة اختل سؤال:

ماذا نفعل بالنعمة؟

وعند صاحب الجنتين ظهر وهم الكثرة والبقاء.

فتنة النعمة تبدأ حين ينسى الإنسان من أعطاه، ولماذا أعطاه.

فالنعمة لا تفسد الإنسان لأنها كثرت، وإنما حين تغير رؤيته لنفسه حتى يرى الملك ملكًا مطلقًا، والكثرة قوة ذاتية، والقدرة ضمانًا للمستقبل.

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: 28]… الجماعة تحتاج إلى ضمير

وسط الجماعة ظهر صوت:

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: 28].

وجود الصوت الناصح داخل الأسرة أو المؤسسة أو الجماعة نعمة.

فالقرار لا يصبح صوابًا لمجرد أن الأكثرية وافقت عليه.

وقد تتحول الأسرة أو المؤسسة أو الجماعة إلى بيئة يتواطأ أفرادها على قرار ظالم.

ولهذا تحتاج الجماعة دائمًا إلى صوت يذكّرها بالله، ويعيدها إلى الميزان حين تجرفها المصلحة.

حين احترقت الجنة ونجا القلب

عندما رأوا ما حدث قالوا أولًا:

﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم: 26].

ثم أدركوا الحقيقة:

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 27].

ثم جاء التذكير:

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: 28].

فقالوا:

﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم: 29].

لم يقولوا فقط: خسرنا المال.

بل قالوا:

ظلمنا.

وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي؛ حين ينتقل الإنسان من وصف ما حدث له إلى الاعتراف بما حدث منه.

ثم قالوا:

﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم: 32].

فقدوا الجنة، لكنهم استعادوا اتجاه القلب.

وقد يكون البلاء الذي يوقظ قلبك أرحم بك من نعمة توسع غفلتك.

وربما احترق البستان حتى ينجو الإنسان.

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: 35]… تصحيح الميزان

بعد قصة النعمة يأتي ميزان الجزاء:

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۝ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 34–36].

وهنا السؤال الذي يهز كل ميزان مختل:

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 36].

ليس المسلم والمجرم سواء.

ولا المصلح والمفسد سواء.

ولا من أدى الأمانة كمن خانها.

قد تختلط الموازين في الدنيا، لكن اختلاطها عند الناس لا يعني اختلاطها عند الله.

﴿قَادِرِينَ﴾ و﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]… سنة القدرة

قال عن أصحاب الجنة:

﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25].

ثم يأخذنا إلى مشهد الآخرة:

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: 42–43].

﴿قَادِرِينَ﴾.

ثم:

﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42].

وهنا سنة عميقة:

قدرة اليوم ليست ملكًا دائمًا.

فلا تغتر بما تستطيع فعله، بل اسأل نفسك: ماذا فعلت بالقدرة حين كانت بين يديك؟

كانوا في الدنيا:

﴿سَالِمُونَ﴾.

قادرين على السجود.

ثم جاء يوم يريدون فيه السجود:

﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42].

ومن أعظم نعم اليوم أنك ما زلت تستطيع أن تطيع.

فلا تؤجل سجدة، ولا خيرًا، ولا توبة، ولا رد مظلمة، حتى يأتي وقت تتمنى فيه القدرة التي أضعتها.

الأبصار… من الاستعلاء إلى الخشوع

في المشهد الأخروي:

﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: 43].

وفي ختام السورة:

﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: 51].

أبصار حادة تجاه حامل الوحي في الدنيا.

ثم أبصار خاشعة ترهقها الذلة في الآخرة.

فلا تجعل نظرة المستكبر اليوم تغير ميزانك؛ لأن المشهد لم ينته بعد.

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾… الإمهال ليس إهمالًا

قال تعالى:

﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: 44–45].

قد يطول أمد الباطل.

وقد تتوسع قوته.

وقد يظن الناس أن تأخر العقوبة دليل نجاة.

لكن السورة تصحح القراءة:

الإمهال ليس دليل رضا، وطول المدة ليس دليل إفلات.

وهذا يحرر حامل الحق من استعجال سقوط خصمه.

فليس عليه أن يحدد لله موعد النهاية.

أجر عند الله… لا تطلبه من الناس

ثم تقول السورة:

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: 46].

وفي أولها:

﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: 3].

يا لها من مقابلة.

له أجر، لكنه لا يطلبه منهم.

أجر حامل الرسالة عند الله.

ولهذا لا ينبغي أن يصبح ثناء الناس ورضاهم واعترافهم هو الوقود الذي يتحرك به.

حين تعرف من أين يأتي أجرك، تعرف ممن لا ينبغي أن تطلبه.

استعجال أصحاب الجنة وصبر حامل الرسالة

تكرر الصباح والحركة السريعة في قصة أصحاب الجنة:

﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17].

﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 21].

﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: 22].

تحركوا سريعًا لتنفيذ إرادتهم.

ثم يأتي الأمر لحامل الرسالة في ختام السورة:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48].

ليست كل سرعة حزمًا.

وأحيانًا تكون العبودية أن تتحرك فورًا، وأحيانًا تكون العبودية أن تصبر حتى يأتي حكم الله.

﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]… لا تستعجل النتيجة

قال تعالى:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: 48].

وهنا يكتمل بناء حامل الرسالة.

في أول السورة:

﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: 8].

ثم:

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9].

وفي آخرها:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48].

فلا تغير المبدأ تحت ضغط الخصوم.

ولا تترك الطريق تحت ضغط تأخر النتائج.

والاستدراج يعلمك ألا تستعجل نهاية خصمك.

وذكر صاحب الحوت يعلمك ألا تستعجل أنت النتيجة.

هم لهم إملاء الله.

وأنت عليك الصبر لحكم الله.

من ﴿مَجْنُونٍ﴾ إلى ﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52]

ثم تأتي الخاتمة:

﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ۝ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 51–52].

وهنا تعود السورة إلى بدايتها.

في أولها:

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2].

وفي آخرها يقولون:

﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: 51].

لكن آخر كلمة ليست لهم.

آخر كلمة لله:

﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52].

أرادوا أن يحصروا الرسالة في تهمة رجل.

ففتحها الله على العالمين.

بدأت السورة:

﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].

وانتهت:

﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52].

وبين القلم والذكر جاءت قصة الإنسان مع كل ما أعطاه الله.

أعطاه قلمًا: فماذا سطر؟

أعطاه لسانًا: فهل أصلح أم مشى بنميم؟

أعطاه مالًا: فهل شكر أم منع الخير؟

أعطاه قدرة: فهل عدل أم اغتر بأنه قادر؟

أعطاه جسدًا سالمًا: فهل سجد قبل أن يأتي يوم لا يستطيع؟

أعطاه رسالة: فهل ثبت أم داهن؟

وأعطاه وقتًا: فهل صبر لحكم ربه أم استعجل الموعد؟

ختاماً

سورة القلم سورة امتحان الأثر.

لا تسأل فقط: ماذا أعطاك الله؟

بل:

ماذا خرج منك بما أعطاك؟

فالقلم نعمة، ولكن أثره هو الامتحان.

واللسان نعمة، ولكن ما يمشي به بين الناس هو الامتحان.

والمال نعمة، ولكن حق الضعيف فيه هو الامتحان.

والقدرة نعمة، ولكن أين استعملتها هو الامتحان.

والوقت نعمة، ولكن هل صبرت فيه لحكم الله هو الامتحان.

والرسالة نعمة، ولكن هل ثبتَّ عليها حين ضغط عليك الناس هو الامتحان.

وهكذا تبني السورة حامل الرسالة من الداخل:

لا تجعل التهمة تعرّفك.

ولا تجعل الكلمة تفسدك.

ولا تجعل المال يخدعك.

ولا تجعل القدرة تغرّك.

ولا تجعل كثرة الباطل تستعجلك.

ولا تجعل تأخر النتيجة يخرجك من موقعك.

واحمل القلم بخُلُق، والنعمة بشكر، والقدرة بطاعة، والرسالة بصبر.

فالمعركة أضيق من الرسالة، والخصومة أقصر من الطريق، وما تحمله أكبر من ضجيج اللحظة:

﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 52].

✍️ د. وائل علي فرج

سنن التنزيل

https://whatsapp.com/channel/0029VbDDpKS5K3zNQvKRCu1k

شارك المقال