سنن التنزيل
دراسةُ سورة البقرة · الجزء 5 من 11

سورة البقرة — المحور الخامس: البر والتقوى في حياة الأمة: من حقيقة الإيمان إلى حفظ الحقوق والصيام والحج

  • 21 دقيقةً للقراءة
  • 32 آيةً

حقيقة البر في القرآن تتجاوز الشعائر والمظاهر المجردة، لتصنع منظومة متكاملة تترجم صدق الإيمان إلى عدل يحفظ الحقوق والدماء وضبط للنفس في العبادات والمعاملات.

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177] البقرة: 177.

بعد أن عرضت السورة امتحان الاستجابة في تحويل القبلة، وبيّنت أن الله جعل المؤمنين أمة وسطًا لتكون شهيدة على الناس، تأتي هذه الآية لتقرر حقيقة البر الذي ينبغي أن تقوم عليه حياة هذه الأمة.

فالبر لا يقتصر على التوجه إلى جهة معينة، مع وجوب الالتزام بالقبلة التي أمر الله بها، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان في إيمانه وعبادته وأخلاقه ومعاملاته.

وهذا لا يعني التقليل من شأن الشعائر، وإنما يعني رفض الفصل بينها وبين بقية أوامر الله.

فقد يحرص الإنسان على بعض مظاهر العبادة، ثم يقصر في حقوق الناس، أو يظن أن استقامته في جانب من حياته تعفيه من مسؤولياته في الجوانب الأخرى.

لكن القرآن يقدم صورة متكاملة للبر.

فيبدأ بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.

ثم يقول تعالى:

﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177].

وهنا يظهر أثر الإيمان في علاقة الإنسان بالمال.

فالمال محبوب إلى النفس، والإنسان يحتاج إليه في حياته، لكن صدق البر يظهر حين يستطيع أن يقدم منه ما أمر الله به، وأن يلتفت إلى حاجات الآخرين.

واللافت تنوع الجهات التي ذكرتها الآية.

فذوو القربى لهم حقوقهم، واليتامى والمساكين يحتاجون إلى الرعاية، وابن السبيل قد تنقطع به أسباب الوصول إلى ماله أو أهله، والسائل قد تدفعه الحاجة إلى طلب العون، وفي الرقاب باب من أبواب تحرير الإنسان من الرق وما يتصل به من أحكامه.

وهذا يقرر أن الإحسان ليس عاطفة مجردة، وإنما عمل يصل إلى المحتاجين ويحفظ كرامتهم.

ثم يقول تعالى:

﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 177].

فالصلاة والزكاة لا تنفصلان عن حقيقة البر.

وقد ذكر القرآن إيتاء المال قبل الزكاة، ثم ذكر الزكاة، مما يدل على أن أبواب البذل والإحسان لا تنحصر في الزكاة الواجبة وحدها.

فقد يؤدي الإنسان زكاته، ثم تبقى أمامه حاجات وحقوق وأبواب خير يُشرع له أن يسهم فيها.

ثم يقول تعالى:

﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177].

وهنا يعود معنى العهد الذي تكرر في السورة منذ خطاب بني إسرائيل.

فالإيمان لا يكتمل أثره في حياة الإنسان إذا كان يتعامل مع العهود والوعود باستخفاف.

وقد يكون العهد بين فردين، أو بين شركاء، أو بين جماعات ودول.

وفي جميع ذلك ينبغي أن يكون الوفاء أصلًا في التعامل، مع مراعاة الأحكام الشرعية المتعلقة بالعهود.

ثم يقول تعالى:

﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177].

وهنا يعود الصبر الذي افتتح به المقطع السابق.

لكن الآية تعرضه في ميادين متعددة: البأساء والضراء وحين البأس.

فالمؤمن يحتاج إلى الصبر عند الحاجة والضيق، وعند المرض والمصيبة، وعند مواجهة الشدائد.

ولا يعني الصبر ترك العمل أو قبول الظلم، وإنما الثبات على ما يرضي الله مع بذل الأسباب المشروعة.

ثم تختم الآية بقوله تعالى:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].

وهنا يظهر أن الصدق ليس مجرد مطابقة القول لما في النفس، بل يشمل صدق الإيمان الذي يظهر أثره في العمل.

فقد بدأت السورة بوصف المتقين، ثم جاءت هذه الآية لتعرض صورة واسعة من أعمالهم.

فالبر في ميزان القرآن إيمان يثمر عبادة وعدلًا وإحسانًا ووفاءً وصبرًا، ولا يجوز اختزاله في جانب واحد من حياة الإنسان.

ومن هنا تنتقل السورة إلى أحكام تحفظ حياة الناس وحقوقهم.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] البقرة: 178.

وهنا يأتي تشريع القصاص بعد الحديث عن البر.

وقد يظن بعض الناس أن البر والإحسان يتعارضان مع العقوبة العادلة، لكن القرآن يبين أن حفظ المجتمع يحتاج إلى الرحمة والعدل معًا.

فالقصاص ليس دعوة إلى الانتقام الفردي، وإنما حكم شرعي له شروطه وضوابطه، وتطبيقه من اختصاص السلطة القضائية المختصة، لا الأفراد الذين يتصرفون بدافع الغضب.

وقد جاء التشريع ليضبط التعامل مع جريمة القتل، ويحفظ الدماء من أن تتحول إلى سلسلة من الاعتداءات والثارات.

ثم يقول تعالى:

﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178].

وهنا يظهر باب العفو وما يترتب عليه من أحكام.

فالعدل لا يمنع العفو المشروع، والعفو لا يعني إهدار الحقوق أو فرض التنازل على أصحابها.

وإنما يفتح القرآن بابًا للمعروف والإحسان في إطار الحكم الشرعي.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] البقرة: 179.

وهذه الآية تقرر مقصدًا عظيمًا من مقاصد القصاص: حفظ الحياة.

فقد تكون العقوبة العادلة سببًا في ردع من يفكر في الاعتداء على النفوس، وحماية المجتمع من انتشار القتل والثأر.

واللافت أن الآية تختم بالتقوى.

فحتى حين يتعامل المجتمع مع جريمة عظيمة كالقتل، ينبغي أن يظل ملتزمًا بحدود الله، وألا يتحول طلب العدل إلى ظلم جديد.

وهذا المعنى يحتاج إليه الأفراد والمجتمعات والدول.

فليس كل استعمال للقوة عدلًا، ولا كل عقوبة إصلاحًا، وإنما العبرة بمشروعيتها وضوابطها وتحقيقها للحق.

ثم تنتقل السورة إلى الوصية:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 180] البقرة: 180.

وهذه الآية من مواضع الأحكام التي ينبغي فهمها في ضوء آيات المواريث والسنة النبوية، وما قرره الفقهاء بشأن الوصية للوارث وغير الوارث.

ولا يصح أن نعرضها بمعزل عن التشريع اللاحق في المواريث، أو أن نجزم بحكم تفصيلي دون بيان مستنده.

لكن من هداياتها أن حقوق الناس لا تنتهي باقتراب الموت، وأن الإنسان مطالب بالعدل والأمانة فيما يتركه من مال.

ثم يقول تعالى:

﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: 181] البقرة: 181.

وهنا يظهر التحذير من تغيير الوصية على وجه محرم.

فقد يطمع بعض الناس في مال لا يستحقونه، أو يستغلون وفاة صاحبه لتغيير ما أوصى به من حق.

ثم يقول تعالى:

﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 182] البقرة: 182.

وهنا يظهر الفرق بين التبديل المحرم والإصلاح المشروع.

فليس كل تغيير في صورة الوصية اعتداءً، إذا كان المقصود إصلاح خطأ أو ظلم وفق أحكام الشرع.

وهذا يقرر أن حفظ الحقوق يحتاج إلى معرفة وعدل، لا إلى التمسك الشكلي بما قد يكون مخالفًا للحكم الشرعي.

ثم تنتقل السورة إلى عبادة الصيام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] البقرة: 183.

وهنا تأتي عبادة عظيمة بعد أحكام تتعلق بالدماء والأموال والحقوق.

واللافت أن القرآن يبين مقصد الصيام بقوله:

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21، 63، 179، 183].

فالصيام ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب ساعات محددة، مع أن هذا الامتناع جزء أساسي من حقيقته الشرعية.

وإنما هو عبادة يتربى بها المؤمن على مراقبة الله، وضبط النفس، والاستجابة لأمره.

فالإنسان يترك ما أحله الله له في الأصل من الطعام والشراب خلال وقت الصيام، امتثالًا لأمره.

وهنا يتعلم أن رغباته ليست هي التي تحدد وحدها ما يفعل وما يترك.

وقد يستطيع الإنسان أن يأكل بعيدًا عن أعين الناس، لكنه يمتنع لأنه يعلم أن الله يراه.

وهذه المراقبة ينبغي أن يظهر أثرها بعد رمضان، في أمانته وصدقه وتعاملاته.

فمن امتنع عن الحلال في وقت الصيام طاعة لله، ينبغي أن يكون أشد حرصًا على اجتناب الحرام في سائر أوقاته.

فثمرة الصيام لا تقاس بالجوع الذي يشعر به الإنسان وحده، وإنما بما يتركه الصيام في قلبه وسلوكه من تقوى.

ثم يقول تعالى:

﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] البقرة: 184.

وهنا يظهر التيسير في التشريع.

فالصيام فريضة محددة بأيام، وليس تكليفًا دائمًا بالامتناع عن الطعام والشراب.

ثم يذكر القرآن رخصة المريض والمسافر، وما يتعلق بالفدية في موضعها من التشريع.

وتحتاج تفاصيل هذه الأحكام إلى الرجوع إلى مجموع النصوص والبيان الفقهي، ولا سيما ما يتعلق بأحوال المرض والعجز والفدية.

لكن المعنى الواضح أن الله لم يشرع الصيام ليوقع عباده في الحرج الذي لا تحتمله أحوالهم، وإنما شرعه عبادة مقرونة بالرحمة والحكمة.

ثم يقول تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185] البقرة: 185.

وهنا يتصل الصيام بالقرآن.

فقد بدأت السورة بقوله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].

والآن يذكر القرآن أنه أنزل في شهر رمضان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

فالصيام ليس عبادة منفصلة عن الوحي، وإنما يأتي في الشهر الذي شرفه الله بإنزال القرآن.

ومن هنا ينبغي أن يكون رمضان موسمًا لتجديد العلاقة بالقرآن تلاوة وتدبرًا وعملًا.

وقد يكثر الإنسان من قراءة القرآن في رمضان، وهذا خير عظيم، لكن ينبغي ألا تنفصل القراءة عن أثرها في حياته.

فليس المقصود أن ننتهي من عدد من الختمات ثم نعود إلى الظلم أو الغش أو القطيعة أو أكل الحقوق.

بل أن يزداد الإنسان قربًا من هداية الله.

ثم يقول تعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

وهنا تظهر رحمة الله في أحكام الصيام.

لكن اليسر لا يعني إسقاط التكليف لمجرد وجود مشقة معتادة، كما أن الالتزام بالتكليف لا يعني رفض الرخص التي شرعها الله.

فالعبادة تقوم على امتثال أمره في العزيمة والرخصة بحسب حال العبد.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].

وهنا يجتمع إكمال العبادة وتعظيم الله وشكره على الهداية.

فالمؤمن لا ينظر إلى الصيام باعتباره إنجازًا شخصيًا يستغني به عن ربه، وإنما يشكر الله الذي هداه وأعانه.

ثم تأتي آية الدعاء:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186] البقرة: 186.

وهذه الآية من أعظم ما يفتح للمؤمن باب الطمأنينة والافتقار إلى الله.

واللافت أنها جاءت بين آيات الصيام.

ففي العبادة التي يتعلم فيها الإنسان ضبط شهواته، يذكره الله بقربه وإجابته لدعاء عباده.

وهنا يظهر أن الصيام ليس مجرد مجاهدة للنفس، وإنما عبادة تقرب العبد من ربه.

لكن قرب الله لا يعني أن الإنسان يحيط بكيفيته، ولا أن الله يحل في خلقه، تعالى الله عن ذلك.

وإنما نؤمن بما أخبر به سبحانه من قربه وإجابته للدعاء على الوجه اللائق بجلاله.

كما أن إجابة الدعاء لا تعني بالضرورة حصول كل مطلوب في الصورة والوقت اللذين يحددهما الداعي.

فالله أعلم بما يصلح لعباده، وقد يعطيهم ما سألوا، أو يصرف عنهم من السوء، أو يدخر لهم من الأجر ما يشاء.

ثم يقول تعالى:

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].

وهنا يظهر التلازم بين الدعاء والاستجابة.

فالمؤمن لا يجعل الدعاء بديلًا عن الطاعة، ولا يجعل العمل سببًا للاستغناء عن الدعاء.

وقد رأينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد البيت ثم يقولان:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127].

والآن يأتي الأمر بالاستجابة لله مع الوعد بإجابة الدعاء.

فالعبد يعمل امتثالًا لأمر الله، ويدعوه افتقارًا إلى فضله، ويعلم أن التوفيق والقبول بيده سبحانه.

ثم يقول تعالى:

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] البقرة: 187.

وهنا تظهر رحمة الله في تنظيم العلاقة الزوجية حتى في شهر الصيام.

واللافت وصف الزوجين باللباس.

فاللباس يستر الإنسان ويقيه، وفي هذا التعبير معنى القرب والستر والسكن بين الزوجين.

لكن ينبغي ألا نحصر معنى الآية في تشبيه واحد نستخرج منه كل تفصيل في العلاقة الزوجية؛ فالقرآن يستعمل التعبير البليغ الذي يجمع معاني القرب والستر والمخالطة.

ثم يبين الله ما أحله في ليالي الصيام من الأكل والشرب والعلاقة الزوجية إلى طلوع الفجر، ثم يأمر بإتمام الصيام إلى الليل.

ويقول تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187].

وهنا يظهر أن العبادة تحتاج إلى حدود واضحة، وأن صدق التقوى يظهر في احترام هذه الحدود.

فالإنسان لا يملك أن يغير أوقات الصيام أو أحكامه بحسب هواه.

ثم يقول تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187].

فتعود التقوى التي بدأت بها آيات الصيام.

ثم ينتقل القرآن إلى المال:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188] البقرة: 188.

وهنا يأتي الانتقال من الصيام إلى حفظ الأموال.

وقد يبدو الموضوعان مختلفين، لكن بينهما صلة واضحة في تربية الإنسان على التقوى.

فالذي امتنع عن الطعام والشراب المباحين في وقت الصيام امتثالًا لأمر الله، لا يجوز أن يطلق شهوته في أموال الناس فيأخذها بغير حق.

واللافت أن الآية تحذر من استعمال الحكام وسيلة للوصول إلى المال المحرم.

فقد يلجأ الإنسان إلى القضاء أو أصحاب السلطة، ويستعمل الحجج أو النفوذ أو الرشوة ليحصل على مال يعلم أنه ليس من حقه.

لكن صدور حكم ظاهري لصالحه لا يجعل المال الحرام حلالًا عند الله إذا كان قد أخذه بغير حق.

وهذا المعنى يحتاج إليه الأفراد والمؤسسات والدول.

فليس كل ما يستطيع الإنسان الحصول عليه بالقوة أو الحيلة أو استغلال ثغرات الإجراءات يصبح حقًا له.

فالحق لا تصنعه القدرة على الاستيلاء، ولا يتحول الباطل إلى عدل لمجرد أن صاحبه وجد وسيلة لإضفاء المشروعية الظاهرية عليه.

ثم يقول تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] البقرة: 189.

وهنا يوجه القرآن النظر إلى وظيفة الأهلة في حياة الناس.

فهي مواقيت تضبط بها شؤونهم وعباداتهم، ومنها الحج.

وهذا لا يمنع دراسة الظواهر الفلكية ومعرفة أسبابها، وإنما يبين ما يتعلق بها من منفعة للناس في هذا السياق.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189].

وقد وردت الآية في شأن عادة كانت معروفة عند بعض الناس في الإحرام.

ولا ينبغي أن نجعلها مجرد مثل عام عن حسن التخطيط أو اتباع الإجراءات، مع إغفال سببها وسياقها.

لكن يمكن أن نستفيد من معناها أن البر لا يقوم على ممارسات يتوهم الإنسان أنها تقربه إلى الله دون أن يشرعها.

فالتقوى ليست في اختراع صور من المشقة، وإنما في اتباع ما أمر الله به.

ثم تنتقل السورة إلى أحكام القتال:

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] البقرة: 190.

وهنا يقرر القرآن مشروعية القتال في سبيل الله ضمن أحكامه وضوابطه، ويقرن الأمر بالنهي الصريح عن الاعتداء.

وهذا الاقتران بالغ الأهمية.

فحتى حين يكون القتال مشروعًا، لا تصبح جميع الوسائل مباحة.

ولا يجوز أن يتحول دفع العدوان إلى ذريعة لتجاوز حدود الله.

فالقتال في الإسلام ليس مجرد إطلاق للقوة، وإنما له أحكام تتعلق بأسبابه ووسائله ومن يجوز قتاله ومن لا يجوز، وما يجب حفظه من الحقوق.

ولهذا ينبغي أن تُفهم هذه الآيات في ضوء مجموع النصوص وأحكام الشريعة، لا أن تُقتطع منها عبارات لتبرير كل صراع أو كل استعمال للسلاح.

ثم يقول تعالى:

﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191] البقرة: 191.

وهذه الآية تأتي في سياق القتال والعدوان والإخراج من الديار، ولا يجوز تعميمها على كل مخالف في الدين أو جعلها أمرًا بقتل الناس لمجرد اختلافهم في الاعتقاد.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: 191].

وهنا يظهر تعظيم حرمة المسجد الحرام، مع بيان ما يتعلق بدفع الاعتداء في هذا الموضع.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 192] البقرة: 192.

وهنا يظهر أن القتال ليس مطلوبًا لذاته، وأن انتهاء سبب العدوان له أثره في الحكم.

ثم يقول تعالى:

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193] البقرة: 193.

وهذه الآية تحتاج إلى فهم منضبط لمعنى الفتنة وسياق القتال، مع مراعاة سائر النصوص المتعلقة بحرية الاعتقاد وأحكام الحرب والسلم.

ولا يجوز أن نجعلها تفويضًا مفتوحًا لإكراه الناس على الإيمان أو الاعتداء عليهم.

ثم يقول تعالى:

﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194] البقرة: 194.

وهنا يظهر مبدأ التناسب وعدم تجاوز الحد في رد الاعتداء.

فالقرآن لا يأمر بالاستسلام للظلم، لكنه لا يبيح كذلك أن يصبح الرد ظلمًا جديدًا.

ثم يختم الأمر بالتقوى.

وهذا يقرر أن التقوى ليست مطلوبة في حال السلم وحده، وإنما تظل واجبة حين يشتد الصراع.

فالمؤمن لا يخرج عن حدود الله حين يواجه عدوانًا، كما أنه لا يجعل الخوف من الظلم سببًا لترك ما شرعه الله من دفعه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] البقرة: 195.

وهنا يعود الحديث عن الإنفاق، لكن في سياق يرتبط بما تحتاج إليه الجماعة من بذل.

وقد ورد في تفسير الآية بيان يتعلق بخطورة ترك الإنفاق في سبيل الله والانشغال بالأموال على حساب الواجب.

ولا يصح أن نفصل قوله:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]

عن سياقه، ثم نجعله حكمًا جاهزًا على كل موقف فيه مخاطرة.

كما لا يصح أن نجعل الآية مبررًا للإقدام المتهور الذي يهدر النفوس دون مراعاة الأحكام والمآلات.

فالإنسان مأمور بحفظ نفسه، وبذل الأسباب، والقيام بما كلفه الله به، مع التمييز بين المخاطرة المشروعة والتهور المحرم.

ثم يختم بقوله:

﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

وهنا يظهر أن الإحسان ينبغي أن يصاحب العمل والبذل، لا أن يكون مجرد نية حسنة منفصلة عن صحة الوسيلة.

ثم تنتقل السورة إلى أحكام الحج والعمرة:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] البقرة: 196.

وهنا يظهر أن العبادة ينبغي أن تكون لله، وأن تؤدى وفق ما شرعه.

ثم تبين الآيات أحكامًا تتعلق بالإحصار والهدي والحلق والفدية والتمتع.

وهذه الأحكام لها تفصيلاتها الفقهية، ولا ينبغي اختزالها في عبارات عامة قد توهم أن جميع الأحوال سواء.

لكن المعنى الذي يجمعها أن الحج عبادة منظمة بأحكام وحدود، وأن الإخلاص لا يغني عن اتباع السنة، كما أن صحة الصورة الظاهرة لا تغني عن صدق النية.

ثم يقول تعالى:

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] البقرة: 197.

وهنا يظهر أن الحج ليس مجرد انتقال إلى مكان مقدس وأداء أعمال محددة، وإنما عبادة تتطلب انضباط السلوك.

فالرفث والفسوق والجدال المذموم أمور ينبغي اجتنابها في الحج.

ثم يقول تعالى:

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197].

وهنا يعود التذكير بعلم الله.

فقد يكون الحاج وسط جموع عظيمة، ولا يعرف الناس ما قدمه من خير أو ما كف نفسه عنه من أذى، لكن الله يعلمه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].

وهنا يجمع القرآن بين التزود للحياة والتزود للآخرة.

فالإنسان يحتاج إلى ما يعينه في سفره من أسباب مادية، لكن أعظم ما يحمله في قلبه هو تقوى الله.

ولا ينبغي أن نفهم التوكل على أنه ترك الاستعداد أو الاعتماد على الآخرين دون حاجة مشروعة.

فالأخذ بالأسباب لا يناقض التقوى، بل قد يكون من مقتضاها.

ثم يقول تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] البقرة: 198.

وهنا يرفع القرآن الحرج عن التجارة المباحة في الحج.

وهذا يقرر أن العبادة لا تعني الانقطاع عن كل مصالح الدنيا المشروعة.

لكن ينبغي أن تبقى هذه المصالح في حدود الحلال، وألا تصرف الإنسان عن أداء النسك على وجهه.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198].

وهنا يظهر ارتباط المناسك بذكر الله.

فالحركة بين المشاعر ليست مجرد انتقال جغرافي، وإنما عبادة يتجدد فيها الذكر والتعظيم والاستجابة.

ثم يقول تعالى:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] البقرة: 199.

وهنا يظهر الاستغفار في سياق العبادة.

فالعبد بعد أداء النسك لا يقف عند شعوره بأنه أنجز عملًا عظيمًا، بل يستغفر الله.

وقد رأينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد البيت ثم يسألان الله القبول والتوبة.

وهنا يأتي الاستغفار بعد أعمال الحج.

وهذا يعلمنا أن المؤمن لا يجعل الطاعة بابًا للعجب، وإنما يظل محتاجًا إلى رحمة الله ومغفرته.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200] البقرة: 200.

وهنا يظهر أن الذكر لا ينتهي بانتهاء النسك.

فالحج ينبغي أن يترك في حياة المؤمن أثرًا يتجاوز أيام المناسك.

ثم يذكر القرآن اختلاف الناس في الدعاء:

﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 200].

وهنا يعرض صورة من يحصر مطلوبه في الدنيا، ولا يجعل للآخرة نصيبًا من اهتمامه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] البقرة: 201.

وهذا الدعاء يجمع خير الدنيا والآخرة.

فالقرآن لا يطلب من المؤمن أن يهمل مصالح دنياه، ولا أن يجعل الدنيا غايته النهائية.

بل يسأل الله الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة والوقاية من النار.

وهذا يقرر توازنًا عظيمًا في حياة المؤمن.

فهو يعمل لكسب رزقه، ويعتني بأسرته وصحته ومجتمعه، ويسعى إلى الإصلاح والعمران، لكنه لا ينسى الآخرة.

ولا يجعل النجاح الدنيوي وحده معيار الفلاح.

ثم يقول تعالى:

﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: 202] البقرة: 202.

وهنا يعود الحديث عن الكسب والحساب.

فحياة الإنسان مجال للعمل، والآخرة دار الجزاء.

ثم يقول تعالى:

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [البقرة: 203] البقرة: 203.

وهنا يذكر القرآن حكمًا من أحكام أيام الحج، وما شرعه الله من التيسير في التعجل والتأخر.

لكن اللافت أن الآية تربط ذلك بالتقوى.

فليس الفضل في مجرد اختيار صورة من الصور المشروعة، وإنما في أداء العبادة على الوجه الذي يرضي الله.

ثم يقول تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203].

وهنا تأتي خاتمة هذا المقطع العظيم بالتقوى والحشر.

وقد بدأ ببيان حقيقة البر، ثم عرض أحكام القصاص والوصية والصيام والمال والقتال والحج.

وفي جميع ذلك يتكرر معنى واحد: أن الإيمان ينبغي أن يتحول إلى استجابة عملية تضبط حياة الإنسان.

فالبر ليس مجرد شعار.

والعدل ليس مجرد مطالبة بحقوقنا.

والصيام ليس مجرد جوع وعطش.

والدعاء ليس بديلًا عن العمل.

والحج ليس مجرد انتقال بين المشاعر.

والتقوى ليست حالة وجدانية تنفصل عن الحقوق والأحكام.

بل هي مراقبة الله والاستجابة لأمره في جميع هذه الميادين.

وهكذا يتضح أن الأمة التي جعلها الله وسطًا لتكون شهيدة على الناس لا تستطيع أداء مسؤوليتها ما لم تظهر هداية الوحي في عبادتها ومعاملاتها، وفي تعاملها مع المال والنفوس والحقوق، وفي استعمالها للقوة، وفي صلتها بربها.

لكن السورة لا تكتفي ببيان الأحكام، بل تنتقل إلى امتحان آخر يتعلق بحقيقة الإنسان حين يتحدث عن الخير، ثم يظهر أثر قوله في سلوكه.

فقد يكون الكلام جميلًا، لكن العمل يناقضه.

وقد يرفع الإنسان شعار الإصلاح، ثم يسعى في الأرض فسادًا.

وهنا يأتي قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204] البقرة: 204.

فتنتقل السورة من بيان حقيقة البر في الإيمان والتشريع إلى امتحان صدق الإنسان حين تتعارض أقواله مع أفعاله، وحين يصبح ما يدعيه من صلاح موضع اختبار في الواقع.

شارك المقال