سنن التنزيل
مقال

الامتحان الحقيقي للأخلاق

  • 3 دقائق للقراءة
  • آيتان

امتحان الأخلاق الحقيقي يتجلى عند الخصومة والغضب بتقديم مرضاة الله على هوى النفس، ومقابلة الإساءة بالإحسان بوصفها عبادةً إيمانية لا معاملة قائمة على المقابل.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:

ليس من الصعب أن تبتسم لمن يبتسم لك، أو أن تحسن إلى من أحسن إليك، أو أن تحب من يحبك، أو أن تثني على من أثنى عليك؛ فهذه أمور تميل إليها النفوس بطبيعتها، وتنسجم معها الفطرة البشرية.

لكن الامتحان الحقيقي للأخلاق يبدأ حين تتعارض رغبة النفس مع أمر الله.

يبدأ حين يسيء إليك إنسان، ثم يدعوك القرآن إلى الإحسان.

وحين يظلمك أحد، ثم يأمرك الله بالعدل.

وحين تملك القدرة على الانتقام، ثم تختار العفو ابتغاء مرضاة الله.

هناك يظهر الفرق بين أخلاق تصنعها المصالح، وأخلاق يصنعها الإيمان.

ولهذا لم يكتف القرآن بالدعوة إلى مقابلة الحسنة بالحسنة، بل ارتقى بالمؤمن إلى منزلة أعلى، فقال سبحانه:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].

فالإحسان إلى المحسن عدل، أما الإحسان إلى المسيء فهو مرتبة لا يبلغها إلا من امتلأ قلبه بمعرفة الله، ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى:

﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

فكم من خصومة أنهتها كلمة طيبة، وكم من عداوة أذابها عفو صادق، وكم من قلب أغلقته القسوة وفتحته الرحمة.

ومن هنا يتبين أن حسن الخلق لا يُقاس بما يكون في أوقات الصفاء، وإنما بما يبقى حاضرًا عند الغضب والاختلاف. فالناس جميعًا يحسنون إذا أُحسن إليهم، أما المؤمن فيحسن لأنه يعبد الله، لا لأنه ينتظر المقابل من الناس.

ولهذا قال سبحانه:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

فجاءت كلمة ﴿لِلنَّاسِ﴾ واسعةً تشمل الموافق والمخالف، والقريب والبعيد، لأن أخلاق المسلم لا تتغير بتغير الأشخاص، وإنما تستمد ثباتها من طاعة الله.

وهنا يظهر سر عظيم من أسرار هذا الدين.

فالله لم يأمرنا بحسن الخلق لأن الناس يستحقونه دائمًا؛ فكم في الناس من يخطئ ويقصر ويظلم. ولو كان حسن الخلق مبنيًا على استحقاق الناس، لما بقي له وجود إلا في ساعات الرضا.

ولكن الله أمرنا به لأننا نحن عباده.

فنصدق لأن الله يحب الصادقين.

ونعدل لأن الله يأمر بالعدل.

ونرحم لأن الله يحب الراحمين.

ونعفو لأن الله يحب العافين عن الناس.

ونحسن لأن الله يحب المحسنين.

فالأخلاق في الإسلام عبادة قبل أن تكون معاملة.

ولهذا كان حسن الخلق من أثقل الأعمال في الميزان؛ لأنه مجاهدة مستمرة للنفس. مجاهدة للغضب إذا ثار، وللكبر إذا تسلل، ولحب الانتصار للنفس إذا غلب، حتى يقدم المؤمن ما يحبه الله على ما تهواه نفسه.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق.»

فالعبادة قد يستطيع الإنسان أن يخفيها عن الناس، أما الخلق فإنه يظهر في كل معاملة، ويكشف حقيقة ما استقر في القلب.

ولهذا كانت الخصومات من أعظم ميادين الامتحان.

ففي الرضا يتشابه الناس، أما عند الغضب فتظهر الأخلاق.

وفي الوفاق يسهل حسن المعاملة، أما عند الاختلاف فتظهر حقيقة التربية الإيمانية.

ومن هنا ندرك أن الإسلام لا يريد من أتباعه أن يحملوا الحق فحسب، بل أن يحملوه بأخلاق الحق.

فكم من كلمة حق أفسدها سوء الأسلوب، وكم من قضية عادلة نفَّر الناس منها غلظة أصحابها، وكم من إنسان أحب الإسلام حين رآه في خلق مسلم قبل أن يسمعه في كلامه.

ولهذا كان نبينا ﷺ أعظم الناس خلقًا؛ فقد رأى الناس الإسلام في رحمته قبل أن يسمعوه من لسانه، ورأوا الصدق في معاملته، والعفو في مواقفه، والعدل في أحكامه، حتى كانت سيرته أعظم دعوة إلى الله.

وما أحوج أمتنا اليوم إلى هذا المعنى.

فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدل بقدر حاجته إلى مزيد من الصدق، ولا إلى كثرة الخصومات بقدر حاجته إلى الرحمة، ولا إلى أصوات تعلو، بل إلى أخلاق تعلو.

فالناس قد يختلفون حول كثير من الأفكار، لكنهم لا يختلفون على جمال الصدق، والعدل، والرحمة، والعفو، والإحسان.

فلنحاسب أنفسنا عند كل موقف: هل انتصرنا لأنفسنا، أم انتصرنا لما يحبه الله؟

وهنا يظهر الامتحان الحقيقي للأخلاق.

نسأل الله أن يرزقنا حسن الخلق، وأن يطهر قلوبنا من الكبر والحقد، وأن يجعلنا ممن إذا قدر عفا، وإذا اختلف عدل، وإذا غضب حلم، وإذا عامل الناس رأوا في أخلاقه أثر الإيمان.

شارك المقال