سورة البقرة — المحور الأول: هداية الوحي وابتلاء الإنسان: من أصناف الاستجابة إلى عهد الهداية
هداية الوحي تضع الإنسان أمام امتحان الاستجابة الصادقة، حيث ينقسم الناس بين متقٍ يثمر إيمانه عملاً، ومستكبرٍ أو منافقٍ ينقض العهد، ليظل اتباع أمر الله طريق النجاة الوحيد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] البقرة: 1–2.
تفتتح سورة البقرة بالحروف المقطعة، التي نؤمن بأنها من كلام الله، ولا نجزم بمعنى مخصوص لها لم يثبت به دليل. ثم يأتي الحديث عن الكتاب الذي لا ريب فيه، وأنه هدى للمتقين.
وهذه البداية تضعنا أمام القضية التي تنتظم السورة: هداية الله للإنسان، وامتحان صدق استجابته لهذه الهداية، وبناء الأمة التي تحمل مسؤولية العمل بها والشهادة على الناس.
فالقرآن ليس كتابًا يكتفي الإنسان بمعرفة ألفاظه، وإنما هو هداية تُتلقى بالإيمان، وتظهر آثارها في العبادة والأخلاق والحقوق والمعاملات.
وقد وصف الله الكتاب بأنه:
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2].
فهو حق من عند الله، لا يتطرق إليه الريب في نفسه، وإن وقع الشك في قلوب بعض الناس بسبب مواقفهم من الوحي.
ثم قال:
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].
والقرآن هدى للناس، لكن المتقين هم الذين ينتفعون به انتفاع الاستجابة والاتباع.
وهنا تظهر حقيقة مهمة: أن وجود الهداية بين أيدي الناس لا يعني أنهم جميعًا يسلكون طريقها.
فقد يسمع الإنسان الحق ثم يقبله، وقد يسمعه فيعرض عنه، وقد يظهر قبوله ويخفي خلاف ذلك.
ولهذا بدأت السورة بعرض مواقف الناس من الوحي.
قال تعالى:
وهنا يجمع القرآن بين الإيمان والعبادة والإنفاق.
فالإيمان بالغيب يقرر أن الإنسان لا يحصر الحقيقة فيما تدركه حواسه، وإنما يؤمن بما أخبر الله به من الغيب.
وإقامة الصلاة تظهر أثر هذا الإيمان في صلة العبد بربه.
والإنفاق يظهر أثره في علاقته بالمال والناس.
وهذا الجمع منذ مطلع السورة يكشف أن التقوى ليست مجرد اعتقاد في القلب، ولا مجرد ممارسة شعائر منفصلة عن الحياة، وإنما إيمان يثمر عملًا.
ثم يقول تعالى:
فالمؤمن لا يتعامل مع الرسالات الإلهية بمنطق الانتقاء الذي تحكمه العصبية أو المصلحة، بل يؤمن بما أنزل الله على رسله.
وهذا المعنى سيتكرر في السورة حين تعرض مواقف بني إسرائيل من الرسل والكتب، ثم حين تعلن الأمة المؤمنة في خاتمتها:
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] البقرة: 285.
أما اليقين بالآخرة، فيجعل الإنسان يدرك أن حياته لا تنتهي بالموت، وأن أعماله وحقوق الناس عليه ليست أمورًا تنقضي بانتهاء الدنيا.
فمن يؤمن بالحساب ينبغي أن يظهر أثر هذا الإيمان في صدقه وأمانته وعدله.
ثم يقول تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] البقرة: 5.
وهنا يربط القرآن الفلاح بالهداية التي تأتي من الله، وبالاستجابة التي ظهرت في صفات المتقين.
فالفلاح في ميزان القرآن لا يقتصر على ما يحققه الإنسان من مال أو مكانة أو قوة، وإنما يقوم على هداية الله وما يترتب عليها من خير الدنيا والآخرة.
ثم تنتقل السورة إلى الذين كفروا:
وهنا تصف الآيات حالًا من الإعراض عن الإيمان، بلغ بأصحابه أن الإنذار لا ينفعهم.
ولا ينبغي أن نحول هذا الوصف إلى حكم نصدره نحن على أشخاص معينين، فنقرر أن قلوبهم مختومة وأنهم لن يؤمنوا.
فالله أعلم بالقلوب والمآلات.
لكننا نستفيد من الآيات خطورة الإصرار على الكفر والإعراض عن الحق، وأن الإنسان ينبغي ألا يستهين بما يفعله تكرار الرفض والعناد في قلبه.
وقد يعتاد الإنسان رد الموعظة حتى يصبح سماعها أمرًا لا يحرك فيه رغبة في المراجعة.
وهذا يدعونا إلى أن نحذر من قسوة القلب، وأن نسأل الله الثبات والهداية.
ثم تعرض السورة صنفًا ثالثًا:
وهنا يظهر الفرق بين القول وحقيقة الإيمان.
فقد ينطق الإنسان بكلمات الإيمان، لكنه يخفي خلافها.
ثم يقول تعالى:
فالمنافق يظن أنه يستطيع أن يحصل على مكاسب الإيمان الظاهرة دون أن يلتزم بحقيقته.
لكنه لا يستطيع أن يخدع الله الذي يعلم السرائر.
وهنا تظهر خطورة أن يتحول الدين عند الإنسان إلى وسيلة لتحقيق المصالح، بدل أن يكون عهدًا مع الله يقوم على الصدق والطاعة.
ثم يقول تعالى:
وهذا المرض مرض يتعلق بما وصفته الآيات من نفاق وكذب وفساد في الاعتقاد والقصد، وليس وصفًا لكل من أصابه مرض نفسي أو ضعف عارض.
ومن هدايات الآية أن الكذب على النفس وعلى الناس قد يصبح طريقًا إلى مزيد من الفساد إذا أصر عليه صاحبه.
ثم تكشف السورة جانبًا آخر من حال المنافقين:
وهنا يظهر الفرق بين دعوى الإصلاح وحقيقته.
فقد يصف الإنسان فعله بأنه إصلاح، بينما يكون في حقيقته فسادًا.
ولا يكفي أن يرفع فرد أو جماعة أو مؤسسة شعار الإصلاح حتى يصبح عمله صالحًا.
بل ينبغي النظر إلى حقيقة الأفعال، ومدى موافقتها للحق والعدل، وآثارها على الناس.
لكن ينبغي كذلك ألا نجعل كل اختلاف في تقدير المصلحة دليلًا على النفاق؛ فالآيات تصف حالًا مخصوصة من الفساد المقترن بادعاء الإصلاح.
والعبرة التي نحتاج إليها هي أن نراجع أعمالنا قبل أن نزكي أنفسنا.
فالإصلاح لا يثبت بمجرد الدعوى، وإنما بصدق المقصد وصلاح العمل وموافقته لهداية الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر الكبر الذي يمنع الإنسان من قبول الحق.
فقد يحتقر المؤمنين، ويظن أن التزامهم بالهداية دليل نقص في عقولهم أو مصالحهم.
لكن القرآن يقلب هذا الميزان، ويكشف أن السفه الحقيقي ليس في الإيمان بالله، وإنما في الإعراض عن الحق واحتقار أهله.
ثم يقول تعالى:
وهنا تظهر ازدواجية الموقف.
فالمنافق يقدم لكل جماعة خطابًا يناسبها، لا لأنه يبحث عن الحق، بل لأنه يريد أن يحفظ مصالحه وموقعه.
وقد تتعدد صور هذا السلوك في حياة الناس، حين يصبح المبدأ قابلًا للتغيير بحسب المجلس أو المنفعة.
لكن الحكم على النيات الخفية ليس إلينا؛ وإنما الذي نستفيده أن المؤمن مطالب بالصدق والثبات على الحق.
ثم يقول تعالى:
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] البقرة: 15.
وهذا مما أخبر الله به عن جزائه لهم، فنثبته على الوجه اللائق بجلاله، ولا نقيس صفاته وأفعاله على أفعال المخلوقين.
ثم يقول تعالى:
وهنا يستعمل القرآن صورة التجارة ليكشف حقيقة الاختيار.
فقد يظن الإنسان أنه ربح حين حصل على منفعة عاجلة بالتنازل عن الحق، لكنه في ميزان الهداية يكون قد خسر.
وهذا المعنى سيعود في السورة عند الحديث عن المال والربا والإنفاق.
فليست كل زيادة ربحًا حقيقيًا، ولا كل منفعة عاجلة دليلًا على حسن الاختيار.
ثم يضرب القرآن مثلين لحال المنافقين.
الأول:
ثم يقول:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] البقرة: 18.
وهذه أوصاف تمثيلية لحالهم في عدم الانتفاع بالهدى، وليست انتقاصًا من أصحاب الإعاقات الحسية.
فقد يمتلك الإنسان السمع والبصر، لكنه لا ينتفع بما يسمع ويرى من آيات الحق.
والمثل الثاني:
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: 19] البقرة: 19.
ويعرض هذا المثل حال الاضطراب والخوف والتردد.
ثم يقول تعالى:
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: 20] البقرة: 20.
وهنا تظهر صورة من يتعامل مع الهداية تعاملًا مشروطًا بما يراه من منفعة أو راحة.
فإذا وافق الأمر هواه مضى، وإذا واجه تكليفًا شاقًا توقف.
وهذا المعنى يضع أمام المؤمن سؤالًا يحتاج إلى مراجعة مستمرة:
هل نلتزم بأمر الله لأنه حق، أم لأننا لا نرى فيه مشقة على مصالحنا؟
ولا يعني ذلك أن كل من ضعف أمام تكليف أو وقع في معصية صار منافقًا؛ فهناك فرق بين ضعف المؤمن الذي يقر بخطئه ويسعى إلى التوبة، وبين النفاق الذي وصفته الآيات.
ثم تنتقل السورة من عرض أصناف الناس إلى خطاب البشرية جميعًا:
وهنا تظهر سعة الخطاب القرآني.
فبعد أن عرضت السورة مواقف الناس من الهداية، تدعوهم جميعًا إلى عبادة ربهم.
والأمر بالعبادة يقوم على حقيقة الخلق.
فالذي خلق الإنسان وخلق من قبله هو المستحق للعبادة.
ثم يقول تعالى:
وهنا ينتقل القرآن بالإنسان إلى النظر في نعم الله التي تقوم عليها حياته.
فالأرض التي يعيش عليها، والماء الذي ينزل، والثمرات التي يرزق بها، ليست أمورًا ينبغي أن تمر عليه دون أن تذكره بخالقه.
ولا يعني هذا أن نتوقف عن دراسة الأسباب الطبيعية التي تجري بها هذه الظواهر؛ فمعرفة الأسباب لا تناقض الإيمان بمن خلقها وقدرها.
بل يمكن أن يزيد العلم الصحيح الإنسان إدراكًا لعظمة خلق الله وحكمته.
ثم يقول تعالى:
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22].
فالعبادة حق لله وحده.
ومن عرف أن الله هو الخالق الرازق، فلا ينبغي أن يجعل غيره شريكًا له في العبادة.
ثم يأتي التحدي المتعلق بالقرآن:
وهنا يعود الحديث إلى الكتاب الذي افتتحت به السورة.
فبعد أن قرر الله أنه لا ريب فيه، يخاطب من يشك في أنه منزل من عند الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا يجتمع إقامة الحجة والتحذير من عاقبة الكفر.
فالقرآن لا يعرض نفسه بوصفه كلامًا بشريًا قابلًا لأن يُعامل كأي نص من نصوص الناس، وإنما يقرر أنه وحي من الله، ويتحدى المرتابين أن يأتوا بسورة من مثله.
ثم تأتي البشارة:
وهنا يظهر التوازن بين الإنذار والبشارة.
فالقرآن يحذر من الكفر والعصيان، لكنه يفتح أمام المؤمنين أفق الرجاء فيما أعده الله لهم.
واللافت اقتران الإيمان بالعمل الصالح.
فهذا الاقتران سيبقى حاضرًا في السورة كلها، حتى لا يتحول الإيمان إلى دعوى منفصلة عن السلوك.
ثم يقول تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26] البقرة: 26.
وهنا يعلمنا القرآن ألا نقيس قيمة المثل بحجم الشيء المذكور فيه.
فقد تكون المخلوقات الصغيرة مجالًا للتفكر والعبرة، ولا يقدح صغرها في الحكمة من ذكرها.
ثم يبين اختلاف مواقف الناس من الأمثال:
فالمثل الواحد قد يكون سببًا لزيادة المؤمن هداية، ويكون موضع اعتراض عند من يعرض عن الحق.
ثم يقول تعالى:
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26].
وهنا يظهر أثر موقف الإنسان من الوحي.
فالآيات لا تنفصل عن حال من يتلقاها، وقد جعل الله من سنته أن ينتفع بها من يقبل الحق، وأن تكون حجة على من يفسق ويعرض.
ثم يصف القرآن الفاسقين:
وهنا تظهر ثلاثة معانٍ ستتكرر في السورة:
نقض العهد، وقطع ما أمر الله بوصله، والإفساد في الأرض.
فالهداية ليست مجرد معرفة نظرية، وإنما عهد يقتضي الوفاء.
ومن أعظم مظاهر الانحراف أن يعلم الإنسان ما عليه من حق، ثم ينقضه، أو يفسد العلاقات التي أمر الله بإصلاحها.
وهذا المعنى يمهد لما سيأتي من عرض عهود بني إسرائيل ومواقفهم منها.
ثم يقول تعالى:
وهنا يرد القرآن الإنسان إلى أصل وجوده ومصيره.
فقد كان غير حي، فأحياه الله، ثم يميته، ثم يحييه للبعث، ثم يرجع إليه.
وهذه الحقيقة تهدم وهم الاستقلال عن الله.
فالإنسان لا يملك أصل وجوده، ولا يملك أن يمنع الموت عن نفسه، ولا أن يخرج عن سلطان البعث والحساب.
ومن هنا ينبغي أن يكون الإيمان بالموت والآخرة باعثًا على حسن العمل، لا مجرد فكرة يتذكرها الإنسان عند المصائب.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر تسخير ما في الأرض للإنسان، مع تقرير علم الله المحيط.
لكن التسخير لا يعني أن الإنسان يملك حق الإفساد في الأرض أو إهدار مواردها بغير ضابط.
فالنعمة تقترن بالمسؤولية، والانتفاع بما خلق الله ينبغي أن يكون في حدود ما شرعه.
ثم ينتقل القرآن إلى قصة آدم عليه السلام:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] البقرة: 30.
وهنا يبدأ مشهد عظيم يتعلق بوجود الإنسان في الأرض.
وقد اختلف المفسرون في بعض تفاصيل معنى الخليفة، ولا ينبغي أن نجزم بأن كل فرد من البشر خليفة عن الله بمعنى النيابة عنه في أفعاله أو سلطانه.
لكن الآية تقرر أن الله جعل في الأرض خليفة، وأن هذا الجعل داخل علمه وحكمته.
ثم تقول الملائكة:
فيأتي الجواب:
﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
وهنا يظهر كمال علم الله وحدود علم المخلوق.
فالملائكة لا تعلم إلا ما علمها الله، والإنسان كذلك لا يحيط بحكمة الله.
ولا ينبغي أن نحول هذا المعنى إلى دعوة لترك السؤال المشروع أو البحث عن الحكمة، وإنما إلى تواضع أمام ما لا نعلمه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] البقرة: 31.
وهنا يظهر تكريم آدم بالتعليم.
فالعلم نعمة عظيمة من الله، ومن أسباب تأهيل الإنسان لما كلفه به.
لكن العلم لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للكبر، لأنه عطية من الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا تقدم الملائكة نموذجًا عظيمًا في الاعتراف بحدود العلم.
فالمخلوق مهما بلغ من المعرفة يبقى محتاجًا إلى الله.
وهذا من المعاني التي تحتاج إليها حياتنا العلمية والفكرية؛ فالتقدم في المعرفة لا ينبغي أن يقود إلى ادعاء الإحاطة بكل شيء.
ثم يظهر مشهد السجود لآدم:
وهنا تظهر خطورة الاستكبار عن أمر الله.
فإبليس لم يمتنع عن السجود لعجزه عن فهم الأمر، وإنما أبى واستكبر.
وهذا يبين أن العلم وحده لا يكفي إذا غابت إرادة الطاعة.
وقد يعرف الإنسان الحق، لكن الكبر يمنعه من قبوله.
ومن هنا يظهر أن أخطر ما يفسد علاقة الإنسان بالهداية أن يجعل نفسه حاكمًا على أمر الله بحسب هواه.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر الابتلاء بالأمر والنهي.
فقد أباح الله لهما الانتفاع بما في الجنة، ونهاهما عن شجرة معينة.
والابتلاء لا يقوم على كثرة الممنوعات، وإنما على موقف العبد من حدود الله.
ثم يقول تعالى:
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36] البقرة: 36.
وهنا يظهر أثر وسوسة الشيطان في وقوع المعصية.
لكن القرآن لا يلغي مسؤولية الإنسان عن فعله بحجة إغواء الشيطان.
فآدم عصى ربه، ثم تاب الله عليه.
وهنا يظهر الفرق بين آدم وإبليس.
فإبليس أبى واستكبر، أما آدم فقد تلقى من ربه كلمات فتاب عليه.
ولا يعني ذلك أن المعصية أمر هين، وإنما يبين أن طريق التوبة مفتوح لمن رجع إلى الله.
ثم يقول تعالى:
﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37] البقرة: 37.
وهنا يظهر اسم الله التواب الرحيم في موضع بالغ الدلالة.
فالإنسان لا يستغني عن رحمة الله، ولا يستطيع أن يصلح ما أفسده بمجرد الاعتماد على نفسه.
وقد يخطئ ثم يشعر بالندم، لكن الطريق الصحيح أن يرجع إلى الله بالتوبة والإصلاح.
ثم تأتي الآية التي تصل قصة آدم بمقصد السورة كله:
وهنا يتقرر الأصل الذي ستقوم عليه حياة الإنسان في الأرض.
فالله لم يترك الإنسان بلا هداية، وإنما وعده أن يأتيه منه هدى، وجعل اتباع هذا الهدى سبيل النجاة.
ثم يقول تعالى:
وهنا يعود التمييز بين من يتبع هدى الله ومن يكفر بآياته ويكذب بها.
وبذلك تلتقي نهاية قصة آدم بمطلع السورة.
فقد بدأت السورة بالكتاب الذي لا ريب فيه، وأنه هدى للمتقين، ثم عرضت مواقف الناس من هذا الهدى، ثم أعادتنا إلى بداية التجربة الإنسانية، حيث تقرر أن الهداية من الله وأن الإنسان مسؤول عن اتباعها.
وهذا يكشف أن القضية التي ستعرضها السورة في تاريخ الأمم ليست جديدة على الإنسان.
فمنذ بداية وجوده في الأرض وهو ممتحن في علاقته بأمر الله.
وقد يطيع فيفلح، وقد يعصي فيحتاج إلى التوبة، وقد يستكبر فيعرض عن الحق.
لكن الهداية تبقى قائمة، والباب مفتوح لمن أراد الرجوع إلى الله.
ومن هنا ينتقل القرآن إلى تجربة أمة أُعطيت من النعم والبينات والعهود ما يجعل تاريخها ميدانًا واسعًا للنظر في صدق الاستجابة.
فيأتي النداء:
فبعد أن قررت السورة أن الإنسان ممتحن في اتباع هدى الله، تبدأ بعرض تجربة بني إسرائيل مع النعمة والعهد والوحي، لنرى كيف يكون الوفاء بالهداية، وكيف يقع الإخلال بها، وما الذي ينبغي للأمة المؤمنة أن تتعلمه من ذلك.