سنن التنزيل
مقال

المحسنون الذين يعصون… ولكنهم لا يصرّون

  • 4 دقائق للقراءة
  • 7 آيات

ضعف المحسن بوقوع المعصية لا ينفي إحسانه، بل تتجلى حقيقته في سرعة يقظة قلبه للرجوع، ومبادرته للاستغفار دون إصرار يحول العثرة إلى مقام دائم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

يقول الله تعالى:

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ۝ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 133–135].

ثلاث آيات ترسم صورة من أجمل صور الإنسان في القرآن.

لا ترسم إنسانًا لا يضعف، ولا مؤمنًا لا يعصي، وإنما ترسم إنسانًا يجاهد نفسه؛ ينتصر عليها مرة، وقد تغلبه مرة، لكنه إذا غلبته لم يفقد الطريق إلى ربه.

ولعل أول ما يلفت النظر أن المقطع يبدأ بكلمة حركة:

﴿وَسَارِعُوا﴾.

وينتهي بكلمة تمنع السكون عند المعصية:

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135].

وكأن الطريق إلى الله كله بين هاتين الحركتين:

أن تسارع إذا أبصرت طريق المغفرة، وألا تقيم إذا عثرت في طريق المعصية.

في السراء والضراء… يتغير الحال ولا يتغير الإنسان

حين عرّف الله هؤلاء المتقين بدأ بعلاقتهم بالمال:

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134].

في السراء والضراء؛ يملك أو لا يملك، في السعة أو في الضيق، يعطي مما يستطيع.

فالإنفاق عنده ليس حالة مرتبطة بامتلاء اليد، بل خُلُق يسكن النفس.

في السراء يعطي بما يناسب سراءه، وفي الضراء بما يناسب ضراءه.

ولهذا فالسؤال ليس دائمًا:

كم تملك حتى تنفق؟

بل:

من أنت فيما تملك؟

فالظروف تتغير، لكن صاحب المبدأ لا ينبغي أن يتغير بتغيرها.

ثم ينتقل القرآن من المال الذي في اليد إلى شيء ربما كان أصعب: النفس التي بين جنبيك.

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134].

لم يقل إن المحسن لا يغضب.

إنه يغضب، وقد يمتلئ صدره غيظًا، لكنه لا يسمح لغيظه أن يتولى القيادة.

فالقوة ليست ألا تغضب أبدًا، وإنما ألا تجعل غضبك يقرر عنك.

ثم يرتقي القرآن به درجة أخرى:

﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134].

فالكظم أن تمنع نفسك من الانتقام، والعفو أن تتجاوز عمن أساء إليك.

الأولى سيطرة على النفس، والثانية إحسان إلى الآخر.

وعند هذه القمة يأتي التتويج:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134، 148].

لكن المفاجأة تأتي في الكلمات التالية مباشرة.

المحسن قد يعصي

بعد أن قال:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134، 148]

قال:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135].

وهنا معنى تربوي عظيم.

هؤلاء الذين يحدثنا القرآن عن طريق التقوى والإحسان قد يعصون.

بل قد يبلغ ضعف أحدهم أن يقع فيما سماه القرآن ﴿فَاحِشَةً﴾، أو يظلم نفسه وهو يعلم أنه يفعل ما لا ينبغي له أن يفعل.

فالقرآن لا يقدم المحسن بوصفه مَلَكًا لا يعصي، ولا يجعل الإحسان عصمة من الذنب.

وهنا ينبغي أن نصحح مفهومًا شائعًا:

المحسن ليس من لا يعصي، وإنما من يعرف ماذا يفعل إذا عصى.

فالميزان لا يقف عند لحظة السقوط، وإنما يمتد إلى الموقف بعد السقوط.

﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135]… أول الطريق بعد المعصية

واللافت أن القرآن لم يقل مباشرة: فاستغفروا لذنوبهم.

بل قال:

﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135].

فالعودة تبدأ قبل حركة اللسان بحركة في القلب.

المعصية كثيرًا ما تقع في لحظة غفلة، والعودة تبدأ حين يعود حضور الله إلى القلب.

﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135].

ذكروا من عصوا.

ذكروا رحمته.

ذكروا مغفرته.

ذكروا أنهم سيقفون بين يديه.

فولّد الذكر استغفارًا:

﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135].

وهنا من أرحم رسائل الآية:

إذا عصيت الله فلا تجعل معصيتك سببًا للهرب منه، بل اجعلها سببًا للفرار إليه.

فمن أخطر مداخل الشيطان أنه قبل المعصية يصغرها في عين الإنسان، فإذا وقعت كبّرها في عينه حتى يقنطه.

قبلها يقول: الأمر هين.

وبعدها يقول: كيف تعود بعد ما فعلت؟

فيأتي القرآن ليقطع عليه الطريق:

﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135].

فالذي عصيته هو نفسه الذي فتح لك باب العودة إليه.

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135]… الفارق ليس في العثرة

ثم تأتي الكلمة الفاصلة:

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].

تأمل دقة التعبير.

لم يقل: ولم يعصوا.

ولم يقل: ولم يضعفوا.

بل قال:

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135].

فالخطر ليس أن تقع منك عثرة ثم تقوم، وإنما أن تحول موضع العثرة إلى مكان إقامة.

قد يضعف الإنسان، ثم يتوب.

وقد تغلبه نفسه مرة أخرى، ثم يعود.

لكن المصيبة تبدأ عندما يتصالح مع المعصية، ثم يبررها، ثم يدافع عنها، حتى لا يعود يشعر أنه بحاجة إلى الرجوع.

وهنا يظهر معنى قصة أبينا آدم وإبليس بصورة جلية.

آدم عصى، وإبليس عصى.

قال الله عن آدم:

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121].

لكن آدم عاد، وتلقى من ربه كلمات، وتاب واستغفر، فتاب الله عليه واجتباه.

أما إبليس فعصى، ثم برر معصيته:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12؛ ص: 76].

فلم يكن الفارق بين الطريقين أن أحدهما وقعت منه معصية والآخر لم تقع منه.

آدم عصى فعاد، وإبليس عصى فأصر.

ومن هنا نفهم أن السؤال الأخطر ليس:

هل عصيت؟

بل:

ماذا فعلت بعد أن عصيت؟

الإحسان في ثلاث دوائر

بهذه الآيات يرسم القرآن المحسن في ثلاث دوائر متكاملة.

في علاقته بماله:

﴿يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134].

وفي علاقته بالناس:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134].

وفي علاقته بنفسه عندما تعصي:

﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا… وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135].

وفي الدوائر الثلاث تقف النفس لتختبر صاحبها.

في الضراء تقول له: أمسك.

وعند الإساءة تقول: انتقم.

وعند المعصية تقول: استمر، أو برر، أو أيأس.

أما المحسن فيغالبها:

ينفق، ويكظم، ويعفو، وإذا عصى يذكر ويستغفر ولا يصر.

وهكذا نعود إلى أول كلمة في المقطع وآخر موقف فيه:

﴿وَسَارِعُوا﴾… ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135].

المحسن يسارع إذا رأى طريق الله، وإذا عثر في الطريق لا يقيم عند عثرته.

ختامًا، الإحسان ليس عصمة من الضعف، ولا يعني أن الإنسان لن يعصي؛ وإنما من أعظم علاماته أنك إذا غلبك ضعفك لا تسمح له أن يقطع طريقك إلى الله.

فلا تجعل الشيطان يحول معصية ساعة إلى بُعدٍ عن الله سنين.

عصيت؟

فاذكر.

ذكرت؟

فاستغفر.

استغفرت؟

فلا تُصر.

ثم قم وأكمل الطريق.

فربك الذي افتتح لك الطريق بقوله:

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]

هو الذي فتح لك باب الرجاء في منتصف الطريق بقوله:

﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135].

شارك المقال