سورة البقرة — المحور الثاني: العهد والنعمة وامتحان الاستجابة: ماذا يحدث حين تنفصل معرفة الحق عن العمل به؟
امتحان الاستجابة يكشف خطورة انفصال معرفة الحق عن العمل به، ويقرر أن الانتساب إلى الكتاب لا يغني عن صدق الوفاء بالعهد ومحاسبة النفس.
بعد أن قررت السورة أن الإنسان ممتحن في موقفه من هدى الله، تنتقل إلى عرض تجربة بني إسرائيل، وهي تجربة واسعة في النعمة والابتلاء والعهد والتشريع والاستجابة.
ويبدأ الخطاب بالتذكير بالنعمة، ثم بالأمر بالوفاء بالعهد.
وهذا الترتيب ذو دلالة؛ فالنعمة ليست مجرد عطية ينتفع بها الإنسان، وإنما تقتضي الشكر والوفاء بما أمر الله به.
وقد يظن الإنسان أن ما أُعطي من علم أو مال أو مكانة دليل على رضوان الله عنه، بينما يكون ذلك نفسه ميدانًا لامتحانه.
ولهذا لم يكن التذكير بنعم الله على بني إسرائيل دعوة إلى الاكتفاء بتاريخهم، بل إلى الوفاء بمقتضى ما أُنعم عليهم به.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر امتحان أهل الكتاب في موقفهم من الوحي الجديد.
فليس المطلوب أن يجعل الإنسان ما اعتاده من تصورات أو ما اكتسبه من مصالح حاجزًا بينه وبين الحق.
والنهي عن شراء آيات الله بثمن قليل يكشف خطورة أن تتحول المعرفة الدينية إلى وسيلة لحماية المكاسب والمكانة.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] البقرة: 42.
وهنا يجتمع نوعان من الانحراف: خلط الحق بالباطل، وكتمان الحق مع العلم به.
وقد لا يستطيع الإنسان أن يواجه الحق بإنكار صريح، فيلجأ إلى مزجه بما يغير دلالته، أو يسكت عن بيانه حين تكون له مصلحة في السكوت.
وهذا من أخطر ما يبتلى به أصحاب العلم والمسؤولية؛ لأن أثر الانحراف لا يقف عند صاحبه، بل قد يمتد إلى من يثقون بعلمه وقوله.
لكن الآية لا تجعل كل اختلاف في الفهم كتمانًا للحق، وإنما تحذر من التلبيس والكتمان مع العلم.
ثم يأتي الأمر:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] البقرة: 43.
فالإيمان لا ينفصل عن العبادة والعمل، كما أن الانتماء إلى أمة أُنزل عليها الكتاب لا يغني عن الاستجابة لأمر الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا تظهر مشكلة تتجاوز حدود تلك التجربة التاريخية.
فقد يعرف الإنسان البر، ويدعو غيره إليه، ثم يقصر في العمل به.
ولا يعني ذلك أن المقصر يمتنع عن نصح الناس حتى يصبح كاملًا؛ فكل إنسان يحتاج إلى إصلاح نفسه.
لكن الخطورة أن يتحول العلم إلى خطاب يطالب به الآخرين، بينما يعفي صاحبه نفسه من مقتضاه.
فالعلم الذي لا يدفع صاحبه إلى محاسبة نفسه قد يتحول من وسيلة للهداية إلى حجة عليه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45] البقرة: 45.
وهنا يأتي العلاج بعد كشف الخلل.
فالاستجابة لأمر الله تحتاج إلى صبر يعين الإنسان على مقاومة الهوى، وصلاة تصل قلبه بربه.
ثم يصف الله الخاشعين:
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46] البقرة: 46.
والظن هنا بمعنى اليقين.
فمن استحضر لقاء الله والحساب عليه، هان عليه أن يراجع نفسه، وأن يترك ما يخالف أمر ربه.
ثم يتجدد التذكير:
وهذا التفضيل يُفهم في سياقه وما آتاهم الله من نعم وخصائص، ولا يصح تحويله إلى حكم بتفوق عرقي مطلق على الناس في كل زمان.
ثم يأتي التحذير من يوم الحساب:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48، 123] البقرة: 48.
فمهما عظمت النعم السابقة، فإنها لا تعفي الإنسان من مسؤولية عمله.
ولا يملك أحد أن يجعل نسبه أو تاريخه أو مكانته بديلًا عن الإيمان والطاعة.
ثم تبدأ السورة بعرض مشاهد من تاريخ بني إسرائيل، فتذكر نجاتهم من فرعون:
وهنا يجتمع مشهد الظلم مع التذكير بالنجاة.
فقد تعرضوا لاستضعاف شديد، ثم أنجاهم الله.
ولا يجوز أن نفهم الابتلاء على أنه تبرير لظلم فرعون؛ فالظلم فعل ظالم مسؤول عن عدوانه، أما وقوع البلاء في حياة المظلوم فلا يسقط حقه ولا يعفي الظالم من الحساب.
ومن هدايات هذا المشهد أن القوة التي يملكها الطغاة ليست ضمانًا لبقائهم، وأن الله قادر على إنجاء المستضعفين بما يشاء من الأسباب.
لكننا لا نملك أن نجزم بموعد زوال ظلم معين أو بصورة النجاة التي سيقدرها الله.
ثم يقول تعالى:
فكانت النجاة آية عظيمة من آيات الله.
لكن النجاة من العدو لا تعني أن امتحان الإنسان قد انتهى؛ فقد ينتقل من امتحان الاستضعاف إلى امتحان الحرية والنعمة والمسؤولية.
وهذا ما تكشفه المشاهد التالية.
قال تعالى:
فبعد النجاة العظيمة وقع اتخاذ العجل.
وهنا يظهر أن مشاهدة الآيات العظيمة لا تعصم الإنسان من الانحراف إذا لم يثبت على الهدى.
ثم يقول تعالى:
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52] البقرة: 52.
فتأتي الرحمة بعد ذكر المعصية.
وهذا يذكرنا بأن باب التوبة والعفو من أعظم نعم الله على عباده، وأن العفو يستدعي الشكر، لا العودة إلى الذنب استخفافًا بالرحمة.
ثم يقول تعالى:
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53] البقرة: 53.
فالنجاة من الظلم ليست وحدها غاية الرسالة؛ بل لا بد من هداية تبني حياة الإنسان بعد النجاة.
وهذا معنى مهم في حياة المجتمعات؛ فقد تنجح أمة في التخلص من صورة من صور الظلم، ثم تواجه امتحانًا جديدًا في بناء العدل وحفظ الحقوق والوفاء بالعهود.
ثم يذكر القرآن ما أمر به موسى قومه بعد اتخاذ العجل:
﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] البقرة: 54.
وهذا حكم خاص ورد في سياق تلك الواقعة، ولا يجوز أن نجعله تشريعًا عامًا لأمتنا، أو أن نستخرج منه إباحة إيذاء النفس أو الاعتداء على الآخرين باسم التوبة.
والذي نستفيده أن الشرك والعدول عن عبادة الله أمر عظيم، وأن التوبة الحقيقية ليست مجرد ألفاظ، بل رجوع إلى الله وفق ما شرعه.
ثم تعرض السورة موقفًا آخر:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55] البقرة: 55.
وهنا يظهر تجاوز بعضهم حدود التسليم للوحي، بطلب رؤية الله جهرة على الوجه الذي حكته الآية.
ثم يذكر القرآن ما وقع لهم، وكيف بعثهم الله بعد موتهم:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 56] البقرة: 56.
فتعود السورة إلى التذكير بالشكر.
ثم يقول تعالى:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ [البقرة: 57] البقرة: 57.
فقد تتابعت عليهم النعم حتى في ظروف التيه والحاجة.
لكن القرآن يقرر في ختام الآية:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57].
وهذا أصل عظيم؛ فمعصية العبد لا تنقص من ملك الله شيئًا، وإنما يعود ضررها على صاحبها.
ثم يذكر القرآن أمر دخول القرية، وقولهم حطة، وما وقع من تبديل القول:
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 59] البقرة: 59.
وهنا يظهر نمط من مخالفة الأمر، وهو استبدال ما طلبه الله بما يختاره الإنسان لنفسه.
ولا ينبغي أن نحمّل الواقعة تفاصيل لم يذكرها النص، وإنما نقف عند المعنى الذي قرره القرآن: التبديل والظلم وعاقبتهما.
ثم تأتي نعمة الماء:
وهنا تظهر عناية الله برزق عباده، حتى في الظروف الصعبة.
لكن النعمة تقترن بالنهي:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60].
فحق الانتفاع بالرزق لا يبيح الإفساد.
وهذا المعنى يمتد إلى واقع الأفراد والمجتمعات والدول؛ فالمال والموارد والقوة أمانات، ولا يصح أن تتحول إلى أدوات للظلم والاعتداء.
ثم يقول تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61] البقرة: 61.
وتذكر الآية طلبهم أنواعًا من الطعام، وما جاء في جواب موسى عليه السلام.
ولا ينبغي أن نفهم الآية على أنها ذم لكل رغبة في تنوع الطعام؛ فالمشكلة تُفهم في سياق موقفهم من النعمة، وما صاحبه من اعتراض وعدم تقدير لما أُعطوا.
ثم يذكر القرآن ما وقع من الذلة والمسكنة والغضب بسبب الكفر بالآيات وقتل النبيين بغير الحق والعصيان والاعتداء.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن القرآن يربط الجزاء بأفعال محددة، ولا يجعل مجرد الانتساب إلى قوم سببًا مستقلًا لاستحقاق الذم.
ثم يقول تعالى:
وهذه الآية تحتاج إلى أن تُفهم في ضوء مجموع القرآن، وما قرره من وجوب الإيمان بالرسل جميعًا، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته.
ولا يصح أن نقتطعها من هذا البيان لنقرر أن الانتساب إلى أي دين يكفي للنجاة ولو صاحبه تكذيب رسول ثبتت رسالته.
كما لا يصح أن نجعلها ذريعة للحكم على مصائر أشخاص معينين؛ فالله أعلم بمن بلغته الحجة وكيف بلغته، وهو العدل الذي لا يظلم أحدًا.
والهداية التي تظهر هنا أن النجاة ليست بمجرد الأسماء والانتماءات، وإنما بالإيمان الحق والعمل الصالح وفق ما أمر الله به.
ثم يعود القرآن إلى العهد:
وهنا يظهر أن تلقي الكتاب يقتضي الجد في العمل به.
فالقوة هنا لا تعني القسوة على الناس، وإنما أخذ ما أنزل الله بعزم واهتمام والتزام.
ثم يقول تعالى:
فتعود السورة إلى فضل الله ورحمته، حتى مع تكرر صور الإعراض.
ثم تذكر قصة المعتدين في السبت:
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: 65] البقرة: 65.
وهنا تظهر خطورة التحايل على حدود الله.
فقد يتعامل الإنسان مع الحكم الشرعي بوصفه عقبة يبحث عن وسيلة شكلية لتجاوزها، بدل أن يسأل عن كيفية امتثاله.
والعبرة لا تقتصر على صورة الحيلة، بل تتعلق بصدق الاستجابة؛ لأن من يبحث عن الالتفاف على الحكم قد يحافظ على ظاهره بينما يهدم مقصوده.
ثم يقول تعالى:
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66] البقرة: 66.
فالقصة موعظة للمتقين، لا مجرد خبر عن عقوبة قوم مضوا.
ثم تبدأ قصة البقرة:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] البقرة: 67.
وكان جوابهم:
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67].
فقال موسى:
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67].
وهنا يظهر أن الأمر الإلهي ينبغي أن يُتلقى بالجد، وأن مقام النبوة منزه عن العبث في تبليغ أمر الله.
ثم توالت أسئلتهم عن البقرة.
فقال تعالى:
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: 68] البقرة: 68.
ثم انتهى المشهد بقوله:
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] البقرة: 71.
ولا يصح أن نستخرج من القصة ذم السؤال المشروع؛ فالإنسان قد يحتاج إلى الاستفسار حتى يفهم الحكم ويؤديه على وجهه.
لكن القصة تكشف حالًا من التباطؤ والتردد أمام الأمر، حتى كاد التنفيذ لا يقع.
وهنا تظهر العبرة:
قد يكون السؤال وسيلة للفهم والعمل، وقد يتحول إلى وسيلة لتأخير العمل حين تغيب إرادة الاستجابة.
وهذا المعنى لا يقتصر على العبادة الفردية، بل يمتد إلى حياتنا حين تتحول المناقشات والإجراءات إلى حائل دون أداء واجب واضح.
ثم يكشف القرآن ما ارتبط بالقصة من قتل نفس والتنازع فيها:
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 72] البقرة: 72.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر أن الله قادر على كشف ما يخفيه الناس، وأن إحياء الموتى حق لا يعجزه سبحانه.
لكن هذه الواقعة معجزة خاصة، ولا يجوز أن نحولها إلى طريقة بشرية لكشف الجرائم أو إلى قانون تجريبي.
ثم يقول تعالى:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] البقرة: 74.
وهنا نصل إلى معنى بالغ الأهمية.
فقد يشاهد الإنسان الآيات، ويسمع المواعظ، ويعرف الحق، ثم لا يلين قلبه.
فالمشكلة ليست دائمًا في قلة المعلومات، بل قد تكون في موقف القلب من المعلومات التي وصلت إليه.
وهذا يدعونا إلى ألا نجعل كثرة القراءة والسماع دليلًا كافيًا على صلاح الحال، ما لم يظهر أثر ذلك في التوبة والعدل والطاعة.
ثم يقول تعالى:
واللافت هنا قوله:
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 75، 100].
فالقرآن يحدد موضع الذم، ولا ينسب الفعل إلى الجميع على وجه الاستغراق.
ثم يعرض مواقف تتعلق بإظهار الإيمان وإخفاء ما يعلمون، والجدال فيما بينهم.
ويقول تعالى:
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77] البقرة: 77.
وهنا يعود المعنى الذي افتتحت به السورة عند الحديث عن المنافقين.
فالإنسان قد يخفي عن الناس ما يريد، لكنه لا يستطيع أن يخفي شيئًا عن الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا تظهر خطورة الجهل بالوحي والاكتفاء بالأماني والظنون.
فقد ينتمي الإنسان إلى جماعة دينية، ويظن أن هذا الانتماء يكفيه، بينما لا يعرف من هداية الكتاب ما يقوم به عمله.
وهذا يدعونا إلى العناية بفهم القرآن، لا بمجرد ترديد عبارات عنه دون علم.
ثم يقول تعالى:
وهنا تظهر جريمة نسبة ما ليس من عند الله إليه.
فمن أخطر صور الانحراف أن يصنع الإنسان قولًا من عند نفسه، ثم يمنحه سلطة الوحي.
ولهذا ينبغي أن نفرق في عملنا التفسيري بين نص القرآن، وبين ما قاله المفسرون، وبين ما نستنبطه نحن من هدايات وتطبيقات.
فليس كل معنى حسن يجوز أن ننسبه إلى الله على أنه مراده القطعي من الآية.
ثم يعرض القرآن قولهم:
﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80] البقرة: 80.
فيأتي السؤال:
﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: 80].
وهنا يكشف القرآن خطورة الأمنيات التي يصنعها الإنسان لنفسه في شأن الآخرة دون دليل.
فلا يجوز أن يجعل الإنسان انتماءه أو تصوره الخاص ضمانًا للنجاة من الحساب.
ثم يقول تعالى:
﴿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: 81] البقرة: 81.
ثم يقابل ذلك بقوله:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: 82] البقرة: 82.
وهنا يعود الميزان إلى الإيمان والعمل، لا إلى الأماني المجردة.
ثم يذكر القرآن الميثاق:
وهنا يظهر أن العهد الإلهي يجمع التوحيد والعبادة والإحسان والحقوق الاجتماعية.
فليس الدين مجرد شعائر، كما أنه ليس مجرد أخلاق اجتماعية منفصلة عن عبادة الله.
واللافت قوله:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
فحسن القول ليس مقصورًا على من يوافقنا في الدين أو الرأي، بل الخطاب هنا عام للناس.
وهذا يذكرنا بأن المؤمن مطالب بالعدل والإحسان في تعامله مع الإنسان، مع المحافظة على ما أمر الله به من حق.
ثم يقول تعالى:
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83].
وهنا يبرز الفرق بين أخذ الميثاق والوفاء به.
ثم يذكر القرآن عهدًا آخر يتعلق بحرمة الدماء وعدم إخراج الناس من ديارهم.
قال تعالى:
﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: 84] البقرة: 84.
ثم يكشف التناقض في الممارسة:
ثم يأتي السؤال الذي يمثل أحد أبرز مفاتيح هذا المقطع:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85].
وهنا تظهر خطورة الانتقائية في التعامل مع الوحي.
فقد يتمسك الإنسان بحكم يحقق له مصلحة، ثم يعرض عن حكم آخر حين يطالبه بالتضحية أو العدل.
وهذا المعنى لا يقتصر على تلك الواقعة التاريخية.
فقد يطالب فرد بحقوقه، ثم يرفض أداء حقوق الآخرين.
وقد ترفع جماعة شعار العدل حين تكون مظلومة، ثم لا تلتزم به حين تملك القوة.
وقد تدعو دولة إلى احترام الحقوق في موضع، ثم تتجاهلها في موضع آخر تبعًا لمصالحها.
والعبرة هنا ليست مساواة كل الوقائع المختلفة، وإنما رفض تحويل المبادئ إلى أدوات انتقائية.
فالحق الذي نطالب به لأنفسنا ينبغي ألا ننكره على غيرنا إذا ثبت له مثله.
ثم يقول تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 86] البقرة: 86.
وهنا يعود تصوير الاختيار في صورة التجارة.
فقد يربح الإنسان منفعة عاجلة، لكنه يخسر ما هو أعظم منها.
ثم تذكر السورة إرسال الرسل، وما وقع من تكذيب فريق منهم وقتل فريق.
قال تعالى:
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: 87] البقرة: 87.
وهنا يكشف القرآن أصلًا من أصول الانحراف: جعل الهوى حاكمًا على الوحي.
فبدل أن يراجع الإنسان نفسه حين يخالفه أمر الله، قد يبحث عن وسيلة لرد الأمر أو إسقاط مكانة من يبلغه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88] البقرة: 88.
ثم يذكر القرآن موقف بعضهم من الكتاب الذي جاء مصدقًا لما معهم.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] البقرة: 89.
وهنا تظهر خطورة أن يعرف الإنسان الحق ثم يرده لأنه لا يوافق توقعاته أو مصالحه.
ثم يقول تعالى:
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة: 90] البقرة: 90.
فالبغي والحسد قد يحجبان الإنسان عن قبول الحق.
ثم يأتي السؤال:
﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91] البقرة: 91.
وهنا يحتج القرآن على التناقض بين دعوى الإيمان وبين المواقف المخالفة له.
ثم يقول تعالى:
وهذه الآية من أهم الآيات في بناء الخيط الناظم للسورة.
فقد جاءهم الأمر بأخذ الكتاب بقوة والاستماع، لكن القرآن حكى عنهم:
﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93].
وفي خاتمة سورة البقرة سيقول المؤمنون:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285] البقرة: 285.
وهذه المقابلة ذات دلالة عميقة.
فليست العبرة بمجرد سماع الوحي، وإنما بما يترتب على السماع من استجابة.
وقد يسمع الإنسان أمر الله ثم يعصيه، وقد يسمعه فيسعى إلى طاعته.
ولا يعني ذلك أن المؤمن لا يقع في المعصية، وإنما أن موقفه الأصلي من أمر الله هو التسليم والطاعة، وأنه يرجع بالتوبة إذا قصر.
وهنا يتضح أن سورة البقرة لا تسألنا فقط: هل سمعتم الوحي؟ بل تسألنا: ماذا فعلتم بما سمعتم؟
ثم تعرض السورة ادعاء اختصاص الدار الآخرة بهم:
وهذا احتجاج على دعوى مخصوصة وردت في سياقها، ولا ينبغي تحويله إلى قاعدة نحاكم بها صدق إيمان كل إنسان من خلال رغبته في الموت.
فالإنسان قد يحب الحياة ليعمل صالحًا، وقد يخاف الموت مع صدق إيمانه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96] البقرة: 96.
وهنا يظهر التناقض بين دعوى الاطمئنان إلى المصير وبين شدة التعلق بالحياة فيمن وصفهم السياق.
ثم يأتي الحديث عن جبريل عليه السلام:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 97] البقرة: 97.
وهنا يقرر القرآن أن الوحي نزل بإذن الله، وأن الموقف من رسله وملائكته لا يجوز أن تحكمه الأهواء.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99] البقرة: 99.
ثم يذكر نقض العهود:
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100] البقرة: 100.
ومرة أخرى يحدد القرآن موضع الذم بقوله:
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 75، 100].
وهذا يعلمنا أن الإنصاف في قراءة التاريخ جزء من الأمانة العلمية.
ثم يقول تعالى:
وهنا تبلغ المفارقة مبلغًا شديدًا؛ فقد يكون الكتاب حاضرًا في حياة الناس، لكنهم يجعلونه وراء ظهورهم من جهة العمل والاتباع.
ثم تعرض السورة قضية السحر، وما نُسب إلى سليمان عليه السلام.
قال تعالى:
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] البقرة: 102.
وهنا يبرئ القرآن سليمان عليه السلام من الكفر، ويكشف خطر تعلم ما يضر الناس.
وتذكر الآية هاروت وماروت، وما كان من الابتلاء والتحذير:
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102].
ولا ينبغي أن نضيف إلى القصة روايات تفصيلية غير ثابتة، أو نبني عليها تصورات عن عالم الغيب لم يقررها النص.
والذي يظهر بوضوح أن الإنسان قد يتعلم ما يضره ولا ينفعه، وأن العلم لا يكون خيرًا بمجرد كونه معرفة، بل بما يتصل به من مشروعية ومقصد وأثر.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 103] البقرة: 103.
فتعود السورة إلى ميزان الإيمان والتقوى.
ثم تخاطب المؤمنين:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: 104] البقرة: 104.
وهنا تظهر عناية القرآن بالألفاظ حين تكون وسيلة إلى معنى فاسد أو استهزاء.
فالمؤمن مأمور بحسن الخطاب، وبالابتعاد عما يفتح باب التلبيس والإساءة.
ثم يذكر القرآن ما يقع من حسد بعض أهل الكتاب والمشركين لما ينزل الله من خير على المؤمنين.
ويقول تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 105] البقرة: 105.
ففضل الله ليس خاضعًا لأهواء الناس، ولا يملك أحد أن يمنع الله من أن يختص برحمته من يشاء.
ثم يقول تعالى:
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] البقرة: 106.
وهذه من الآيات التي تحتاج إلى تحرير علمي؛ فقد تناول المفسرون والأصوليون معنى النسخ وصوره بشروح متعددة.
والذي ينبغي أن يبقى واضحًا أن الله يشرع لعباده ما يشاء بحكمته وعلمه، وأن النسخ الشرعي لا يعني وقوع الجهل أو التناقض في علم الله.
ولا يجوز أن نتوسع في دعوى نسخ آية بأخرى دون دليل معتبر؛ لأن إثبات النسخ له شروطه العلمية.
ثم يقول تعالى:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 107] البقرة: 107.
فالتشريع قائم على ملك الله وسلطانه وحكمته.
ثم يحذر القرآن من الأسئلة التي تتخذ طريقًا إلى التعنت:
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 108] البقرة: 108.
وهذا لا يعني منع السؤال لطلب العلم، وإنما التحذير من السؤال الذي ينشأ عن الاعتراض والتعنت، أو يجعل قبول الحق مشروطًا بما لم يأذن الله به.
ثم يقول تعالى:
والآية تتحدث عن كثير من أهل الكتاب في سياقها، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام لكل فرد منهم في كل عصر.
ثم يأتي الأمر:
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109].
وهنا يظهر أن التعامل مع المخالفين لا يقوم على الانفعال وحده، بل على ما يأمر الله به من أحكام وضوابط في كل حال.
ثم يقول تعالى:
وهنا يعيد القرآن المؤمنين إلى مسؤوليتهم العملية.
فليس المطلوب أن ينشغلوا بمواقف الآخرين حتى يغفلوا عن عبادتهم وإصلاح أنفسهم.
ثم يعرض دعاوى احتكار الجنة:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: 111] البقرة: 111.
فيأتي الرد:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].
وهنا يقرر القرآن أن الدعوى لا تصبح حقًا لمجرد تكرارها، وأن ما يتعلق بالنجاة عند الله لا يثبت بالأماني.
ثم يقول تعالى:
﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 112] البقرة: 112.
وهنا يجتمع إخلاص الوجه لله والإحسان في العمل.
فلا يكفي الانتساب، ولا مجرد القول، وإنما الاستسلام لله على الوجه الذي شرعه، مع الإحسان.
ثم تعرض السورة التنازع بين اليهود والنصارى، وما قاله بعضهم في بعض.
قال تعالى:
وهنا يظهر أن الخصومة الدينية لا تمنح أحدًا حق القول بغير علم، وأن الفصل النهائي فيما اختلف فيه الناس إلى الله.
ثم يقول تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114] البقرة: 114.
وهنا يظهر تعظيم حرمة بيوت الله، وخطورة منع العبادة فيها والسعي في خرابها.
ولا يقتصر الخراب على صورة واحدة؛ لكن لا ينبغي أن نجزم بتفصيلات لا يدل عليها النص دون قرينة.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] البقرة: 115.
وهذه الآية لا تلغي حكم استقبال القبلة في الصلاة حيث يجب، وإنما تُفهم في ضوء مجموع النصوص وأحوال العبادة.
وهي تقرر ملك الله للمشرق والمغرب، وأنه سبحانه لا يحويه مكان من خلقه.
ثم ينفي القرآن نسبة الولد إلى الله:
ثم يقول:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] البقرة: 117.
وهنا يعود القرآن إلى توحيد الله وكمال قدرته.
فمن خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى ولد، ولا يشبهه شيء من خلقه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: 118] البقرة: 118.
وهنا يتكرر نمط التعنت في طلب الآيات، مع أن البينات قد جاءت.
لكن لا ينبغي أن نفهم الآية على أنها ذم لكل طلب للدليل؛ فالقرآن نفسه يقيم الحجج ويدعو إلى النظر والتفكر.
وإنما الإشكال فيمن يجعل قبول الحق متوقفًا على مطالب لا تنتهي، مع إعراضه عما ظهر له من البينات.
ثم يقول تعالى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 119] البقرة: 119.
وهنا يظهر دور الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الحق، والبشارة والإنذار.
فالهداية التي بدأ بها مطلع السورة ليست فكرة مجردة، وإنما وحي بلغه رسول الله إلى الناس.
ثم يقول تعالى:
﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120] البقرة: 120.
وهنا يخاطب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم في سياق ما واجهه من مواقف أهل الكتاب.
ولا ينبغي أن نحول الآية إلى نفي إمكان العلاقات العادلة أو التعاون المشروع مع كل يهودي أو نصراني، أو إلى حكم على سرائر جميع الأفراد.
فالمعنى الذي ينبغي إبرازُه هو أن معيار الحق لا يتحدد برضا الآخرين، وأن المؤمن لا يجوز أن يتنازل عن هداية الله طلبًا لقبول يخالفها.
ولهذا جاء الأمر:
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 120].
وهذه العبارة تعيدنا إلى مطلع السورة:
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].
فالمصدر الذي ينبغي أن يُحتكم إليه في معرفة الحق هو هدى الله، لا الأهواء ولا الضغوط ولا طلب الرضا بأي ثمن.
ثم يقول تعالى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121] البقرة: 121.
وهنا يقدم القرآن صورة مقابلة لمواقف الكتمان والتحريف والإعراض التي سبقت.
فليس كل من أوتي الكتاب على حال واحدة.
ومن هدايات الآية أن التلاوة الحقة لا تنفصل عن الإيمان بما أنزل الله والوفاء بمقتضاه.
فالتلاوة ليست مجرد تحريك اللسان، وإن كانت قراءة القرآن عبادة عظيمة، وإنما يكتمل أثرها بالتدبر والاتباع والعمل.
ثم يتجدد النداء:
ويأتي بعده التحذير:
وهكذا يُختتم هذا المقطع الطويل بما بدأ به تقريبًا: التذكير بالنعمة والتحذير من يوم الحساب.
فقد بدأت الآيات بنداء بني إسرائيل إلى ذكر نعمة الله والوفاء بعهده، ثم عرضت مواقف متعددة من الطاعة والمعصية، والعلم والكتمان، والشكر والجحود، والوفاء والنقض.
ثم أعادتهم إلى حقيقة لا يستطيع أحد تجاوزها: أن الإنسان مسؤول أمام الله عن عمله.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند السؤال الذي يوجهه هذا التاريخ إلينا نحن.
فليس المقصود أن نقرأ أخبار بني إسرائيل ثم نكتفي بإحصاء أخطائهم.
بل أن نسأل أنفسنا:
هل نتعامل مع القرآن بوصفه عهدًا يطالبنا بالوفاء، أم نكتفي بالانتساب إليه؟
هل نأخذ من أحكامه ما يوافق مصالحنا ونتثاقل عما يخالف أهواءنا؟
هل نطالب الناس بالبر ثم ننسى أنفسنا؟
هل نقيم العدل حين نملك القوة كما نطالب به حين نقع تحت الظلم؟
إن العبرة الكبرى من هذا المقطع أن حمل الكتاب نعمة عظيمة، لكنه مسؤولية عظيمة كذلك، وأن العلم بالحق لا يغني عن الاستجابة له.
ومن هنا يصبح الانتقال إلى إبراهيم عليه السلام انتقالًا بالغ الدلالة.
فبعد أن عرضت السورة تجربة أمة أُخذ عليها العهد، وما وقع في تاريخها من وفاء ومخالفة، تنتقل إلى إبراهيم الذي ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن.
قال تعالى:
وهنا تبدأ مرحلة جديدة في بناء السورة، يظهر فيها نموذج الوفاء بالعهد، وتتصل بها قصة البيت الحرام ودعاء إبراهيم وإسماعيل، ثم بناء الأمة الوسط ومسؤوليتها عن الشهادة على الناس.