سنن التنزيل
مقال

سُنَّةُ الثبات قبل التمكين… حين يُصلح القرآن الإنسان قبل أن يُغيِّر الواقع

  • 3 دقائق للقراءة
  • 4 آيات

سنة الثبات توجب إصلاح النفوس ومراجعتها قبل طلب النصر، فالتمكين لا يبدأ بتغيير الواقع الخارجي وإنما ببناء الإنسان الصابر الذي يثبت عند البلاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

ليست هذه الآيات حديثًا عن معركة مضت، ولا عن قومٍ انقضى زمانهم، وإنما هي إعلانٌ عن سُنَّة ربانية لا تتبدل، وقانونٍ يحكم طريق الدعوات إلى قيام الساعة.

قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ۝ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ۝ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 146–148].

منذ الآية الأولى يهدم القرآن وهمًا يتكرر في كل عصر؛ وهو أن صحة المنهج تعني سلامة الطريق من الابتلاء.

فالذين يتحدث عنهم القرآن ليسوا عامة المؤمنين، بل جيش رباني يقوده نبي، ويقاتل في سبيل الله، ومع ذلك يقول سبحانه: ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ [آل عمران: 146].

إنها سنة جارية في تاريخ الرسالات: الابتلاء ليس نقيض الاصطفاء، بل كثيرًا ما يكون من لوازمه.

لكن العجيب أن القرآن لا يصف حجم المصيبة، ولا قوة العدو، ولا عدد القتلى، وإنما يتجه مباشرة إلى ما هو أخطر من كل ذلك: حال القلوب بعد البلاء.

﴿فَمَا وَهَنُوا… وَمَا ضَعُفُوا… وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146].

وليس هذا تكرارًا، بل هو سلم السقوط الذي يمنع القرآن الأمة من الانحدار فيه.

فالوهن هو انكسار الإرادة، والضعف هو تعطل القدرة، والاستكانة هي الاستسلام للواقع والخضوع للباطل.

قد يخسر المؤمن معركة، لكن الكارثة أن يخسر عزيمته.

وقد تُحتل الأرض، لكن الهزيمة الحقيقية أن يُحتل القلب.

ولهذا بدأ القرآن بإصلاح الداخل قبل تغيير الخارج؛ لأن الأمم لا تسقط يوم تُهزم، وإنما تسقط يوم تستسلم.

ثم تأتي المفاجأة التي تكشف سر التربية الربانية.

فبعد القتال، والجراح، والابتلاء، لا يخرج من أفواههم تحليل للهزيمة، ولا لوم للآخرين، ولا حديث عن تقصير الناس، وإنما يحصر القرآن كل كلماتهم في دعاء واحد:

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [آل عمران: 147].

إنها صيغة حصر؛ أي لم يملأ ألسنتهم عند الشدة إلا الافتقار إلى الله.

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: 147].

وهنا تتجلى سنة عظيمة من سنن التمكين:

الأمة الربانية تبدأ بمحاسبة نفسها قبل محاسبة عدوها، وتفتش في تقصيرها قبل أن تفتش في أخطاء غيرها.

ولذلك لم يبدأ الدعاء بطلب النصر، بل بدأ بطلب المغفرة.

لأن القرآن يعلمنا أن النصر لا يبدأ في ميدان المعركة، وإنما يبدأ في ميدان التوبة.

ثم قالوا:

﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: 147].

فالثبات يسبق النصر، بل هو أول مظاهره.

ثم كانت آخر المطالب:

﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].

وكأن ترتيب الدعاء هو ترتيب السنن:

توبة… ثم ثبات… ثم تمكين.

ومن أجمل ما في الآيات أن الله لم يقل: فَنَصَرَهُمْ، وإنما قال:

﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 148].

لأن ثواب الدنيا أوسع من نصر معركة.

فقد يكون ثواب الدنيا ثبات العقيدة، أو بقاء الرسالة، أو صناعة الجيل، أو حفظ الجماعة المؤمنة، أو كسر هيبة الباطل، أو كتابة التاريخ بدماء الصابرين.

فليس كل تأخر في النصر هزيمة، كما أن ليس كل انتصار عسكري تمكينًا.

ثم يختم الله الآيات بقوله:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134، 148].

فبدأت الآيات بذكر الربانيين، ثم أثنت على الصابرين، وختمت بـ المحسنين.

وكأنها ترسم طريق صناعة الأمة:

ربانيةٌ تصحح الوجهة، وصبرٌ يحفظ الطريق، وإحسانٌ يستجلب محبة الله، فإذا اجتمعت هذه الثلاثة جاء ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

وهنا تتجلى السنة الكبرى التي يحتاجها واقعنا اليوم:

ليس السؤال الأول: متى يأتي النصر؟

بل السؤال الذي يقدمه القرآن:

هل بقينا ربانيين إذا اشتد البلاء؟ وهل ثبتنا إذا تأخر الفرج؟ وهل راجعنا أنفسنا قبل أن نطالب بتغيير الواقع؟

فإن فعلنا ذلك، فنحن نسير في طريق وعد الله، وإن طال الطريق.

أما إذا سقطت القلوب في الوهن، والأعمال في الضعف، والنفوس في الاستكانة، فقد بدأت الهزيمة الحقيقية، ولو بقيت الأرض بأيدينا.

إن هذه الآيات تعلمنا أن الله لا يصنع بالنصر رجالًا، وإنما يصنع بالرجال النصر؛ وأن التمكين ليس ثمرة الأمن، بل ثمرة الربانية، والصبر، والمراجعة، والإحسان.

وهذه هي سنة الله التي لا تتخلف:

أن يُصلح الإنسان أولًا، ثم يُصلح به الزمان.

شارك المقال