سنن التنزيل
دراسةُ سورة النازعات

سورة النازعات… حين تعود الأشياء إلى أحجامها

  • 9 دقائق للقراءة
  • 48 آيةً

طغيان النفس يبدأ من اختلال أحجام الأشياء في القلب، وتأتي سورة النازعات لتعيد ضبط موازين الإنسان في تعظيم ربه ومحاسبة سعيه قبل انقضاء الدنيا.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

سورة النازعات… حين تعود الأشياء إلى أحجامها

قد لا يبدأ الطغيان عندما يملك الإنسان قوة كبيرة، بل عندما تختل في قلبه أحجام الأشياء.

تكبر نفسه في عينه.

وتكبر الدنيا في قلبه.

ويكبر هواه حتى يصبح قائدًا له.

وتصغر الآخرة في حساباته.

ويغيب عن قلبه مقام ربه.

فتأتي سورة النازعات لتعيد كل شيء إلى حجمه الحقيقي: قدرة الله، وحجم الإنسان، وقيمة الدنيا، ومكان الهوى، وحقيقة السعي، ثم تنتهي بمشهد تنكمش أمامه الحياة التي ملأت أعين أصحابها حتى تبدو:

﴿عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46].

وهنا تتصل النازعات اتصالًا جميلًا بما انتهت إليه سورة النبأ.

هناك قال الله:

﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبإ: 40].

وهنا:

﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾ [النازعات: 35].

هناك ينظر الإنسان إلى ما قدم.

وهنا يتذكر ما سعى.

وكأن القرآن ينقلنا من السؤال عن القيامة إلى السؤال عن أنفسنا: ماذا نقدم؟ وفيم نسعى؟ وأي شيء نؤثر؟ ومن الذي يقود حياتنا: مقام الرب أم هوى النفس؟

تبدأ السورة بقسم متتابع شديد الحركة:

﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ۝ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ۝ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ۝ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ۝ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: 1–5].

وقد تعددت أقوال المفسرين في المراد بهذه الأوصاف، ومن أشهرها أنها أوصاف للملائكة في أعمال مختلفة، فلا نحتاج إلى حسم ما لم يحسمه النص.

لكن الذي لا يخفى هو هذه الحركة المتلاحقة:

نزع.

ونشط.

وسبح.

وسبق.

وتدبير أمر.

السورة تبدأ متحركة، وكأنها لا تسمح للقلب أن يبقى ساكنًا في غفلته.

ثم ينتقل المشهد إلى حركة أعظم:

﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ۝ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: 6–7].

الكون يتحرك.

ثم تدخل الرجفة إلى الإنسان:

﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ۝ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: 8–9].

بدأ المشهد برجفة في الخارج، ثم أصبح وجفًا في القلب، ثم ظهر أثره في العين.

راجفة.

رادفة.

واجفة.

خاشعة.

وما كان الإنسان يتعامل معه في الدنيا كخبر بعيد أصبح هناك واقعًا يهز قلبه ويخفض بصره.

ومع ذلك كان المكذبون يستبعدون:

﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ۝ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً ۝ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: 10–12].

إنهم ينظرون إلى العظام.

إلى تحللها.

إلى ما يرونه هم صعبًا ومستبعدًا.

ثم يقيسون قدرة الله بمقاييس قدرتهم.

فيأتي الرد قصيرًا حاسمًا:

﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۝ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 13–14].

هم استبعدوا الأمر لطول ما تخيلوه من الطريق.

والقرآن اختصره:

﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: 13].

ثم:

﴿فَإِذَا هُم﴾ [النازعات: 14].

ما بدا في حساب الإنسان مستحيلًا لا يعجز قدرة الله.

وهذه أول عملية تصحيح للمقاييس في السورة:

لا تقس قدرة الله بحجم المشكلة في عينك.

ثم تأتي نقلة تبدو لأول وهلة بعيدة عن قضية البعث:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ [النازعات: 15].

لكن قصة موسى وفرعون ليست استطرادًا.

إنها قلب السورة.

﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ۝ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ [النازعات: 16–17].

كلمة واحدة شخصت المرض:

﴿طَغَىٰ﴾.

تجاوز الحد.

ارتفعت نفسه في عينه حتى خرجت عن مقامها.

لكن العجيب هو العلاج الذي أرسل الله به موسى:

﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ۝ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 18–19].

لم يبدأ العلاج من العرش.

بل من النفس.

﴿أَن تَزَكَّىٰ﴾ [النازعات: 18].

لأن فساد الخارج كثيرًا ما يبدأ من فساد الداخل.

ثم:

﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 19].

معرفة الرب تقود إلى الخشية.

والخشية تعيد الإنسان إلى حجمه.

وهنا تضع السورة أمامنا طريقين منذ قصة فرعون نفسها:

طغى

في مقابل:

تزكى → فتخشى.

فالطغيان تضخم للنفس.

والتزكية تطهير لها.

والخشية معرفة بمقام الرب.

ولهذا فإن المعركة الكبرى ليست دائمًا بين الإنسان وعدو خارجي؛ قد تبدأ بين الإنسان ونفسه حين تريد أن تتجاوز حدها.

ثم:

﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ ۝ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾ [النازعات: 20–21].

وهنا تسقط حجة أخرى.

فرعون رأى الآية.

لكن:

﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾ [النازعات: 21].

فليست كل مشكلة سببها نقص المعلومات.

قد يرى الإنسان الدليل، لكن هواه لا يريد النتيجة التي يقوده إليها الدليل.

ولهذا ستنتهي السورة إلى:

﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40].

فإذا أصبح الهوى حاكمًا، قد لا تكفي كثرة الأدلة؛ لأن المشكلة لم تعد في العين التي ترى، بل في القلب الذي لا يريد أن ينقاد.

ثم:

﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ۝ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ۝ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 22–24].

لاحظ الحركة:

أدبر.

يسعى.

حشر.

نادى.

فالطغيان لا يبقى فكرة ساكنة.

إنه يتحول إلى سعي.

ثم إلى حشد.

ثم إلى خطاب.

ثم إلى مشروع يريد أن يفرض نفسه على الآخرين.

وهنا تظهر مفارقة دقيقة.

موسى جاء يقول لفرعون:

﴿هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾ [النازعات: 18].

أي: ابدأ بنفسك.

وفرعون:

﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾ [النازعات: 23].

جمع الناس حول نفسه قبل أن يصلح نفسه.

المصلح يبدأ بتزكية النفس، والطاغية يريد أن يحشد الناس حول النفس.

ثم وصل تضخم الذات إلى أقصاه:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24].

وهنا لم تعد المسألة مجرد معصية.

لقد اختلت المقامات.

عبد جعل نفسه في مقام الرب.

فجاء الرد:

﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ ۝ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 25–26].

وانظر كيف تعود الخشية.

قال موسى:

﴿فَتَخْشَىٰ﴾.

ثم بعد نهاية فرعون:

﴿لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 26].

فليس كل من يعرف قصة فرعون يعتبر بها.

قد يحفظ الإنسان تاريخ الطغاة، ثم يعيد منطقهم في حياته.

العبرة ليست مجرد معرفة ما حدث، وإنما أن يدخل الخبر إلى القلب فيصنع خشية.

ثم بعد الرجل الذي قال:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

تأخذ السورة الإنسان إلى السماء:

﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: 27].

وكأنها تقول للإنسان الذي تضخم في نفسه:

ارفع رأسك قليلًا.

انظر إلى ما فوقك.

﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ۝ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 28–29].

أنت الذي تستبعد أن يعيدك الله بعد أن تصير عظامًا، هل خلقك أشد أم خلق هذه السماء؟

وأنت الذي يمكن أن تتكبر على أمر الله، ماذا صنعت في هذا البناء الذي تعيش تحته؟

ثم تنزل بك السورة إلى الأرض:

﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ۝ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ۝ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 30–32].

سماء فوقك.

وأرض تحتك.

وماء.

ومرعى.

وجبال.

وأنت بين ذلك كله عبد يعيش في عالم لم يصنعه.

ومع هذا كله لم يجعل الله هذه الآيات العظيمة مجرد مشاهد تبهر الإنسان، بل قال:

﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 33].

وهنا تعيد السورة ضبط ميزان آخر.

هذه الدنيا ليست محرمة عليك.

الله نفسه جعل فيها متاعًا لك.

تأكل.

وتشرب.

وتعمل.

وتتزوج.

وتبني.

وتنتفع بما سخر الله.

لكن المشكلة ستظهر بعد آيات:

﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: 38].

هناك فرق هائل بين أن تنتفع بالدنيا وأن تؤثر الدنيا.

الله قال:

﴿مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [النازعات: 33].

ولم يقل: اجعلوها غايتكم.

فالنعمة ليست المشكلة، وإنما الأثر الذي تصنعه النعمة في القلب.

قد يقود المال إلى الشكر.

وقد يقود إلى الطغيان.

وقد تقود القوة إلى إقامة العدل.

وقد تقود إلى الاستعلاء.

وقد يقود المنصب إلى خدمة الناس.

وقد يجعل الإنسان الناس في خدمة نفسه.

النعمة واحدة، ولكن أثرها يكشف القلب.

ثم لا تترك السورة الإنسان طويلًا داخل المتاع:

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ﴾ [النازعات: 34].

﴿مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [النازعات: 33].

ثم:

﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾ [النازعات: 34].

للمتاع نهاية.

وللسعي لحظة يتوقف فيها.

وللحياة التي تملأ أعيننا اليوم موعد ينكشف فيه حجمها الحقيقي.

﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾ [النازعات: 35].

وهنا تعود كلمة من قصة فرعون:

﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: 22].

ثم:

﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾ [النازعات: 35].

يسعى → ما سعى.

كلنا نسعى.

نسعى في الرزق.

ونسعى في البيوت.

ونسعى في المشاريع.

ونسعى خلف المكانة.

ونسعى فيما نحب.

لكن القضية ليست مقدار الحركة.

بل وجهتها.

فرعون كان يسعى.

ولكن سعيه قاده إلى الأخذ.

ولهذا ينبغي أن يسأل كل واحد منا نفسه:

هل السعي الذي يشغلني اليوم هو السعي الذي سيسعدني أن أتذكره غدًا؟

ثم:

﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾ [النازعات: 36].

كانت في الدنيا غيبًا أخبر الله عنه.

وهناك تصبح بارزة لمن يرى.

وفي أول مشهد القيامة:

﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: 9].

وهنا:

﴿لِمَن يَرَىٰ﴾ [النازعات: 36].

وفي نهاية السورة:

﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات: 46].

أبصار.

ورؤية.

ومشاهدة.

فالذي كان يُطلب منه في الدنيا أن يؤمن بالغيب، سيأتي عليه يوم يصبح فيه الغيب الذي أُخبر به عيانًا.

لكن زمن الاختيار هو الآن، لا عند الرؤية.

ثم تضع السورة القانون الذي كانت قصة فرعون نموذجًا له:

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ۝ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37–39].

عاد اللفظ نفسه:

﴿طَغَىٰ﴾.

في القصة:

﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ [النازعات: 17].

وفي القانون:

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ﴾ [النازعات: 37].

ففرعون ليس قصة منفصلة عن حياتنا، وإنما نموذج متضخم لقانون يمكن أن تبدأ بذوره في النفس.

ليس كل واحد منا سيقول:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24].

لكن كل واحد منا يحتاج أن يراقب في نفسه بذور الاستعلاء:

هل أرفض الحق لأنني لا أحب من قاله؟

هل يصعب علي الاعتذار؟

هل أريد أن تكون كلمتي هي الأخيرة؟

هل تجعلني نعمة الله أتواضع أم أتعالى؟

هل إذا تعارض الحق مع مصلحتي أبحث عن الحق، أم أبحث عن مبرر لهواي؟

فالطغيان الكبير قد تسبقه تنازلات صغيرة للهوى.

ثم تكشف السورة السبب الآخر:

﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: 38].

ولم تقل: أحب الحياة الدنيا.

فمحبة كثير من متاع الدنيا أمر جبلي.

لكنها قالت:

﴿آثَرَ﴾.

أي دخل في مفاضلة، فقدم الدنيا.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي.

عندما لا تتعارض الدنيا والآخرة، يسهل الكلام.

لكن عندما يتعارض المال مع الحلال، أيهما تؤثر؟

وعندما تتعارض مكانتك مع الاعتراف بالحق، أيهما تؤثر؟

وعندما يتعارض الهوى مع أمر الله، أيهما تؤثر؟

هنا يظهر معنى:

﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: 38].

وفي الجهة الأخرى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40–41].

وهذه من أعظم آيات بناء الإنسان.

لم يقل: من لم يكن له هوى.

بل:

﴿نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40].

النفس تريد.

والهوى يجذب.

لكن هناك قلب يعرف:

﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: 40].

فتنشأ المعركة الداخلية.

النفس تقول: أريد.

والإيمان يقول: لكن الله أمر.

النفس تقول: الآن.

والإيمان يقول: هناك آخرة.

النفس تقول: ماذا سيقول الناس؟

والإيمان يسأل: ماذا يريد الله؟

وهنا تظهر العبودية.

فالمؤمن ليس إنسانًا بلا رغبات، وإنما إنسان لا يجعل رغباته ربًا له.

يأكل ويشرب ويتزوج ويملك ويعمل ويتمتع بالحلال، لكن عندما يتجاوز الهوى حدود الله:

﴿نَهَى النَّفْسَ﴾ [النازعات: 40].

وهذا هو الطريق المقابل تمامًا لطريق فرعون.

فرعون قال:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24].

والناجي:

﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: 40].

هناك نفس وضعت نفسها في الأعلى.

وهنا نفس عرفت مقامها أمام ربها.

ومن عرف قدر ربه عرف قدر نفسه.

ومن عرف قدر نفسه عرف قدر الدنيا.

ومن عرف قدر الدنيا استطاع أن يضع هواه في قدره.

ثم النتيجة:

﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 39].

وفي المقابل:

﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 41].

الكلمة نفسها:

﴿الْمَأْوَىٰ﴾.

لكن وجهتين مختلفتين.

وفي سورة النبأ كان:

﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبإ: 39].

وهنا:

﴿الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 41].

فالنبأ أعلنت المآب، والنازعات تكشف شيئًا من الطريق إليه:

﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40].

ثم بعد أن عرضت السورة كل هذا، يعود الناس إلى السؤال:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: 42].

متى؟

متى ستقع؟

متى يأتي اليوم؟

لكن القرآن لا يعطيهم التاريخ.

﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 43–44].

علم منتهاها إلى الله.

وليس نقصًا في هدايتك أن لا تعرف موعدًا لم يكلفك الله بمعرفته.

لقد أعطاك ما تحتاجه للنجاة:

أخبرك أنها آتية.

وأخبرك أنك ستبعث.

وأخبرك أن سعيك سيعود إليك.

وأخبرك بالطريقين.

وأخبرك بالمأوى.

أما الموعد:

﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 44].

ثم يحدد وظيفة الرسالة:

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45].

وهنا تعود الكلمة التي بدأت مع فرعون:

﴿فَتَخْشَىٰ﴾.

ثم:

﴿لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 26].

ثم:

﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: 40].

ثم:

﴿مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45].

وكأن الخشية هي العلاج الذي تكرره السورة أمام مرض الطغيان.

الطغيان يقول: أنا.

والخشية تقول: ربي.

الطغيان يطلق النفس وراء هواها.

والخشية:

﴿نَهَى النَّفْسَ﴾ [النازعات: 40].

الطغيان:

﴿آثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: 38].

والخشية ترى ما وراء الدنيا.

ثم تأتي الآية الأخيرة لتعيد الدنيا نفسها إلى حجمها:

﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46].

هذه هي الدنيا التي:

﴿آثَرَ﴾

بعض الناس من أجلها الآخرة.

عندما يرون الساعة، تنكمش عشرات السنين بكل ما فيها من صراعات ومنافسات وأموال ومناصب وشهوات إلى شيء يبدو كعشية أو ضحاها.

وهنا يظهر فداحة الخطأ:

لم تكن المشكلة أن الإنسان امتلك الدنيا.

بل أن الدنيا امتلكت ميزانه.

كبرت في قلبه حتى آثرها.

ثم عندما رأى الحقيقة عرف حجمها.

ومن لطائف السورة أنها قالت في بناء العالم:

﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 29].

ثم ختمت:

﴿عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46].

فالضحى الذي نعيش دورته كل يوم يصبح في النهاية مقياسًا يذكر بقصر هذه الإقامة كلها.

وهكذا تنتهي سورة النازعات بعد أن أعادت الأشياء إلى أحجامها.

المكذب استبعد البعث، فقال الله:

﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: 13].

وفرعون عظّم نفسه، فقال:

﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: 27].

والإنسان عظّم الدنيا، فقال:

﴿مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [النازعات: 33].

والهوى أراد أن يقود النفس، فقال:

﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40].

والناس سألوا عن موعد الساعة، فقال:

﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 44].

والدنيا التي بدت طويلة عظيمة، قال عنها عند رؤية الآخرة:

﴿عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46].

ختامًا

سورة النازعات تعلمنا أن كثيرًا من فساد الإنسان يبدأ من فساد الميزان.

حين يكبر الإنسان في عين نفسه يطغى.

وحين تكبر الدنيا في قلبه يؤثرها.

وحين يكبر الهوى يصبح قائدًا.

وحين تصغر الآخرة في حسابه ينسى ما يسعى إليه.

أما حين يعرف مقام ربه، تعود الأشياء إلى أماكنها.

تصبح الدنيا متاعًا لا معبودًا.

والهوى رغبة تُضبط لا قائدًا يُطاع.

والسعي طريقًا إلى الله لا حركة تستهلك العمر.

والآخرة حقيقة حاضرة في القرار وإن غابت عن العين.

ولهذا لا تسأل نفسك فقط: كم سعيت؟

بل:

فيم سعيت؟

ولا تسأل فقط: ماذا أملك من الدنيا؟

بل:

أي شيء منها يملك قلبي؟

ولا تقل: أنا بلا هوى.

بل اسأل:

هل أستطيع أن أنهى نفسي عندما يخالف هواها أمر الله؟

ولا تجعل السؤال الأكبر:

﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: 42].

بل اجعل همك أن تكون ممن:

﴿يَخْشَاهَا﴾.

خذ من الدنيا متاعها، ولا تجعلها غايتك.

واسعَ، ولكن صحح وجهة سعيك.

وامتلك رغباتك، ولا تجعل رغباتك تمتلكك.

واعرف مقام ربك، حتى تعرف مقام نفسك.

فسيأتي يوم:

﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾ [النازعات: 35].

وعندها ستعود الأشياء كلها إلى أحجامها، وستنكشف الدنيا التي ملأت العين يومًا:

﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46].

شارك المقال