الوعد الإلهي يثبت قلوب المؤمنين في أشد الابتلاءات حين تغيب سبل النجاة، ويوجب على الأمة نصرة المستضعفين بما تستطيعه دون ارتهان بحسابات البشر وموازين القوى.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى:
أم تحمل رضيعها، وفرعون يقتل أبناء بني إسرائيل، والخوف يقترب من طفلها.
كل حسابات البشر تقول لها: أمسكي به، أخفيه، أبعديه عن الماء.
لكن الأمر يأتي بما يبدو في ظاهره أشد خوفًا:
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 7].
ثم يأتي الوعد:
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7].
لم يعطها الله خريطة الطريق.
لم يقل لها: سيلتقطه آل فرعون، وسأحرّم عليه المراضع، وستقص أخته أثره، ثم يعود إليك.
أعطاها كلمة تكفي:
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7].
ثم بدأت أحداث يبدو ظاهرها بعيدًا عن الوعد: ألقته في اليم، والتقطه آل فرعون، وأصبح الطفل في بيت الرجل الذي كانت تخشاه عليه.
ثم قال الله:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: 13].
تأمل:
﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾ [القصص: 7].
ثم:
﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾.
ثم:
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص: 13].
بين الوعد وتحققه طريق كامل لم تكن أم موسى تعرف منه شيئًا.
هي كانت تعرف الوعد، أما الطريق فكان يجري بتدبير الله.
ومع ذلك لم تكن قلبًا لا يتألم:
وهذه من أعظم رسائل القرآن للمبتلى:
قد تؤمن بالوعد، ويؤلمك الطريق.
وقد تثق بالله، ويكاد قلبك ينهار.
وقد تكون مؤمنًا حقًا، وتحتاج أن يربط الله على قلبك.
فالإيمان ليس ألا يرتجف القلب، وإنما أن يجد القلب حين يرتجف ربًّا يربط عليه.
فلا تجعل عجزك عن رؤية الكيفية سببًا للشك في قدرة الله وحكمة تدبيره.
وهنا تخرج الآيات من صفحات المصحف إلى واقعنا.
إلى غزة.
إلى قتل وفقد، وقصف ونزوح، وجوع وخوف، وأمهات فقدن أبناءهن، وأطفال عاشوا من الألم ما يثقل قلب الكبير.
وهنا ينبغي أن نتأدب مع المبتلى، فلا نحدثه وكأن الإيمان يعني ألا يتألم.
فالقرآن نفسه قال:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11].
وقال:
﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214] ليست شكًا في صدق الله، وإنما سؤال قلب أثقله البلاء.
فلا نقول للأم التي فقدت أبناءها: لا تحزني، وكأن الحزن نقص في إيمانها.
بل نقول:
اللهم اربط على قلبها.
لكن غزة ليست امتحانًا لأهلها وحدهم.
إنها امتحان لأمة ترى وتسمع.
ترى الطفل تحت الركام، والأم الثكلى، والجائع والنازح، وتسمع الاستغاثة.
ثم يأتي السؤال القرآني:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75].
فالقرآن لا يسأل المستضعفين هنا: لماذا لم تصبروا؟
بل يوجّه السؤال إلى القادرين من حولهم:
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ [البقرة: 107؛ النساء: 75]؟
إذا كان المستضعف ممتحنًا بعجزه، فالقادر ممتحن بقدرته.
والمؤلم أن الخلل ليس دائمًا في غياب النصوص، وإنما في انتقائية استدعائها.
فقد ترتفع كلمات الجهاد والنصرة والتضحية وبذل المال والتحريض على الخير حين ينسجم ذلك مع مصالح وتحالفات معينة، فإذا صار الصراع مع محتل قوي وحلفائه خفتت الكلمات، وتبدلت المصطلحات، وضاقت مساحات الحديث عما كان يُقدَّم في مواضع أخرى بوصفه واجبًا.
وهنا السؤال:
من الذي يحدد لنا متى نتكلم ومتى نصمت؟
الوحي أم ميزان المصالح؟
هل يتغير الحق لأن الظالم قوي؟
وهل تسقط مسؤولية نصرة المظلوم لأن نصرتَه أصبحت مكلفة؟
إن دين الله لا ينبغي أن يصبح قاموسًا تتغير مفرداته بتغير الخصوم والحلفاء.
فالقرآن الذي نقرؤه حين تكون الكلمة بلا كلفة، هو القرآن نفسه حين تصبح للكلمة كلفة.
وهنا تظهر حقيقة العبودية:
ألا ننتظر من البشر إذنًا لنؤمن بما أمر الله به، ولا نجعل موازين القوى تحدد لنا أي آيات نستحضر وأيها نضع جانبًا.
ومع ذلك فالناس ليسوا سواء في القدرة والمسؤولية:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
لكن الاستطاعة نفسها أمانة.
فالسؤال ليس: لماذا لم تفعل ما لا تستطيع؟
بل:
ماذا فعلت بما تستطيع؟
صاحب المال بماله، وصاحب العلم بعلمه، وصاحب المنبر ببيانه، وصاحب القرار بقراره، وصاحب الكلمة بكلمته.
وقال نبينا محمد ﷺ:
«مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
لم يقل إن بقية الجسد تعلم أن العضو يتألم، بل:
تداعى له.
فالمعلومة التي لا تُحدث فينا أثرًا ينبغي أن تخيفنا على قلوبنا.
ومن أخطر ما يصيب الأمة أن ترى البلاء مرات كثيرة حتى تعتاده؛ حتى يتحول الدم إلى خبر، والإنسان إلى رقم، والاستغاثة إلى صوت اعتدنا سماعه.
فغزة ليست امتحانًا للصابر تحت البلاء وحده.
إنها امتحان للعالم الذي يعلم، ولصاحب المنبر الذي يستطيع البيان، ولصاحب المال الذي يستطيع البذل، ولصاحب القرار الذي يستطيع الفعل، ولكل واحد منا فيما وضع الله بين يديه.
ويبقى السؤال:
متى يأتي الفرج؟ وكيف؟ ومن أين؟
والجواب الصادق:
لا نعرف.
لا نحدد لله موعدًا لم يخبرنا به، ولا نفسر الغيب من عند أنفسنا.
لكن عدم معرفتنا بكيفية الفرج شيء، والشك في قدرة الله وتدبيره شيء آخر.
نحن لا نعلم كيف تنتهي هذه المحنة، ولا من أي باب يفتح الله الفرج.
لكننا نعلم أن الله لا تخفى عليه خافية، وقد أحاط بكل شيء علمًا.
يعلم أنين المكلوم، ودمعة الثكلى، وجوع الطفل، وخوف النازح، وما يفعله الظالم في السر والعلن.
ولا يخرج شيء عن ملكه وسلطانه، ولا يضيع عنده حق وإن ظن الناس أن طول الزمن قد طواه.
ختامًا، قد يعطيك الله الوعد ولا يكشف لك كيف يتحقق.
وقد تمر بك أحداث يبدو ظاهرها بعيدًا عما تنتظر.
وهنا يكون الامتحان:
هل تتوقف طمأنينتك على أن ترى كيف ستجري الأمور؟
أم يكفيك أن تعلم من الذي وعدك؟
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87].
فإن كنت تحت البلاء، فلا تجعل غياب الطريق عن بصرك يقطع قلبك عن الله.
وإن كنت تشاهد البلاء، فلا تجعل إيمانك بأن الله سينصر المظلوم ذريعة للتخلي عن نصرتك له بما تستطيع.
فليس السؤال فقط:
متى يأتي نصر الله؟
بل هناك سؤال لنا أيضًا:
ماذا فعلنا نحن بما أمرنا الله به، وبما وضع في أيدينا من قدرة؟
وبين:
و:
﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾
لم تكن أم موسى تعرف كيف سيتحقق الوعد.
لكنها عرفت من وعدها، فوثقت بوعده، ومضت بأمره، وجرى الطريق بتدبيره سبحانه.