سنن التنزيل
مقال

﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾… حين لا يريد الشيطان منك الذنب وحده

  • 4 دقائق للقراءة
  • 14 آيةً

نزع الستر هو المقصد الشيطاني الأعمق من مجرد وقوع الذنب، حيث يستهدف تجريد القلب من حياء التقوى حتى يألف المرء قبح المعصية بدلاً من المسارعة إلى سترها.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

قال الله تعالى:

﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27].

لم يروِ القرآن قصة آدم عليه السلام لتبقى حادثة في بداية الخلق، بل نقلها مباشرة إلى أبنائه:

﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26–27، 31، 35].

فما جرى لأبيكم يمكن أن يتكرر معكم، وإن تغيرت الشجرة، وتغيرت الشهوة، وتغيرت صورة الفتنة.

لكن اللافت أن القرآن، وهو يحذرنا من الشيطان، لم يقف عند وقوع آدم وزوجه في المخالفة، بل أبرز شيئًا آخر:

﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: 27].

فما علاقة الذنب باللباس؟

تبدأ القصة بالوسوسة:

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 20].

ثم:

﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 22].

ثم وقع التجاوز:

﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: 22].

ثم ظهرت النتيجة:

﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: 22].

وسوسة، فغرور، فمخالفة، فانكشاف.

وهذه هي «خطوات الشيطان» التي حذرنا القرآن من اتباعها:

﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21].

فالشيطان لا يملك أن يجبر الإنسان على المعصية، ولكنه يوسوس ويزين ويدعو، حتى يفتح الإنسان له الباب.

ولا يريد منه مجرد ذنب عابر، بل يريد أن يجعل الذنب مدخلًا لما بعده.

وهنا يأتي اللباس.

قال تعالى قبل التحذير مباشرة:

﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].

لباس يواري الجسد، ولباس يحفظ الإنسان من داخله:

﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].

وحين يضعف لباس التقوى، تبدأ الحواجز الداخلية في الضعف؛ يهون ما كان عظيمًا، ويألف القلب ما كان ينكره، ويصبح الاقتراب مما كان يخشاه أسهل.

وليس معنى ذلك أن كل فقد نعمة أو ستر أو صحة عقوبة على ذنب؛ فالابتلاء سنة من سنن الله، وقد ابتلي أنبياؤه وعباده الصالحون.

وإنما الحديث عن شيء أخطر:

أن يُنزع الستر من داخل الإنسان قبل أن يُنزع من خارجه.

أن يبقى مستورًا أمام الناس، بينما يفقد في قلبه شيئًا من الحياء والتقوى واستقباح المعصية.

وهنا تظهر واحدة من أجمل المقابلات في قصة آدم:

الشيطان:

﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: 27].

وآدم وزوجه:

﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22].

الشيطان ينزع… وآدم يخصف.

وقع آدم عليه السلام في المخالفة، لكنه لم يتصالح مع انكشاف السوءة.

لم يعد تعريفها حتى تصبح مقبولة.

لم يبحث عن حجة تبرر بقاءها مكشوفة.

بل أسرع إلى الستر.

وهنا تظهر علامة من علامات حياة القلب:

أن تبقى السوءة في عينيك سوءة.

أن يؤلمك الذنب.

أن تستحي منه.

أن تستغفر.

أن تبحث عن طريق العودة.

ولهذا لم تنته قصة آدم عند:

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121]،

بل جاء بعدها:

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 121-122].

وهنا نفهم لماذا وصف القرآن المتقين فقال:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ… وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].

تأمل:

هؤلاء متقون، ومع ذلك قد تقع منهم الفاحشة أو ظلم النفس.

فالفارق ليس بين بشر يخطئون وبشر لا يخطئون.

الفارق يظهر بعد الخطأ.

﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135].

﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾.

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135].

ولهذا فالسؤال بعد الزلة ليس فقط:

هل وقعت؟

بل:

ماذا فعلت بعد أن وقعت؟

هنا يفترق الطريق.

طريق يبدأ بالذنب، ثم التذكر والاستغفار والتوبة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

وطريق يبدأ بالذنب، ثم التكرار، ثم الإصرار، ثم التزيين، حتى يتغير ميزان القلب نفسه:

﴿فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: 25].

ثم قد يبلغ تراكم الكسب:

﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

وهنا تصبح القضية أخطر من مجرد فعل معصية.

كان الإنسان يفعلها ويستحي.

ثم يكررها فيخف الحياء.

ثم يألفها.

ثم يبررها.

ثم ربما يغضب ممن يذكره بأنها معصية.

فالخطر الحقيقي أن يتغير موقف القلب من الذنب.

وهذا يساعدنا على فهم جانب مما نراه من انحلال أخلاقي في واقعنا.

فالمجتمعات لا تفقد حياءها دائمًا دفعة واحدة.

يبدأ الأمر بخطوات.

منكر يُستقبح.

ثم تتكرر مشاهدته.

ثم يؤلف.

ثم يبرر.

ثم يجاهر به.

ثم يعاد تقديمه حتى لا يعود منكرًا في ميزان الناس.

وما نسميه اليوم «التطبيع مع المنكر» يصف القرآن بعض مراحله بمفردات أدق:

خطوات، وتزيين، وإصرار، وران.

وهنا ندرك أن المجتمع، كما الإنسان، يحتاج إلى أن يحفظ حواجز الحياء فيه؛ لأن انهيار الحاجز الأول يجعل الوصول إلى الذي بعده أسهل.

ومع ذلك، لا يريد القرآن أن يقود المذنب إلى اليأس.

فالشيطان قد يأتيه من بابين:

إما أن يهوّن عليه الذنب حتى يصر عليه،

وإما أن يعظمه في نفسه حتى يقنط من رحمة الله.

والقرآن يغلق الطريقين.

فيقول في الأول:

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135].

ويقول في الثاني:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].

فالنجاة ليست في ادعاء العصمة من الزلل، وإنما في ألا نحول الزلة إلى طريق.

أن نعود.

أن نستغفر.

أن نخصف ما انكشف.

أن نصلح ما أفسدناه.

وأن نستعيد لباس التقوى كلما حاول الشيطان نزعه.

ختامًا

ربما لم تكن أعظم العبرة في قصة أبينا آدم عليه السلام أنه وقع، وإنما في أنه لم يتخذ من وقوعه مقامًا.

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121]،

ثم:

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122].

وبينهما صورة لا ينبغي أن تغيب عنا:

﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22].

فالشيطان ينزع، والمؤمن إذا زلّ يسارع إلى استعادة الستر.

قد نخطئ.

وقد نظلم أنفسنا.

وقد يمسنا طائف من الشيطان.

لكن الفارق في الطريق الذي نسلكه بعد ذلك:

**هل نتذكر فنُبصر، ونستغفر فلا نُصرّ، ونخصف ما انكشف؟

أم نألف السوءة حتى لا نعود نراها سوءة؟**

فالخطر ليس أن تنكشف السوءة بعد الزلة فحسب؛

الخطر أن نتوقف عن رؤيتها سوءة.

﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].

شارك المقال