سورة المائدة — من الآية 87 إلى 109: من حدود الحلال والحرام إلى أمانة المسؤولية والشهادة
حدود الحلال والحرام وأمانة الشهادة ترسمان معالم التدين المستقيم، الذي يجمع بين التقوى وصيانة الحقوق في الحياة الدنيا واستحضار الحساب يوم القيامة.
حين يصبح التشدد اعتداءً على حدود الله
قال الله تعالى:
بعد أن عالجت السورة قضية الولاء والثبات على الحق، وحذرت من الغلو في الدين واتباع الأهواء، تنتقل إلى جانب آخر من جوانب الوفاء بالعهد: التزام حدود الحلال والحرام دون زيادة أو نقصان.
وقد يظن بعض الناس أن التقرب إلى الله لا يكون إلا بالتضييق على النفس، وأن ترك المباحات على وجه التعبد أقرب إلى التقوى من الانتفاع بها.
لكن القرآن يصحح هذا التصور.
فالله الذي حرم الخبائث أحل الطيبات، والذي أمر بالعبادة لم يجعل تعذيب النفس مقصدًا من مقاصد الدين.
وتأمل أن الآية لم تكتف بالنهي عن تحريم الطيبات، بل قالت:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 87].
فقد يكون الاعتداء بتجاوز ما حرم الله إلى ما أحل، كما يكون بتحليل ما حرم.
وهذا يكشف أن التشدد غير المشروع ليس بالضرورة علامة على زيادة التقوى؛ فقد يكون مخالفة لحدود الله.
ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يجوز له ترك بعض المباحات لمصلحة صحية أو تربوية أو لعدم رغبته فيها، وإنما المنهي عنه أن يجعل ما أحله الله حرامًا من عند نفسه، أو يتقرب إلى الله بتحريم لم يشرعه.
ثم يقول تعالى:
وهنا يجتمع الانتفاع بالرزق مع التقوى.
فالإنسان مأمور بأن يأكل مما أحل الله له، وأن يلتزم حدود الله في اكتساب رزقه واستهلاكه.
ومن هنا فإن التدين الصحيح لا يعادي الحياة ولا يرفض نعم الله، بل يضبط الانتفاع بها.
وقد يمتلك الإنسان مالًا كثيرًا، لكن تقواه تظهر في مصدره وطريقة إنفاقه.
وقد يتمتع بما أباح الله من طعام ولباس وزينة، دون أن يتحول ذلك إلى إسراف أو كبر أو اعتداء على حقوق الآخرين.
فالتقوى ليست في تحريم الطيبات، وإنما في الانتفاع بها على الوجه الذي يرضي الله.
الأيمان: حين تصبح الكلمة عهدًا ومسؤولية
ثم يقول تعالى:
بعد الحديث عن حدود الحلال والحرام، تنتقل السورة إلى مسؤولية الإنسان عن كلامه، وخاصة ما يعقده من أيمان.
وهذا الانتقال ليس بعيدًا عن مقصد السورة.
فقد بدأت بالأمر بالوفاء بالعقود، وها هي تعالج صورة من صور الالتزام الذي ينشئه الإنسان بلسانه.
فليست كل كلمة تجري على اللسان في منزلة واحدة؛ إذ فرقت الآية بين لغو اليمين واليمين المعقودة التي تترتب عليها المؤاخذة.
ثم بينت كفارة اليمين:
وهنا ينبغي الانتباه إلى ترتيب الحكم.
فالكفارة تكون بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ويكون صيام ثلاثة أيام لمن لم يجد ما يكفر به من الخيارات السابقة.
ولا يصح أن نجعل الصيام خيارًا مساويًا للإطعام والكسوة مع القدرة عليهما؛ لأن النص علقه بعدم الوجدان.
ثم يقول تعالى:
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89].
وهنا تعود المسؤولية إلى أصلها.
فاليمين ليست وسيلة لإظهار الجدية أو التأثير في الآخرين، وإنما التزام ينبغي أن يصان.
وقد يكثر الإنسان من القسم حتى تفقد الكلمة هيبتها، أو يحلف لتحقيق مصلحة عابرة، ثم لا يبالي بما يترتب على يمينه.
لكن القرآن يربي المؤمن على احترام ما يصدر عنه من التزامات.
ولا يعني حفظ اليمين الاستمرار في أمر تبين أن غيره خير منه؛ فقد جاءت السنة ببيان أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، أتى الذي هو خير وكفر عن يمينه.
وهذا يعلمنا أن الوفاء لا يعني الإصرار على الخطأ، وإنما الالتزام بالحق مع أداء ما يترتب على نقض اليمين من كفارة.
وفي حياتنا تتسع دلالة هذا المعنى.
فقد يعطي الإنسان وعدًا ثم يستخف به.
وقد يتولى مسؤول منصبًا فيقسم على أداء الأمانة، ثم يتعامل مع القسم باعتباره إجراء شكليًا.
وقد تعلن مؤسسة التزامها بحقوق الناس، ثم لا تحاسب نفسها على مخالفتها.
وهنا يصبح حفظ الكلمة جزءًا من حفظ الثقة.
فالمجتمع الذي لا يطمئن الناس فيه إلى الوعود والعقود والأيمان يعاني اضطرابًا في علاقاته، مهما كثرت فيه الشعارات.
الخمر والميسر: حين يفسد الإنسان ما أُعطي من عقل ومال
ثم يقول تعالى:
بعد ضبط المباحات والأيمان، تنتقل السورة إلى تحريم ما يفسد العقل والمال والعبادة والعلاقات.
واللافت أن الآية لم تكتف بالنهي عن شرب الخمر أو ممارسة الميسر، بل أمرت باجتناب هذه الأمور.
ثم تكشف الآية التالية بعض آثارها:
هنا لا يعرض القرآن الحكم مجردًا، بل يبين بعض ما يترتب على هذه الممارسات من فساد.
فالخمر تؤثر في العقل والإدراك، وقد تفضي إلى سلوكيات تضر بصاحبها وبغيره.
والميسر يقوم على المخاطرة بالمال طلبًا للكسب على وجه محرم، وقد يقود إلى النزاع والعداوة وضياع الأموال.
ثم إن هذه الممارسات قد تشغل الإنسان عن ذكر الله والصلاة، وتجعله أسيرًا لرغبات تتغلب على إرادته.
وتأمل أن الآية جمعت بين أثرين: فساد العلاقات بين الناس، والصد عن عبادة الله.
فالدين لا ينظر إلى الإنسان بوصفه جسدًا منفصلًا عن روحه، ولا إلى العبادة بوصفها شأنًا لا علاقة له بالسلوك الاجتماعي.
إنما يريد حفظ عقل الإنسان وماله وعلاقاته وصلته بربه.
وهذا المعنى يزداد وضوحًا في واقعنا مع تنوع صور الإدمان والمقامرة، وما قد يترتب عليها من ديون وتفكك أسري وضياع للوقت والمال.
ولا ينبغي أن نتعامل مع هذه الظواهر بوصفها أخطاء فردية فحسب، بل تحتاج كذلك إلى وقاية وتربية وعلاج وحماية للفئات الأكثر عرضة للضرر.
ثم يأتي السؤال القرآني الحاسم:
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].
إنه سؤال ينقل الإنسان من معرفة الحكم إلى اتخاذ القرار.
فقد يعرف المرء أن عادة معينة تضره، لكنه يظل يؤجل تركها.
وقد يدرك المجتمع آثار ممارسة فاسدة، لكنه يتردد في مواجهتها بسبب المصالح المرتبطة بها.
وهنا تظهر أهمية الإرادة في الاستجابة للحق.
ثم يقول تعالى:
فتعود السورة إلى أصل الطاعة الذي ظهر في قوله تعالى:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7].
فليس المطلوب مجرد الاقتناع النظري بالحكم، وإنما الاستجابة له.
حين لا يُحمَّل الماضي حكمًا لم يكن قد نزل
ثم يقول تعالى:
تأتي هذه الآية بعد تحريم الخمر والميسر لتبين أن من تناول شيئًا قبل نزول تحريمه لا يؤاخذ بذلك على وجه ما يؤاخذ به من خالف الحكم بعد علمه به، مع تحقق ما ذكرته الآية من الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
وهنا تظهر عدالة التشريع.
فلا يجوز أن نحاسب الناس على مخالفة تكليف لم يكن قد بلغهم على وجه تقوم به الحجة.
كما أن التدرج الذي وقع في التشريع لا يعني أن الأحكام المستقرة بعد اكتمال الدين تبقى مفتوحة لكل إنسان ليختار متى يلتزم بها.
فالفرق كبير بين مرحلة نزول الحكم وبين مسؤولية من بلغه الحكم بعد استقراره.
وتأمل تكرار التقوى والإيمان والإحسان في الآية.
فليست الاستقامة لحظة واحدة يحققها الإنسان ثم يستغني عن المراجعة، وإنما هي طريق يحتاج إلى ثبات وتجدد.
وقد يترك الإنسان معصية، لكنه يحتاج إلى بناء عادات صالحة تعينه على الاستمرار.
وقد يصلح جانبًا من حياته، ثم يكتشف جوانب أخرى تحتاج إلى إصلاح.
ومن هنا فإن التقوى ليست ادعاء بلوغ الكمال، وإنما دوام السعي إلى مرضاة الله.
الصيد في الإحرام: حين يُمتحن الإنسان فيما يقدر عليه
ثم يقول تعالى:
بعد الحديث عن ترك المحرمات، تنتقل السورة إلى صورة دقيقة من صور الامتحان.
فالصيد قد يكون قريبًا من الإنسان، يستطيع الوصول إليه بيده أو رمحه، لكنه ممنوع منه في حال الإحرام وفق الحكم الشرعي.
وهنا تظهر حقيقة التقوى.
فقد يترك الإنسان الشيء لأنه عاجز عنه، لكن الامتحان يكون أظهر حين يقدر عليه ثم يمتنع امتثالًا لأمر الله.
وتأمل قوله:
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94].
فالله محيط علمًا بعباده، والابتلاء يظهر به ما يترتب عليه الجزاء من أعمالهم ومواقفهم.
وهنا نتعلم أن مراقبة الله لا ينبغي أن ترتبط بوجود الرقيب البشري.
فقد يستطيع الإنسان أن يأخذ ما ليس له دون أن يراه أحد، لكنه يمتنع لأن الله يراه.
وقد يملك الموظف فرصة لاستغلال منصبه، لكنه يحفظ الأمانة.
وقد يستطيع التاجر الغش دون أن ينكشف أمره، لكنه يتركه خوفًا من الله.
وهذا من أعظم ما تحتاج إليه المجتمعات.
فالقوانين والرقابة ضرورية، لكنها لا تستطيع أن تراقب كل تصرف في كل لحظة.
أما الضمير الذي يستحضر مراقبة الله، فإنه يعين الإنسان على الاستقامة حتى حين يغيب نظر الناس.
الجزاء المنضبط لا الانتقام المفتوح
ثم يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] المائدة: 95.
وتبين الآية جزاء من قتل الصيد متعمدًا وهو محرم، وما يتعلق بذلك من هدي أو إطعام أو صيام وفق أحكامه الشرعية.
وتأمل قوله:
﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95].
فهنا يظهر أن تقدير الجزاء لا يترك لمجرد رغبة المخالف أو انفعال من يحاسبه، وإنما يرجع إلى حكم من تتوافر فيه العدالة.
وهذا يعيدنا إلى أصل تكرر في السورة: أن الحقوق والعقوبات تحتاج إلى ميزان منضبط.
فقد يكون الإنسان قد أخطأ، لكن خطأه لا يبيح معاقبته بغير حق.
وقد يقع الاعتداء، لكن معالجته لا ينبغي أن تتحول إلى اعتداء جديد.
ثم يقول تعالى:
فتجمع الآية بين العفو والتحذير من العودة إلى المخالفة.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر التفريق بين ما أبيح وما حرم في حال الإحرام.
فليس كل صيد ممنوعًا، ولا كل انتفاع بالحيوان محرمًا.
وهذا يذكرنا بأن التقوى تقوم على اتباع التفصيل الذي شرعه الله، لا على تعميم التحريم بغير دليل.
الكعبة والزمان الحرام: نظام يحفظ للناس أمنهم
ثم يقول تعالى:
بعد أحكام الصيد والإحرام، تنتقل السورة إلى بيان مكانة الكعبة وما جعله الله من الحرمات المرتبطة بها.
وتأمل قوله:
﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97].
فالكعبة ليست مجرد بناء يتوجه إليه المسلمون في الصلاة، وإنما جعلها الله مركزًا لعبادتهم، وربط بها أحكامًا وشعائر ومصالح تقوم بها شؤون من حياتهم.
وقد ارتبطت حرمة البيت والأشهر الحرم بحماية مقاصد عظيمة، منها تعظيم شعائر الله وصيانة أمن القاصدين للبيت.
وهنا يظهر أن العبادة ليست منفصلة عن انتظام حياة الناس.
فالحج يجمع المسلمين من أقطار الأرض، ويذكرهم بوحدة ربهم وقبلتهم، ويعلمهم الانضباط في زمان ومكان وشعائر محددة.
ثم يقول تعالى:
فتعود الأحكام إلى علم الله.
فالذي شرع هذه الحرمات هو العليم بما يصلح عباده، وإن لم يحيطوا بكل حكم التشريع.
ثم يقول تعالى:
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 98] المائدة: 98.
وهنا يجتمع الخوف والرجاء.
فالمؤمن لا يأمن مكر الله فيستهين بالمعصية، ولا يقنط من رحمته فيغلق على نفسه باب التوبة.
ثم يقول تعالى:
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: 99] المائدة: 99.
وهنا تتكرر مسؤولية البلاغ، ويعود التذكير بعلم الله بالظاهر والباطن.
فقد يعلن الإنسان الطاعة، لكن حقيقة استجابته تظهر في عمله، والله يعلم ما يخفيه صدره.
ليس كل ما يكثر في الدنيا خيرًا
ثم يقول تعالى:
هذه الآية من القواعد الجامعة التي يحتاج إليها الإنسان في تقويم الأشياء والمواقف.
فالقرآن يقرر أن كثرة الشيء لا تجعله طيبًا، وأن قلة الخير لا تنقص من حقيقته.
وقد ينبهر الإنسان بكثرة المال، لكنه لا يسأل عن مصدره.
وقد يعجبه اتساع النفوذ، لكنه لا ينظر إلى الوسائل التي تحقق بها.
وقد يرى كثرة المؤيدين لفكرة أو موقف، فيظن أن العدد وحده دليل على الصواب.
لكن الآية تصحح هذا الميزان.
فالخبيث لا يتحول إلى طيب لمجرد أنه كثير أو منتشر أو مربح.
وهذا لا يعني أن الكثرة مذمومة في ذاتها، أو أن القلة دليل على الحق.
إنما يعني أن معيار التمييز بين الطيب والخبيث لا يقوم على العدد وحده.
وفي واقعنا قد يحقق مشروع أرباحًا كبيرة، لكنه يقوم على استغلال الناس أو الإضرار بهم.
وقد تنتشر ممارسة اجتماعية حتى تصبح مألوفة، لكنها تبقى مخالفة للحق.
وقد تحظى سياسة بتأييد واسع، لكن ذلك لا يعفيها من ميزان العدل.
وهنا يظهر أثر التقوى في تصحيح الأحكام.
فالإنسان الذي ينظر إلى النتائج المادية وحدها قد ينجذب إلى الخبيث لكثرته، أما الذي يستحضر الله فيسأل عن حقيقة ما يختاره وعواقبه.
فليس كل نجاح ظاهر دليلًا على صلاح الطريق، كما أن قلة المكاسب العاجلة لا تعني أن الطريق الصحيح خاسر.
السؤال الذي يفتح باب العلم، والسؤال الذي يصنع الحرج
ثم يقول تعالى:
قد يظن قارئ هذه الآية أن القرآن ينهى عن السؤال والبحث والتفكير.
لكن هذا الفهم لا يستقيم مع ما دعا إليه القرآن من التعقل والتدبر والتعلم والسؤال عما يحتاج الإنسان إلى معرفته.
وإنما تعالج الآية نوعًا من الأسئلة التي قد تفضي إلى الحرج أو التكليف بما لم يكن مفروضًا، أو تنشأ عن التعنت والتكلف في زمن نزول الوحي.
ثم يقول تعالى:
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: 102] المائدة: 102.
وهنا تحذر الآية من مسلك قد يبدأ بكثرة السؤال غير المنضبط، ثم يتحول إلى رفض لما يترتب عليه من تكليف.
والعبرة التي نأخذها ليست ترك السؤال النافع، بل التمييز بين سؤال يقود إلى الفهم والعمل، وسؤال لا يقصد به إلا التعنت أو الجدل أو طلب ما لا حاجة إليه.
وهذا المعنى يحتاج إليه طالب العلم والداعية والمربي.
فقد ينشغل الإنسان بمسائل بعيدة لا يترتب عليها عمل، بينما يهمل واجبات واضحة أمامه.
وقد يقضي وقتًا طويلًا في خلافات لا يحتاج إليها، ثم يقصر في تعلم ما تصح به عبادته ومعاملاته.
وقد يتحول البحث عن التفاصيل إلى وسيلة لتأجيل العمل بما ثبت لديه من الحق.
لكن لا ينبغي أن نجعل هذه الآية وسيلة لإسكات من يسأل عن دليل أو يطلب فهم حكم أو يناقش مسألة علمية بأدب.
فالسؤال الصادق باب من أبواب العلم، وإنما المذموم ما خرج عن مقصده المشروع.
حين تتحول العادات الموروثة إلى تشريع
ثم يقول تعالى:
تعود السورة إلى قضية الحلال والحرام، ولكن من زاوية العادات الموروثة.
فقد كانت هناك ممارسات تتعلق ببعض الأنعام، جعل أصحابها لها أحكامًا وقيودًا من عند أنفسهم، ثم نسبوها إلى الدين.
وهنا تكشف الآية خطر تحويل العرف إلى تشريع إلهي دون دليل.
فقد تنتقل عادة من جيل إلى جيل حتى يظن الناس أنها من الدين، مع أنها لا تقوم على وحي صحيح.
وقد يتمسك المجتمع بممارسة معينة لمجرد أن الآباء اعتادوها، ثم يعارض من يسأل عن دليلها.
ولهذا تأتي الآية التالية:
وهنا يظهر أصل المشكلة: جعل الموروث معيارًا نهائيًا للحق.
وليس المقصود ذم كل ما ورثناه عن الآباء؛ فقد يرث الإنسان علمًا نافعًا وخلقًا كريمًا وتجارب عظيمة.
لكن الخطأ أن يصبح مجرد سبق الآباء إلى أمر دليلًا كافيًا على صحته، ولو خالف ما أنزل الله.
وهذا المعنى مهم في إصلاح المجتمعات.
فقد تبقى أعراف ظالمة في الزواج أو الميراث أو العلاقات الاجتماعية، ثم تُدافع عنها الجماعة بحجة أنها عادات الآباء.
وقد تُحرم المرأة أو الضعيف من حق قرره الشرع، ثم يُقال إن المجتمع اعتاد ذلك.
وقد تُنسب إلى الدين أحكام لم يشرعها الله، فيصبح تصحيحها في نظر بعض الناس خروجًا على التقاليد.
وهنا يعلمنا القرآن أن احترام الآباء لا يعني تقديس أخطائهم، وأن حفظ الهوية لا يكون بالإصرار على الباطل.
فالميزان هو ما أنزل الله، لا مجرد ما اعتاده الناس.
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105]: مسؤولية النفس لا تعني ترك إصلاح المجتمع
ثم يقول تعالى:
هذه الآية من المواضع التي قد يساء فهمها إذا قُرئت منفصلة عن بقية القرآن.
فقد يتخذها بعض الناس ذريعة للانشغال بصلاح النفس وترك واجب النصح والإصلاح.
لكن السورة نفسها ذمت قبل ذلك من كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.
فكيف تنهى عن ترك التناهي عن المنكر، ثم تأمر المؤمنين بإهمال إصلاح المجتمع؟
إنما المعنى أن الإنسان مسؤول أولًا عن هدايته واستقامته، وأن ضلال غيره لا يضره إذا أدى ما عليه من واجبات الهداية، ومنها ما كلف به من النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب علمه وقدرته.
فليس الإنسان مسؤولًا عن هداية قلوب الناس، لكنه مسؤول عما أوجب الله عليه من بيان ونصح وعمل.
وهنا ينبغي أن نميز بين المسؤولية والنتيجة.
فقد ينصح الأب أبناءه، ويجتهد في تربيتهم، ثم يختار بعضهم طريقًا آخر.
وقد يبذل المعلم جهده في تعليم طلابه، لكنهم يختلفون في الاستجابة.
وقد يعمل المصلح على مواجهة فساد معين، ثم لا يستطيع إزالته كله.
فعدم تحقق النتيجة لا يعني بالضرورة أنه قصر في واجبه.
لكن لا يجوز أن يجعل الإنسان عجزه عن تغيير كل شيء سببًا لترك ما يستطيع فعله.
وهذا المعنى يعيدنا إلى قصة موسى عليه السلام حين قال:
﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: 25].
فقد أدى موسى واجبه في البلاغ والدعوة، لكنه لم يكن يملك إرادة قومه.
وهنا تتضح سنة عظيمة: أن الإنسان مكلف بالسعي المشروع، لا بضمان النتائج التي لا يملكها.
وفي واقعنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: ما الذي أستطيع إصلاحه في نفسي وأسرتي وعملي ومجتمعي؟
فليس مطلوبًا من كل إنسان أن يحمل وحده أعباء الأمة، لكن ليس من الوفاء أن يتخلى عما يستطيع فعله بحجة أن المشكلة أكبر منه.
فصلاح النفس بداية المسؤولية، وليس نهايتها؛ وإصلاح المجتمع واجب بحسب القدرة، لا بحسب ضمان النتيجة.
الوصية والشهادة: حين يبلغ الوفاء بالعهد أدق تفاصيل الحقوق
ثم يقول تعالى:
بعد الحديث عن مسؤولية الإنسان عن نفسه، تنتقل السورة إلى أمانة الشهادة وحفظ الحقوق عند الموت.
وهذا الانتقال يكشف دقة المنهج القرآني في تنظيم حياة الناس.
فقد عالجت السورة مسائل العقيدة والولاء والعدل والحلال والحرام، ثم وصلت إلى تفاصيل الشهادة في الوصية.
وهنا يظهر أن الوفاء بالعهد لا يقتصر على القضايا الكبرى التي تتحدث عنها المجتمعات، بل يشمل الحقوق التي قد تبدو صغيرة في نظر الناس.
فقد يموت الإنسان بعيدًا عن أهله، وتكون معه أموال أو أمانات أو وصية، فيحتاج الأمر إلى شهود يحفظون الحقوق.
وتبين الآيات إجراءات تتعلق بالشهادة واليمين عند الريبة، وما يكون إذا ظهر أن الشاهدين استحقا إثمًا، بما يحقق حفظ الحقوق ويمنع الخيانة.
قال تعالى:
وتأمل قوله:
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ [المائدة: 106].
فهنا يظهر أن القرابة لا تبيح تغيير الشهادة أو كتمان الحق.
وقد يكون من أصعب امتحانات العدل أن يشهد الإنسان بما يضر مصلحة قريب له.
لكن الشهادة أمانة، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لحماية الظالم أو حرمان صاحب الحق.
ثم يقول تعالى:
فهنا يبين القرآن سبيلًا لمعالجة الخلل إذا ظهرت خيانة الشهادة وفق ما قررته الآية من إجراءات.
ولا ينبغي أن نختزل هذه الأحكام في مجرد الوعظ بالأمانة، فهي تتضمن تنظيمًا قضائيًا له تفاصيله التي يبينها أهل العلم.
لكن المعنى الذي يهمنا في سياق السورة أن الحقوق تحتاج إلى إجراءات تحفظها، لا إلى حسن الظن وحده.
فقد يكون الناس صالحين في الجملة، لكن إقامة العدل تقتضي توثيق المعاملات والشهادات، ووضع الوسائل التي تكشف الخيانة وتمنع ضياع الحقوق.
وهذا المعنى يحتاج إليه الأفراد والمؤسسات والدول.
فحفظ الأمانات لا يقوم على الثقة الشخصية وحدها، بل يحتاج إلى أنظمة واضحة للمحاسبة والتوثيق والرقابة.
ثم يقول تعالى:
وهنا تبين الآية مقصدًا من مقاصد هذه الإجراءات: أن تؤدى الشهادة على وجهها، وأن توجد أسباب تردع من يفكر في الخيانة.
فتجتمع الرقابة القضائية مع التقوى.
فالقانون يحمي الحقوق بالإجراءات، والتقوى تضبط الضمير، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
وتأمل خاتمة الآية:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة: 108].
فقد بدأت السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم ذكرت الميثاق الذي قال فيه المؤمنون:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: 7].
وها هي تعود إلى الأمر بالتقوى والسماع بعد بيان أحكام الشهادة.
فكأن السورة تذكرنا بأن تفاصيل الحقوق كلها تدخل في مقتضيات الاستجابة لله.
من شهادة الناس في الدنيا إلى شهادة الرسل يوم القيامة
ثم يقول تعالى:
هنا تنتقل السورة انتقالًا عظيمًا من مشهد الشهادة في الدنيا إلى مشهد الحساب في الآخرة.
فبعد أن بينت أحكام الشهود والأيمان وحفظ الحقوق، تفتح أمامنا يومًا يجمع الله فيه الرسل ويسألهم عما أجيبوا به.
وتأمل هذا الانتقال.
ففي الدنيا قد يختلف الناس في الشهادات، وقد تخفى بعض الحقائق، وقد يستطيع إنسان أن يخدع غيره أو يكتم ما يعلم.
أما يوم القيامة فالأمر كله إلى الله الذي يعلم الغيب والشهادة.
وقد قال الرسل:
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109].
وهذا لا يعني نفي ما علموه من استجابة أقوامهم في الدنيا، وإنما يظهر كمال علم الله بما خفي عنهم من حقائق القلوب والمآلات، وما لا يحيط به علم المخلوق.
فالله وحده يعلم حقيقة ما استقر في الصدور، وما انتهى إليه أمر كل إنسان.
وهنا تتضح صلة هذه الآية بمقصد السورة كله.
فقد بدأت بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم عرضت مواثيق الأمم، وذكرت الطاعة والعصيان، والصدق والخيانة، والعدل والظلم، والاستجابة والإعراض.
وها هي تضع الجميع أمام يوم تنكشف فيه الحقائق.
فلا يكفي أن يدعي الإنسان الوفاء، ولا أن يعلن الإيمان، ولا أن يقسم على الصدق؛ لأن الله يعلم ما أضمره وما عمله.
ومن هنا فإن الحساب الأخروي ليس موضوعًا منفصلًا عن التشريع، بل هو الضمان الإيماني الذي يذكر الإنسان بأن حقوق الناس وأوامر الله لا تنتهي آثارها بانتهاء الحياة الدنيا.
وقد يستطيع الظالم أن يفلت من محاسبة البشر، لكنه لا يستطيع أن يفلت من علم الله.
وقد يضيع حق المظلوم في الدنيا، لكنه لا يضيع عند الله.
وقد يعمل إنسان صالحًا لا يعرفه الناس، لكن الله لا يضيع أجره.
وهكذا يكتمل هذا المقطع وقد انتقلت السورة من ضبط الحلال والحرام، إلى حفظ الأيمان، واجتناب ما يفسد العقل والمال، وتعظيم الشعائر، وتصحيح الموازين، والتحذير من التقليد الأعمى، وتقرير مسؤولية النفس والمجتمع، ثم حفظ الحقوق بالشهادة، حتى وصلت إلى مشهد الحساب.
وهنا نقترب من خاتمة السورة التي ستجمع خيوطها الكبرى في مشهد عيسى عليه السلام يوم القيامة.
فقد تحدثت السورة مرارًا عن أهل الكتاب، وصححت الاعتقاد في المسيح، وذكرت أن الرسل جاءوا بالحق، وأن الناس مسؤولون عن استجابتهم.
والآن يأتي المشهد الذي تظهر فيه حقيقة الرسالة، ويشهد فيه عيسى عليه السلام بما أمره الله أن يبلغه.
قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: 110] المائدة: 110.
وهنا تعود السورة إلى النعمة مرة أخرى، ولكن في مشهد تتجلى فيه عظمة الله، وحقيقة النبوة، ومسؤولية البلاغ، حتى تصل إلى خاتمتها الجامعة:
﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] المائدة: 119.