حراسة العمر بالإعراض الواعي عن صوارف الأوقات وفضول الجدال عبادةٌ تحفظ رأس مال المؤمن، وتجعل الفلاح في إحسان ما يتركه المرء كما هو في إحسان ما يفعله.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
حين ذكر الله صفات المؤمنين المفلحين قال:
واللافت أن الإعراض عن اللغو جاء بعد الخشوع في الصلاة مباشرة.
فكأن من عرف قيمة وقوفه بين يدي الله، عرف كذلك قيمة عمره خارج الصلاة؛ فلا يبدده في كل كلام، ولا يدخل في كل جدال، ولا يجعل قلبه ساحة لكل ما يقال.
والقرآن لم يقل: «والذين لا يلغون»، ولا: «والذين يتركون اللغو»، وإنما قال:
﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].
والإعراض أبلغ من مجرد الترك؛ فقد يعرض اللغو أمامنا، ويستفزنا ويجذبنا، ومع ذلك نصرف عنه أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا.
فاللغو ليس كلامًا فقط، بل يدخل فيه ما لا خير ولا ثمرة نافعة وراءه من قول أو فعل أو انشغال.
ومن هنا نتعلم أن الفلاح ليس بكثرة ما نفعل فقط، بل بحسن ما نترك أيضًا.
نحن نسأل كثيرًا: ماذا أفعل حتى أفلح؟
والقرآن يعلمنا سؤالًا آخر:
ما الذي ينبغي أن أُعرض عنه حتى أفلح؟
فليس بناء الإنسان بما يضيفه إلى حياته فقط، بل بما يملك أن يحذفه منها.
حراسة العمر
قال تعالى في وصف عباد الرحمن:
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
تأملوا: مروا.
لم يقيموا عنده، ولم يجعلوه محطة في حياتهم، ولم يحملوه معهم إلى قلوبهم.
مروا به… وبقيت كرامتهم معهم.
فليس كل مجلس مررنا به ينبغي أن نجلس فيه، وليس كل معركة وجدناها في طريقنا ينبغي أن تصبح معركتنا، وليس كل ما قيل عنا يستحق أن نرد عليه.
فبعض الإعراض ليس عجزًا عن الرد، وإنما معرفة بقيمة العمر.
والعمر هو رأس مال الإنسان الذي لا يعوض.
قد يعوض المال، وتأتي فرصة بعد فرصة، لكن الساعة التي مضت لن تعود.
فحين نعرض عن اللغو، نحن لا نحفظ ألسنتنا فقط؛ بل نحرس أعمارنا.
حين أصبح اللغو في جيوبنا
واللغو قديم، لكن وسائله تضاعفت.
كان الإنسان يحتاج أن يذهب إلى مجلس حتى يسمع ما لا يعنيه، أما اليوم فقد أصبح المجلس في جيبه.
نفتح الهاتف لدقائق، فننتقل من خبر إلى تعليق، ومن تعليق إلى خصومة، ومن مقطع إلى آخر، ثم نرفع رؤوسنا وقد مضت ساعة من أعمارنا، ولا نكاد نجد شيئًا يستحق أن يبقى منها.
فاللغو اليوم قد يكون كلمة نقولها، أو مقطعًا نشاهده، أو خبرًا نتتبعه بلا حاجة، أو جدالًا نراقبه، أو تصفحًا بلا غاية.
ولهذا لم يعد السؤال فقط:
ماذا قلت؟
بل أيضًا:
فيمَ أنفقت انتباهك وعمرك؟
كم من نقاش أفسد قلبًا ولم يصلح واقعًا؟
وكم من خصومة دخلناها فخرجنا منها بقلب أثقل وعمر أنقص؟
وكم من أمر لا يعنينا منحناه من وقتنا أكثر مما منحنا ما ينفعنا؟
وهنا تصبح الآية منهجًا يوميًا:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].
ليس كل صمت فضيلة
لكن الإعراض عن اللغو لا يعني الانسحاب من كل نقاش، ولا السكوت عن كل شيء.
فكلمة الحق ليست لغوًا.
والعلم والنصيحة والإصلاح بين الناس ليست لغوًا.
والدفاع عن مظلوم ليس لغوًا.
والحوار الذي يُرجى منه الوصول إلى الحق ليس لغوًا.
إنما المشكلة حين يتحول الكلام من البحث عن الحق إلى الانتصار للنفس، ومن الإصلاح إلى الخصومة، ومن تبادل الرأي إلى استنزاف القلب والعمر.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].
فالإعراض قرار.
سمعوا، وعرفوا، وكان بإمكانهم الدخول… ثم اختاروا أن يمضوا.
وهذه قوة تحتاج إلى تربية؛ فقد يكون الرد سهلًا، لكن الأصعب أن نملك الرد ثم نعرف أن الصمت هنا أنفع.
ولعل ميزانًا بسيطًا ينفعنا قبل كثير من الكلام:
هل سيخرج من هذا الحديث خير يستحق ما سأدفعه من وقتي وقلبي؟
فإن كان خيرًا، تكلمنا.
وإن كان لغوًا…
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
من أعرض عنه هنا… أُريح منه هناك
والعجيب أن القرآن يرسم خطًا بديعًا بين الدنيا والآخرة.
في الدنيا:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].
ثم في الجنة:
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25–26].
وكأن الجزاء من جنس العمل:
أعرضوا عن اللغو اختيارًا في الدنيا، فأراحهم الله منه إكرامًا في الآخرة.
في الدنيا يحرسون أسماعهم وألسنتهم وقلوبهم.
أما هناك، فقد أراحهم الله من الحراسة نفسها:
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [الواقعة: 25].
لا كلمة تؤذي، ولا خصومة ترهق، ولا غيبة تلوث مجلسًا، ولا حديث يثقل القلب:
﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 26].
ختامًا
لعلنا نحتاج إلى أن نوسع معنى الزهد في حياتنا.
فالزهد ليس في المال والمتاع فقط.
قد يكون من أعظم الزهد في زماننا أن نزهد فيما لا يعنينا.
أن نزهد في جدال لا ثمرة له، وخبر لا نحتاجه، وكلمة تستفزنا لتسرق من أعمارنا، ومحتوى يأخذ ولا يعطي.
فليس كل ما نستطيع سماعه يستحق أن نسمعه، ولا كل ما نعرفه يستحق أن ننقله، ولا كل ما يقال لنا يستحق جوابًا.
وقبل أن ندخل في حديث أو جدال أو متابعة، لنسأل أنفسنا:
هل يستحق هذا أن أعطيه جزءًا من عمري؟
فكل لغو يأخذ من أعمارنا شيئًا ولا يرده إلينا.
والفلاح ليس فقط فيما نفعله…
بل أحيانًا فيما نعرف كيف نمر به كرامًا.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].